مخاوف صينية من توسع "ناتو" في آسيا والمحيط الهادئ

17 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 02:00 (توقيت القدس)
مناورات لناتو، بيموفو بيسكي ـ بولندا، 6 مايو 2026 (شون غالوب/Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يشير "ناتو 3.0" إلى تحول في هيكلة حلف شمال الأطلسي، حيث تتحمل أوروبا مسؤوليات دفاعية أكبر، بينما تعيد الولايات المتحدة ضبط التزاماتها العالمية، مما يعكس تحولاً من الدفاع الإقليمي إلى نموذج أوروبي يركز على الدفاع عن الأراضي الأوروبية.

- تعتقد الصين أن توسع "ناتو" في آسيا والمحيط الهادئ يقوض الأمن الإقليمي ويزيد المواجهة، معتبرةً ذلك استمراراً لنهج الحرب الباردة وضغطاً على البيئة الأمنية المحيطة بالصين.

- تشعر الصين بالقلق من استخدام "ناتو" للوسائل الجيواقتصادية لإعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، مما يؤثر على التنمية التكنولوجية للصين وأمنها الاقتصادي، ويزيد التوتر بين الهيمنة الأميركية والاستقلالية الأوروبية.

رأت أوساط أكاديمية حكومية في الصين أن تحول حلف شمال الأطلسي (ناتو) نحو صيغة "ناتو 3.0"، التي تقودها أوروبا بشكل أكبر، لن ينجح في رأب الصدع الاستراتيجي العميق بين واشنطن والعواصم الأوروبية. وفي تقرير نُشر مطلع الأسبوع الحالي، حذرت معاهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة (تتبع وزارة أمن الدولة الصينية) من أن توسيع نطاق التعاون العسكري والدفاعي لحلف "ناتو" مع دول منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مثل اليابان، سيجعل التكتل "على خلاف متزايد مع نظام عالمي متعدد الأقطاب يتسارع تشكّله".

مفهوم "ناتو 3.0" بوصفه توجّهاً استراتيجياً حديثاً

ويأتي هذا التقرير في أعقاب القمة التي عقدها الحلف في أنقرة الأسبوع الماضي، حيث تم تبني مفهوم "ناتو 3.0" رسمياً باعتباره أحدث توجه استراتيجي للحلف. ويشير المصطلح بشكل عام إلى عملية إعادة هيكلة شاملة تنقل المزيد من مسؤولية الدفاع التقليدي إلى عاتق أوروبا، في حين تعيد الولايات المتحدة ضبط التزاماتها العالمية. ووفقاً للمركز الصيني، يمثل هذا التحول مرحلة جديدة في تطور "ناتو"، من الدفاع الإقليمي ضد الاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة (1947 ـ 1991)، مروراً بالتدخلات خارج نطاق الحلف وإدارة الأزمات، وصولاً إلى نموذج تقوده أوروبا ويركز على الدفاع عن الأراضي الأوروبية والردع.


وانغ جو: تعتقد الصين أن توسع "ناتو" سيقوض بنية الأمن الإقليمي ويزيد من حدة المواجهة

ويُعزى هذا التحول، في جزء كبير منه، حسب التقرير، إلى التركيز المتجدد لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مبدأ "تقاسم الأعباء"، إذ تمنح استراتيجية الأمن القومي الأميركية

، التي صدرت في الخامس من ديسمبر/كانون الأول 2025، الأولوية لنصف الكرة الأرضية الغربي، ما يضع ضغوطاً إضافية على الحلفاء الأوروبيين لتحمل "المسؤولية الأساسية" عن دفاعهم التقليدي. غير أن هذا التوجه نحو تقاسم الأعباء يكشف عن صراع مصالح أكثر جوهرية. وأشار التقرير إلى أنه في الوقت الذي ترى واشنطن في هذا التحوّل وسيلة لخفض تكاليفها الأمنية وإبقاء أوروبا مرتبطة بأنظمة الأسلحة الأميركية، تستغل الحكومات الأوروبية هذه اللحظة للسعي نحو تحقيق استقلال استراتيجي حقيقي وإعادة بناء سلاسل توريد الدفاع الخاصة بها. وأضاف أن نموذج الإنتاج المفضل لدى واشنطن، القائم على شعار "صُنع بواسطة ناتو"، ورغبة أوروبا في "شراء منتجات أوروبية"، يعكسان صراعاً صناعياً مزمناً حول الجهة التي ستسيطر على مستقبل الدفاع في القارة. كما انتقد التقرير التحركات العسكرية المتزايدة لبعض أعضاء "ناتو" في آسيا، لا سيما علاقاتهم الدفاعية مع اليابان وكوريا الجنوبية.

إضافة إلى ذلك، شدّد المركز الصيني على أن استعراض القوة خارج النطاق التقليدي لحلف "ناتو" يؤدي إلى زعزعة شديدة للاستقرار الأمني في مناطق أخرى، وأن هذا الأمر لا يقوض الأمن الأوروبي فحسب، بل يهدد الاستقرار العالمي. ولفت إلى أن التوجه العالمي المتطور لحلف "ناتو" لم يغير من طبيعته الجوهرية "أداةً للحفاظ على الهيمنة الأميركية وحمايتها"، متهماً الحلف بالتمسك بعقلية الربح والخسارة المطلقة ذات المحصلة صفر، التي سادت في حقبة الحرب الباردة. وخلص المركز إلى أن "ناتو" بصيغته الجديدة سيزيد من كشف التناقض بين الهيمنة الأميركية والاستقلالية الأوروبية، ما يجعل الحلف أكثر ابتعاداً عن مواكبة عالم متعدد الأقطاب.

تاريخياً، اقتصر النطاق الجغرافي لأنشطة حلف "ناتو" على منطقة شمال الأطلسي

، كما أن المادة الخامسة منه، الخاصة بالدفاع الجماعي، لا تنطبق إلا على أوروبا وأميركا الشمالية، قبل توسعها في تسعينيات القرن الماضي من البلقان إلى أفغانستان. ومع ذلك، لطالما نظرت بكين إلى توسع حضور الحلف في آسيا باعتباره جزءاً من مسعى أميركي لإنشاء "نسخة آسيوية من ناتو" بهدف احتواء الصعود الصيني، وهي مخاوف تعززت عقب اجتماع الأمين العام للحلف مارك روته، في أنقرة، مع قادة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ. فضلاً عن أن دول المحيطين الهندي والهادئ الأربع، وهي أستراليا واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية، أصبحت من الضيوف الدائمين في قمم "ناتو" منذ أن بدأ الحلف تكثيف تواصله مع المنطقة في عام 2022.


يشير مصطلح "ناتو 3.0" إلى عملية إعادة هيكلة شاملة تنقل المزيد من مسؤوليات الدفاع التقليدي إلى عاتق أوروبا

في السياق، قال أستاذ الدراسات السياسية في جامعة صن يات سن، وانغ جو، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن قلق بكين بشأن توسع حلف "ناتو" بصيغته الجديدة يكمن في نفوذه الجيوسياسي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، إذ تعتقد أن هذا سيقوض بنية الأمن الإقليمي ويزيد من حدة المواجهة، ويضر بمصالح الصين الاستراتيجية الجوهرية. وأضاف أن الصين تنظر إلى هذا التوسع باعتباره استمراراً لنهج الحرب الباردة، وأحد الأسباب الجذرية للأزمة الروسية الأوكرانية. كما يمثل ضغطاً مباشراً على البيئة الأمنية المحيطة بالصين، بهدف احتواء صعودها والحفاظ على النظام المهيمن بقيادة الولايات المتحدة.

ما هي مخاوف الصين؟

لفت وانغ أيضاً إلى أن بكين تشعر بالقلق إزاء محاولة حلف "ناتو" إقامة علاقات مؤسسية، من خلال استمالة دول التحالف الرباعي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، التي تضم اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، باعتبار أن هذه الخطوة تشكل أساساً لحلف مصغر معاد للصين في المنطقة. كما أن إحياء فكر الحرب الباردة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ يهدد بشكل خطير السلام والاستقرار الإقليميين، وهناك خشية صينية أكبر تتعلق بمضيق تايوان، وسط مخاوف من أن تُستخدَم المسألة التايوانية ذريعةً للتدخل في شؤونها الداخلية وكبح جماح عملية إعادة التوحيد السلمي الذي تسعى إليه بكين.

وأشار وانغ إلى بعد اقتصادي ذي صلة، ذلك أنه "إلى جانب المجالات العسكرية والأمنية التقليدية، يركز ناتو بشكل متزايد على ما يُسمى بناء القدرات وأمن سلاسل التوريد. وتشعر بكين بالقلق من أن يستخدم الحلف الوسائل الجيواقتصادية لإعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، ما يُؤدي إلى دمج ممنهج للقوة العسكرية والتكنولوجية وكذلك السياسات الصناعية الغربية، وبالتالي، التأثير على التنمية التكنولوجية المتقدمة للصين، وعلى أمنها الاقتصادي".