مصر: محاكمة سرّية للصحافي محمود دياب بعد إخفاء قسري

28 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 21:46 (توقيت القدس)
الصحافي محمود دياب (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت محكمة بدر شرق القاهرة محاكمة سرية لتسعة متهمين بتهمة "التخابر مع دول أجنبية"، بينهم الصحافي محمود دياب، مما يثير تساؤلات حول حقوق الإنسان وحدود الصحافة.
- اختفى دياب في سبتمبر 2022 أثناء سفره إلى بكين، ووجهت له اتهامات بالتخابر مع جهات إيرانية وصينية، رغم أن المعلومات المتداولة تتعلق بتقارير صحافية منشورة.
- انتقدت نقابة الصحافيين والمنظمات الحقوقية المحاكمة السرية، مطالبة بإطلاق سراح دياب ومحاكمات علنية وعادلة، مشيرة إلى أن تهم "التخابر" تسيء لصورة مصر الدولية.

شهد مجمع محاكم بدر شرق القاهرة بمصر، اليوم الأحد، انعقاد أولى جلسات محاكمة وُصفت بأنها "سرّية"، في قضية تضم تسعة متهمين، بينهم الصحافي المصري محمود دياب وثمانية أجانب من جنسيات مختلفة، بتهمة "التخابر مع دول أجنبية"، وتحديداً الصين وإيران. ورغم اتهامات نيابة أمن الدولة العليا، فإن خلفيات القضية وطريقة سيرها منذ بدايتها تكشف عن إشكالات حقوقية وقانونية، وتطرح أسئلة حول حدود مهنة الصحافة وغياب ضمانات العدالة.

وقررت المحكمة تأجيل نظر القضية إلى 25 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، لكن غياب العلنية والغموض حول الاختفاء القسري للصحافي المتهم، وطبيعة الاتهامات المبنية على عمله الصحافي، تثير الشكوك حول تعرضه لمحاكمة عادلة. محمود سعد كامل دياب صحافي مصري في مؤسسة "الأهرام" الحكومية، وعضو بنقابة الصحافيين، يبلغ من العمر 43 عاماً، وأب لأربعة أطفال، عرف بين زملائه بعمله الصحافي الممتد عبر سنوات مع وسائل إعلام محلية ودولية، خصوصاً التلفزيون الصيني، حيث كان يغطي فعاليات اقتصادية وثقافية كبرى داخل مصر وخارجها.

ولم يكن محمود دياب شخصية مجهولة أو غامضة، بل صحافيا معتمدا، له حضور علني في الفعاليات الرسمية للسفارات الأجنبية بالقاهرة، وكان ينشر بانتظام تقارير وتحقيقات صحافية في وسائل إعلامية مفتوحة، الأمر الذي يتناقض مع الصورة التي رسمتها التحقيقات له كـ"جاسوس محترف".

القصة لم تبدأ مع قرار الإحالة، بل مع واقعة اختفاء دياب قسرياً. ففي 6 سبتمبر/أيلول 2022، وأثناء إنهاء إجراءات سفره بمطار القاهرة متجهاً إلى بكين في مهمة عمل لصالح التلفزيون الصيني، اختفى بشكل مفاجئ. أُغلق هاتفه بعد عشر دقائق من دخوله المطار، ثم تلقت أسرته رسائل غامضة من رقمه على "واتساب" تفيد بأنه وصل إلى الصين وموضوع في الحجر الصحي. لكن الحقيقة تكشفت سريعاً: شركة مصر للطيران أكدت أنه لم يغادر البلاد مطلقاً، فيما أرسل التلفزيون الصيني استفساراً رسمياً لغيابه. بعد ذلك، تبيّن أن جهازاً أمنياً سيادياً يحتجزه في أحد السجون العسكرية، مع حرمان أسرته من أي معلومة عن مكانه أو وضعه الصحي، رغم إصابته بمرض السكري وحاجته للعلاج المستمر.

استمر هذا الإخفاء لأكثر من 80 يوماً، قبل أن يظهر فجأة متّهماً في قضية تخابر، في مخالفة فادحة للدستور المصري والاتفاقيات الدولية التي تجرّم الاختفاء القسري وتعتبره جريمة ضد الإنسانية.

أوراق القضية، كما وردت في قرار الإحالة الصادر عن نيابة أمن الدولة العليا، أكدت أن دياب ارتكب أفعالاً "مضرة بمركز مصر السياسي والدبلوماسي والاقتصادي"، عبر التخابر مع جهات إيرانية وصينية، وذلك في فترة امتدت من عام 2014 وحتى سبتمبر/أيلول 2022. وقالت النيابة إن محمود دياب تواصل مع شخصين من المتهمين في القضية نفسها، يعملان لحساب أجهزة الاستخبارات الإيرانية. وادعت التحقيقات أنه زودهما بتقارير عن القرارات السياسية والاقتصادية المصرية، وعن العمليات العسكرية في شمال سيناء، وأداء الأجهزة الأمنية مع المعارضين والمحبوسين، إضافة إلى معلومات عن الأحزاب والتنظيمات السياسية، وأنه أعدّ خريطة للمتشيعين في مصر بهدف "نشر الفكر الشيعي"، وأنه تلقى مقابلاً مالياً بلغ نحو 13,900 يورو.

كما اتهمته النيابة بالتواصل مع مجموعة من الأجانب (من الرابع إلى التاسع في القضية) "المرتبطين بأجهزة استخبارات صينية"، مشيرة إلى أن دياب أمدّهم بتقارير عن المواقف المصرية من القضايا الإقليمية والدولية، والاتفاقيات الاقتصادية، والأوضاع الداخلية، وأنه فتح قنوات اتصال بين صحافيين مصريين وبين مؤسسات بحثية مرتبطة بالاستخبارات الصينية. واعتبرت النيابة هذه المراكز البحثية مجرد "واجهات للتخابر"، زاعمة أنه حصل مقابل ذلك على نحو 93 ألف يوان صيني.

كما اتهمت التحقيقات المتهمين الآخرين بالاشتراك عبر "الاتفاق والمساعدة"، من خلال الدعم المالي والتقني لتأمين التواصل مع دياب. وذكرت أوراق النيابة أنهم استخدموا جامعات ومراكز أبحاث كغطاء للتعاون معه، ووصفت هذه الأنشطة بأنها جزء من خطة للإضرار بمركز مصر السياسي والاقتصادي والدبلوماسي.

القراءة الحقوقية لقرار الإحالة تكشف عدة ملاحظات أساسية، منها غياب المشروعية منذ البداية، إذ إن إدراج متهم في قضية "تخابر" بعد أشهر من اختفائه قسرياً ينسف أي مشروعية للإجراءات، كما من المفترض أن يمثل أمام النيابة خلال 24 ساعة من توقيفه وفقاً للدستور. ويثير خلط الصحافة بالتجسس عدة شكوك، فالتقارير الصحافية التي يُتهم دياب بجمعها ونشرها، من قبيل متابعة الاتفاقيات الاقتصادية أو المواقف الدبلوماسية، هي مواد منشورة علناً في الصحافة المصرية والعالمية، ولا يمكن اعتبارها أسرار دولة تستوجب المحاكمة.

كما أن الأرقام الواردة في التحقيقات (13,900 يورو و93 ألف يوان) تبدو ضئيلة للغاية إذا ما قورنت بخطورة الاتهام الموجه إليه، ما يثير شبهة تضخيم القضية دون دلائل مادية قوية. ومن جانب آخر، فإن سرية المحاكمة، وحرمان المجتمع من الرقابة على القضاء، يناقضان الحق في محاكمة علنية وعادلة المنصوص عليه في المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

وتأتي هذه المحاكمة في سياق سياسي معروف يتم فيه استخدام تهم "التخابر" و"نشر أخبار كاذبة" أدوات لتقييد حرية الصحافة وتكميم الأفواه، وهو ما يزيد من المخاوف بشأن عدالة المحاكمة. وطالبت نقابة الصحافيين، مراراً بإخلاء سبيل محمود دياب وغيره من الصحافيين المحبوسين، مؤكدة أن استمرار حبس صحافي بسبب عمله الإعلامي يسيء لصورة مصر الدولية، ويتناقض مع التزاماتها الدستورية. وفي وقت سابق، رفعت النقابة قائمة بأسماء 19 صحافياً محبوسين احتياطياً، بينهم محمود دياب، مطالبة بالإفراج عنهم بمناسبة يوم الصحافي. كما شدد النقيب خالد البلشي على ضرورة إنهاء ملف حبس الصحافيين، قائلاً إن "الحلم هو بصحافة بلا قيود وسجون خالية من الصحافيين". أما المنظمات الحقوقية المصرية والدولية، فقد دانت ممارسات الإخفاء القسري، وأشارت إلى أن قضايا "التخابر" كثيراً ما تُستخدم ذريعة لإسكات الصحافيين والمعارضين السياسيين.