مقتدى الصدر نحو فرض معارضة شعبية في العراق؟

22 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
خلال تظاهرة لأتباع التيار الصدري، 14 ديسمبر 2023 (قاسم الكعبي/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يشهد التيار الصدري تحولاً بعد مقاطعته للانتخابات وقرار زعيمه مقتدى الصدر بالعزلة السياسية، لكنه يظل قوة مؤثرة في جنوب ووسط العراق، مما يجعله عاملاً مهماً في تشكيل الحكومة المقبلة.
- استفادت القوى الشيعية الأخرى من غياب الصدر بزيادة نفوذها في البرلمان، بينما يخطط التيار الصدري لدخول السنوات المقبلة كمعارضة، معتمداً على أدوات اجتماعية لمراقبة الحكومة.
- يواجه التيار تحديات في الحفاظ على وحدته وسط محاولات القوى الأخرى لفرض أجندتها، مما يزيد من احتمالية الصدام مع السلطات.

تشهد الساحة السياسية العراقية مرحلة إعادة تشكيل عميقة بعد مقاطعة التيار الوطني الشيعي (التيار الصدري سابقاً) الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وقرار زعيمه مقتدى الصدر الاستمرار في العزلة السياسية المنظمة. هذا القرار، الذي مثّل أحد أكبر التحوّلات في نهج التيار منذ دخوله العملية السياسية بعد 2003، فتح الباب أمام سلسلة من الأسئلة الجوهرية حول مستقبله، ودوره المحتمل في رسم ملامح السنوات الأربع المقبلة، في ظل تغير موازين القوى داخل البرلمان والحكومة على حد سواء.

ورغم انسحاب التيار من المؤسسات التشريعية والتنفيذية، ما زال وزنه الاجتماعي والديني والتنظيمي حاضراً بقوة على الأرض، خصوصاً في مناطق جنوب العراق ووسطه، الأمر الذي يبقي حضوره السياسي غير المباشر عاملاً لا يمكن تجاهله في أي حسابات تخص الحكومة المقبلة. جمهور التيار الصدري، الذي اعتاد في مراحل سابقة لعب دور "الفاعل الميداني" في الضغط على الحكومات، كما حدث خلال ولايات نوري المالكي وحيدر العبادي وعادل عبد المهدي، لا يزال يحتفظ ببنية تنظيمية قادرة على التعبئة السريعة والتأثير في الشارع، خصوصاً في لحظات الأزمات.

ومع تصاعد النقاشات حول شكل الحكومة المقبلة وأولوياتها، تتعدد السيناريوهات بشأن موقف التيار الصدري، ما بين الاستمرار في العزلة السياسية، أو العودة التدريجية عبر بوابة المعارضة المجتمعية، أو حتى استئناف دور الشارع بوصفه وسيلة ضغط، وهو احتمال يعيد إلى الواجهة الهواجس القديمة من احتمال إثارة الشارع وتنظيم تظاهرات، أمام المنطقة الخضراء مجدداً، وما قد يرافق ذلك من توترات ميدانية أو مخاوف من وقوع صدامات غير محسوبة.

استفادة من غياب مقتدى الصدر

واستفادت القوى السياسية العربية الشيعية من غياب مقتدى الصدر عبر زيادة مقاعدها، خصوصاً الأجنحة الجديدة للفصائل المسلحة، وتيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، وأجنحة سياسية شيعية منافسة للصدر في معاقله التقليدية، لا سيما "عصائب أهل الحق"، بزعامة قيس الخزعلي، التي حصلت على 28 مقعداً في هذه الانتخابات، بعضها بمناطق تعتبر معاقل للصدريين، أبرزها ذي قار، والنجف، ومدينتا الصدر والشعلة شرق وشمال غربي بغداد.


مجاشع التميمي: التيار الصدري سيدخل السنوات الأربع المقبلة في موقع المعارضة ذات السقف المفتوح


وقال الناشط السياسي المقرب من التيار الصدري مجاشع التميمي، لـ"العربي الجديد"، إن التيار الصدري سيدخل السنوات الأربع المقبلة في موقع "المعارضة ذات السقف المفتوح"، معتبراً أنها "معارضة ليست تقليدية، ولا محكومة بأدوات البرلمان، بل بأدوات اجتماعية وحركية وتعبوية قد تلجأ إليها قيادة التيار متى ما رأت أن التوازن السياسي يميل ضد رؤيتها أو جمهورها". وأكد أن التيار الصدري "سيحافظ على حضوره قوة اجتماعية وسياسية فاعلة، مع تفعيل قواعده الشعبية، وستكون استراتيجيته مراقبة أداء الحكومة الجديدة، في ملفات مكافحة الفساد وتوزيع المناصب والقرارات الاستراتيجية". وتابع: "أي توتر أو استهداف للتيار سيعيده إلى تحشيد الشارع"، لكنه حذر من أن التيار سيذهب إلى "مسار المواجهة في حال وقوع أخطاء كبيرة من الحكومة، أو تجاهل مصالح جمهور التيار. قد يعود الصدريون إلى الشارع أداةَ ضغط فعالة".

نبيل العزاوي، وهو باحث سياسي عراقي مقرب من رئيس الوزراء الحالي، أكد لـ"العربي الجديد"، أن التيار الصدري عارض العملية السياسية، لكنه لم يعترض على إجراء الانتخابات باعتبارها الوسيلة الوحيدة للتعبير والتغيير، لكنه الآن مراقب لمخرجاتها وكيف ستكون مآلات تشكيلها. وبيّن العزاوي أن "على كل الكتل السياسية أن تفهم خطورة المرحلة التي لا تقبل أنصاف حلول، ووجوب إيجاد خرائط سياسية مختلفة عما كانت، بقراءات عقلانية وواقعية للوصول لحالة تصحيح يُمكن أن تُرضي التيار الصدري، وإذا سارت الأمور على عكس توجهات مقتدى الصدر فبالتأكيد سيكون هناك موقف من الحكومة والعملية السياسية ككل".

من جهته، أكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة كربلاء خالد العرداوي، لـ"العربي الجديد"، أن الانتخابات البرلمانية الأخيرة أثبتت أن توجه التيار الصدري الحالي "لم يكن مفيداً له في الضغط على خصومه، بل على العكس ازداد هؤلاء الخصوم قوة وسيطرة على الجمهور الانتخابي ومفاصل السلطة، ولم يعد أمام التيار إلا اتّباع واحد من خيارين: الأول التحول إلى تيار ديني اجتماعي غير معني بالسياسة والعمل السياسي، والثاني العودة إلى العمل السياسي، واستثمار قاعدته الشعبية في الوصول إلى مشروعه".

كل الخيارات على الطاولة

وأضاف العرداوي أنه "مع استبعاد الخيار الأول، فان عودة التيار إلى ساحة العمل السياسي ستعني طرح جميع الخيارات على الطاولة من أجل الضغط على الحكومة المقبلة التي سيقودها بالتأكيد خصومه الفائزون في الانتخابات، ومحاولة استثمار قاعدته الجماهيرية لفرض معارضة شعبية تحرج الجميع". واعتبر أن فاعلية التيار الصدري في تأجيج الشارع "متوقفة على مدى قدرة الحكومة في التعامل مع الملفات المهمة التي تؤرق الناس، لا سيما الفقر، والبطالة، وضعف البنية التحتية، ومعالجة السلاح المنفلت والجريمة المنظمة، وغيرها، فضلاً عن مدى قدرة الخصوم السياسيين على كسب ثقة الناس وتغيير الصورة القاتمة عنهم في أذهانهم".


خالد العرداوي: الانتخابات أثبتت أن توجه التيار الصدري لم يكن مفيداً في الضغط على خصومه


والتيار الصدري من أبرز الحركات السياسية والدينية في العراق منذ العام 2003، ويتميز بقاعدته الشعبية الكبيرة والمرنة، التي تمتد بين المدن الكبرى والقرى، خاصة في بغداد، النجف، كربلاء، والبصرة. وأسس هذه الحركة رجل الدين الشيعي البارز مقتدى الصدر الذي جمع بين الخطاب الديني والاجتماعي والسياسي، وقدرته على التأثير في الشارع جعلت من التيار لاعباً مؤثراً على مدى العقدين الماضيين. ودخل التيار الصدري العملية السياسية منذ أول انتخابات برلمانية بعد سقوط نظام صدام حسين، وحقق نجاحات متتالية في البرلمان، كما تولى بعض وزرائه مناصب تنفيذية في الحكومات المتعاقبة. ومع ذلك، فإن تاريخه السياسي شهد تقلبات حادة بين الانخراط الكامل في الحكم والمقاطعة أو الانسحاب، بحسب تقديرات القيادة الصدرية لمصالح الحركة والمجتمع.

ومع تكوين الحكومة المقبلة، يواجه التيار الصدري تحديات عدة: الحفاظ على وحدته الداخلية، إدارة قاعدة جماهيره، وإيجاد توازن بين العزلة السياسية والضغط الشعبي، في حين تحاول القوى الشيعية الأخرى فرض أجندتها السياسية دون إشراك التيار. كما أن الظروف الاقتصادية والأمنية الراهنة، إلى جانب الأزمات المجتمعية، قد تزيد من قدرة الشارع الصدري على التأثير، لكنها تحمل أيضاً مخاطر صدام محتمل مع السلطات أو مع مكونات سياسية أخرى.

المساهمون