محمد القصاص.. 7 سنوات من الحبس في خصومة سياسية لا تنتهي بمصر

11 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 18:21 (توقيت القدس)
نائب رئيس حزب "مصر القوية" محمد القصاص (إكس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تصاعد القمع السياسي في مصر: منذ اعتقاله في 2018، أصبح محمد القصاص رمزًا لتنكيل الدولة بالمعارضين، حيث حُكم عليه بالسجن عشر سنوات وأُدرج في قضايا أخرى قد تصل عقوباتها للإعدام، مما يعكس اتساع دائرة القمع.

- الرحلة السياسية لمحمد القصاص: بدأ نشاطه السياسي في الجامعة مع الإخوان المسلمين، وشارك في حركات معارضة، ثم أسس حزب "التيار المصري" الذي اندمج مع "مصر القوية"، ليصبح نائبًا لرئيس الحزب وأحد أبرز الأصوات المعارضة.

- معاناة القصاص الصحية وظروف احتجازه: يعاني من اضطرابات صحية ولم يتلقَ الرعاية اللازمة، وتعرض للحبس الانفرادي ومنع من التريض، مع استمرار المطالبات الحقوقية بالإفراج عنه.

شكّلت محاكمة السياسي المعارض والمدافع عن حقوق الإنسان محمد القصاص محطة جديدة في مسار الخصومة السياسية المتصاعد في مصر. فمنذ اعتقاله في فبراير/ شباط 2018، خلال حملة أمنية موسّعة سبقت الانتخابات الرئاسية واستهدفت وجوهاً معارضة عدة، ظل نائب رئيس حزب "مصر القوية" رهين الحبس والتدوير والاتهامات المتلاحقة. ولم يقتصر العقاب على استمرار احتجازه، بل تصاعد مع صدور حكم بسجنه عشر سنوات، ثم إدراجه في ثلاث قضايا أخرى حملت تهماً قد تصل عقوباتها إلى ما قبل الإعدام، في دلالة واضحة على اتساع دائرة التنكيل التي تطاول الخصوم السياسيين والناشطين في البلاد.

وكانت أحدث محطات تلك الخصومة مساء العاشر من ديسمبر/ كانون الأول الجاري، حين أجّلت محكمة جنايات القاهرة، المنعقدة في مجمع سجون بدر، نظر محاكمته هو ورئيس حزبه عبد المنعم أبو الفتوح وآخرين، في القضية رقم 786 لسنة 2020 (حصر أمن الدولة)، والمقيّدة برقم 1023 لسنة 2024 (جنايات أمن الدولة)، إلى جلسة الثاني فبراير/ شباط المقبل، وذلك لتمكين الدفاع من استكمال مرافعاته.

وكانت النيابة العامة قد وجّهت إلى المتهمين اتهامات بتولي قيادة جماعة أُسست على خلاف أحكام القانون، وتعطيل الدستور، والتحريض ضد مؤسسات الدولة، وتمويل الإرهاب عبر توفير الدعم المالي والأسلحة لتنفيذ مخططات الجماعة، وهي اتهامات تضمنت أنشطة جماعة الإخوان المسلمين المحظورة كافة.

رحلته من الإخوان إلى "مصر القوية"

وُلد محمد علي إبراهيم القصاص، وشهرته محمد القصاص، في 3 مارس/آذار 1974. وبدأت رحلته السياسية في المرحلة الجامعية بكلية دار العلوم، جامعة القاهرة، حيث انخرط في العمل الطلابي والسياسي منتمياً لجماعة الإخوان المسلمين آنذاك. بعد تخرجه، واصل القصاص نشاطه تحت مظلة الإخوان، بالتوازي مع مشاركته في حركات معارضة أوسع، مثل "كفاية" و"الجمعية الوطنية للتغيير"، التي سعت لإنهاء حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك. وشارك القصاص في ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، وكان عضواً فاعلاً في "ائتلاف شباب الثورة" الذي تجاوز الأطر التنظيمية بهدف إسقاط النظام الديكتاتوري.

وشهد مساره السياسي تحولاً جذرياً بعد الثورة. فمع تراجع جماعة الإخوان عن قرارها عدم الدفع بمرشح في انتخابات الرئاسة 2012، قرر محمد القصاص الخروج من الجماعة. وفي ديسمبر/ كانون الأول 2013، شارك مع عدد من شباب الثورة في تأسيس حزب "التيار المصري" المناهض للإخوان. وفي عام 2014، اندمج "التيار المصري" مع حزب "مصر القوية" الذي أسسه الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح. وفي سبتمبر/ أيلول 2016، صدر قرار بتعيين القصاص نائباً لرئيس الحزب، ليصبح أحد أبرز الأصوات السياسية المعارضة في البلاد.

مسلسل التدوير والأحكام الاستثنائية

وبدأت رحلة القصاص مع الحبس في 10 فبراير/ شباط 2018، عندما أُلقي القبض عليه أثناء عودته من حفل زفاف. جاء اعتقاله بالتزامن مع حملة واسعة ضد قيادات وأعضاء حزب "مصر القوية"، الذي دعا إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية في ذلك العام. وظهر القصاص سريعاً أمام نيابة أمن الدولة العليا، حيث وُجهت إليه تهم وفق قانون الإرهاب في القضية رقم 977 لسنة 2018، وشملت اتهامات ببث ونشر أخبار وبيانات كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي فبراير/ شباط 2020، وبعد إكماله سنتين في الحبس الاحتياطي، قررت النيابة إخلاء سبيله، إلا أن محاميه فوجئ بـ"تدوير" القصاص وحبسه على ذمة قضية جديدة حملت رقم 1781 لسنة 2019، بالاتهامات السابقة نفسها، أي أن جميع التهم الجديدة الموجهة إليه وقعت أثناء فترة احتجازه. وفي أغسطس/ آب من العام نفسه، صدر قرار بإخلاء سبيله، لكنه جرى تدويره مرة أخرى على ذمة قضية ثالثة حملت رقم 786 لسنة 2020. ولم يتوقف المسلسل هنا؛ ففي يوليو/ تموز 2021، أعلنت زوجته إيمان البديني أن القصاص جرى إدراجه على ذمة قضية رابعة تحمل رقم 440 لسنة 2018.

وفي 29 مايو/ أيار 2022، أصدرت الدائرة الثالثة بمحكمة جنايات أمن الدولة العليا طوارئ حكمها في القضية رقم 440 لسنة 2018، حيث حكمت بالسجن المشدد 15 عاماً على عبد المنعم أبو الفتوح، وبالسجن المشدد 10 سنوات على محمد القصاص. وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2023، صدّق الحاكم العسكري على هذا الحكم الصادر عن محكمة استثنائية لا يمكن الطعن على أحكامها، ما أكد استمرار نهج التنكيل بالسياسيين المعارضين.

معاناة محمد القصاص الصحية خلف الكابينة الزجاجية

عانى نائب رئيس حزب "مصر القوية" من اضطراب في ضغط الدم والسكر، وهي أمراض مزمنة تحتاج إلى رعاية طبية مستمرة تقاعس سجن طرة عن تقديمها، بحسب بيان حقوقي صدر في يونيو/ حزيران 2019. كما تعرض محمد القصاص لحبس انفرادي في سجن شديد الحراسة 2، ومنع من التريض والكتب والجرائد سنوات طويلة. وبعد نقله إلى مجمع سجون بدر، تفاقمت معاناته الإنسانية بسبب نظام الزيارة داخل "كابينة زجاجية" غير آدمية، وهو ما رفضه القصاص.

وناشدت زوجته إيمان البديني السلطات بتغيير نظام الزيارة، لا سيما أنها تعاني من أمراض صدرية، وقد تعرضت لفقدان الوعي ووُضعت على جهاز تنفس في أكتوبر/ تشرين الأول 2022 بسبب سوء تهوية الكابينة الزجاجية خلال الزيارة. وأكدت البديني أن الزيارة داخل الكابينة غير آدمية، وأنها لا تستطيع اصطحاب أطفالها الثلاثة إلا في زيارات الأعياد القليلة، مشددة على أن الأطفال بحاجة ماسة للتواصل المباشر مع والدهم بعد أن عاشوا بعيداً عنه أكثر مما عاشوا معه خلال سنوات حبسه التي تخطت ثمانية أعوام.

وظلت المطالبات بالإفراج عن القصاص، وإنهاء معاناته التي فاقت ست سنوات، مستمرة من قبل منظمات حقوقية محلية ودولية، منها المفوضية المصرية للحقوق والحريات ومنظمة العفو الدولية، التي دعت السلطات المصرية إلى الإفراج عن جميع المعتقلين تعسفياً ووضع حد لقمع المعارضة السلمية، مؤكدة أن هذه الأحكام الاستثنائية تشكل انعكاساً لاستمرار نهج الدولة في الانتقام من السياسيين.