مفاوضات الخرطوم و"الحركة الشعبية": عوامل جديدة ترجح الاتفاق

مفاوضات الخرطوم و"الحركة الشعبية": عوامل جديدة ترجح الاتفاق

28 مايو 2021
الصورة
سعى حمدوك إلى تحقيق اختراق بالاجتماع مع الحلو العام الماضي (الأناضول)
+ الخط -

ترتفع الآمال في السودان ولدى المجتمع الدولي في أن تحقق جولة المفاوضات الجديدة بين الحكومة الانتقالية و"الحركة الشعبية لتحرير السودان" اختراقاً جديداً يُضاف إلى رزنامة اتفاقيات السلام التي أنجزتها حكومة ما بعد الثورة في السودان، خصوصاً في ظل مستجدات عديدة تعطي الجولة الجديدة عناصر نجاح أكثر من سابقتها.
الجولة الجديدة، التي تأتي بعد فشل مسار التفاوض بين الطرفين، العام الماضي، انطلقت أمس الأول، الأربعاء، بجلسة افتتاحية شارك فيها رئيس حكومة جنوب السودان سلفاكير ميارديت، التي تتوسط بين الطرفين، ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك، إضافة إلى رئيس "الحركة الشعبية" عبد العزيز الحلو، فيما يقود الوفد الحكومي خلال المفاوضات عضو مجلس السيادة، الفريق شمس الدين كباشي، بينما يقود وفد الحركة أمينها العام عمار دلدوم.

ومن اللافت خلال الجولة الحالية هو التغيير الذي حدث في قيادة الوفد الحكومي، فقد أُبعد عنه نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي رأس كل جولات التفاوض مع الحركات المسلحة، وتمت تسمية الكباشي رئيساً للوفد، وسبب ذلك أن "الحركة الشعبية" لديها موقف من دقلو، إذ تتهم قوات الدعم السريع التي يرأسها بارتكاب جرائم بشعة ضد المدنيين في عدد من المناطق، وتعدها قوات معادية للسلام. وصعّدت الحركة ذلك الموقف بالانسحاب من إحدى الجولات في أغسطس/ آب الماضي، احتجاجاً على ترؤس دقلو الوفد الحكومي، واعتبرته غير مؤهل لذلك.

ضغط دولي كبير على الطرفين للتوقيع على اتفاق سلام في أسرع وقت

مع كل ذلك يبدو أن الجولة الجديدة للمفاوضات تمتلك عناصر نجاح أكثر من سابقتها لأكثر من سبب، أولها تجاوز عقبة علاقة الدين بالدولة باتفاق إعلان المبادئ الذي سيكون قاعدة تفاوض أساسية، وإن كانت الخلافات حول التفاصيل يتوقع لها أن تفرض نفسها تماماً خلال المفاوضات، خصوصاً مع الرفض النسبي للاتفاق المبدئي الذي تم التوصل إليه سابقاً من التيارات الدينية. وثانيها الضغط الدولي الكبير على الطرفين للتوقيع على اتفاق سلام في أسرع وقت، يساهم في نجاح الفترة الانتقالية وإنهاء معاناة المواطنين في مناطق النزاع.

أما السبب الثالث فهو عدم وجود خيار في الوقت الحالي لأي من الطرفين، فالحكومة السودانية التي تعاني اقتصادياً لا تريد دفع فاتورة جديدة للحرب، والحركة نفسها لا تراهن على القوة العسكرية، خصوصاً مع القناعة بالدعم الدولي المقدم للحكومة الانتقالية، ووجود فرص للمقاومة المدنية. أما رابع مؤشرات نجاح المفاوضات، فهو حسم اتفاق إعلان المبادئ لموضوع الترتيبات الأمنية بصورة واضحة، إذ أبقى على قوات الجيش الشعبي، الجناح العسكري لـ"الحركة الشعبية"، طوال الفترة الانتقالية، كما أكد على أن يكون للسودان جيش قومي مهني واحد يعمل وفق عقيدة عسكرية موحدة جديدة ويلتزم بحماية الأمن الوطني وفقاً للدستور، على أن تعكس المؤسسات الأمنية التنوع والتعدد السوداني وأن يكون ولاؤها للوطن وليس لحزب أو جماعة، ويجب أن تكون عملية دمج وتوحيد القوات عملية متدرجة وتكتمل في نهاية الفترة الانتقالية وبعد حل مسالة العلاقة بين الدين والدولة في الدستور.

وكانت "الحركة الشعبية لتحرير السودان"، وهي واحدة من الحركات المتمردة التي قاتلت نظام الرئيس المعزول عمر البشير منذ العام 2011 في كل من جنوب كردفان والنيل الأزرق للمطالبة بوضع خاص للمنطقتين، قد رفضت بعد سقوط النظام وبدء مفاوضات السلام مع الحكومة قبل نحو عامين، الجلوس على طاولة واحدة مع الحركات المتمردة الأخرى، وتمسكت بأن يكون لها مسار تفاوضي منفصل، لأنها ترى نفسها الأقوى سياسياً وشعبياً وعسكرياً، ولتحفظها على توجهات بقية الحركات، عدا أزمتها المباشرة مع الحركة الشعبية - فصيل مالك عقار، إذ كانتا حركة واحدة لكنهما انفصلتا في العام 2017 بعد سلسلة من الخلافات الداخلية.

لاحقاً وافقت وساطة جنوب السودان على مضض على تخصيص مسار منفصل كما أرادت الحركة، وفي العام الماضي بدأ التفاوض بين الحكومة الانتقالية والحركة، لكنه اصطدم طوال الأشهر الأولى بعقبة تمسك الحركة بعلمانية الدولة كشرط أساسي، إذ لم توافق عليه الخرطوم، ليتم الانتقال إلى شرط آخر هو منح منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق حق تقرير المصير. ورفض وفد الحركة الدخول في أي تفاصيل أخرى تتعلق بمشاركتها في السلطة وغيرها من تفاصيل من دون حسم جدل العلمانية وفصل الدين عن الدولة، وهذا ما رفضه الوفد الحكومي. ومع انسداد أفق التفاوض مع "الحركة الشعبية"، تم رفع الجلسات نهائياً، فيما توصلت الخرطوم إلى اتفاق مع الحركات الأخرى، في 3 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، شاركت بموجبه في الحكومة الحالية.

لجأ رئيس الوزراء عبد الله حمدوك بنفسه مع بداية سبتمبر/ أيلول الماضي إلى محاولة إحداث اختراق مع "الحركة الشعبية" بقيادة الحلو، وذلك بعيداً عن المفاوضات في جوبا، خصوصاً مع إحساس الجميع بضعف عملية السلام بغياب الحركة التي تُعد الأهم من بين الحركات المتمردة، بسبب التأييد الشعبي الواسع الذي تحظى به في كل من جنوب كردفان والنيل الأزرق، حتى على المستوى القومي، وسيطرتها على أجزاء كبيرة من أراضي جنوب كردفان على وجه التحديد، وقدراتها التنظيمية والإدارية مقارنة ببقية الحركات. وتمكن حمدوك من التوقيع في أديس أبابا على اتفاق مع الحلو، يضمن العودة للتفاوض ومناقشة علاقة الدين بالدولة بجدية وعقد ورش عمل بشأنها. ويبدو أن رئيس الوزراء ومكونات سياسية أخرى أكثر حرصاً على انضمام حركة الحلو إلى العملية السلمية، لأن توجهات الحركة أقرب إلى توجهات المدنيين، وأبعد عن المكون العسكري، عكس الحركات المتمردة التي ظلت في الآونة الأخيرة في حالة تماه مع العسكر لدرجة كبيرة.

وجد اتفاق حمدوك-الحلو اعتراضاً من المكون العسكري، خصوصاً من الكباشي، الذي اعتبره "عطاء من لا يملك لمن لا يستحق"، وهو رفض قُرئ في سياق التجاذب بين المكونين العسكري والمدني. ومن المفارقات بعد ذلك، أن البرهان بادر للقاء الحلو والتوقيع معه على اتفاق، في مارس/ آذار الماضي، ينص على فصل الهويات الثقافية والإثنية والدينية والجهوية عن الدولة، وأن لا تفرض الدولة ديناً على أي شخص ولا تتبنى ديناً رسمياً، وتكون الدولة غير منحازة في ما يخص الشؤون الدينية وشؤون المعتقد، كما تكفل الدولة وتحمي حرية الدين والممارسات الدينية، على أن تُضمّن كل تلك المبادئ في الدستور.

ذلك الاتفاق الذي عُرف باتفاق المبادئ، أنعش الآمال بإمكانية تحقيق سلام مع الحركة الأكثر قوة وعتاداً وتحظى كذلك بدعم نسبي إقليمي ودولي، كما أنها تحمل رمزية الحركة التاريخية التي بدأت القتال منذ العام 1983 بقيادة الراحل جون قرنق، ضد الحكومات المركزية في الخرطوم، قبل انفصال جنوب السودان عام 2011.

وبالنسبة للجولة الحالية، يشير المحلل السياسي إبراهيم عربي إلى عامل مهم قد يساهم في إنجاح المفاوضات، يتمثل بالعلاقة التاريخية بين حكومة جنوب السودان و"الحركة الشعبية"، والعلاقة الشخصية بين ميارديت والحلو، لارتباطهما معاً بفترة النضال قبل انفصال الجنوب. لكن عربي يستدرك بأن حكومة الجنوب نفسها لن تمارس الضغوط على الحركة والاستفادة من علاقتها بالحلو إلا إذا حصلت على ضمانات بحلحلة مشاكلها العالقة مع السودان، والمتصلة بالخلاف على عدد من المناطق الحدودية، والتوافق على ملف تصدير بترول جنوب السودان عبر الأراضي السودانية، فضلاً عن ملف منطقة أبيي المتنازع عليها، وهو الأكثر تعقيداً.

من بين عقبات التفاوض الحالية عدم اتفاق الحكومة الانتقالية على رؤية واحدة حول التفاوض

ويضيف عربي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن من بين التحديات الأخرى التي ستواجهها المفاوضات هو موضوع الاتفاقيات السابقة التي وقّعتها الحكومة مع الحركات المسلحة، خصوصاً فصيل عقار، الذي فاوض حول الوضع في منطقة النيل الأزرق، بينما سيفاوض فصيل الحلو أيضاً على وضع المنطقة، ما قد يخلق تنازعاً إذا تم التوصل إلى اتفاق سلام حول المنطقة. كذلك يحذر من وضع مقاتلين آخرين موجودين في منطقة جنوب كردفان ينتمون إلى مجموعات أخرى، مثل نائب حاكم الولاية الأسبق دانيال كودي، الذي يواليه أكثر من 10 آلاف مسلح، مبيناً أن التحدي الكبير للمفاوضات هو مصير 30 ألف مقاتل قاتلوا إلى جانب الحركة لعقود ويرغبون في العودة إلى حياتهم الطبيعية بضمانات معيشية كافية.
على الجانب الحكومي، يرى عربي أن من بين عقبات التفاوض الحالية عدم اتفاق الحكومة الانتقالية على رؤية واحدة حول التفاوض، خصوصاً داخل الحاضنة السياسية للحكومة ممثلة في "تحالف الحرية والتغيير" الذي يوجد بكثافة في جوبا، فكل منهما يحمل رؤية مختلفة عن الطرف الآخر، مؤكداً أن كل التحديات لا يجدي معها فقط الضغط الدولي الواضح الآن، لكنها تحتاج لجهد كبير من الطرفين وعمل عميق وممتد ينهي حرباً طويلة، يؤمن الجميع بعدم الرغبة في العودة إلى ميادينها من جديد.

المساهمون