محاولة إحياء "مذكرة التفاهم" بين إثيوبيا وأرض الصومال متعثرة
استمع إلى الملخص
- رغم توقيع مذكرة تفاهم في يناير 2024 لاستخدام ميناء بربرة، لم يتم إحراز تقدم بسبب تحفظات إثيوبية، مما يتطلب ترتيبات إضافية قبل التفعيل الكامل.
- تسعى أرض الصومال للاستفادة من التنافس الجيوسياسي لتعزيز موقعها، بينما تعتبر إثيوبيا التعاون معها مهمًا للوصول إلى البحر الأحمر.
أجرى عبد الرحمن محمد عبد الله عرو، رئيس إقليم أرض الصومال (إقليم صوماليلاند غير المعترف به دولياً)، زيارة إلى أديس أبابا، الأسبوع الماضي، وذلك للمرة الأولى منذ توليه السلطة في هرجيسا، بشهر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وكان هدف الزيارة إجراء محادثات رفيعة المستوى مع كبار المسؤولين الإثيوبيين، والتركيز على تعزيز التعاون بين إثيوبيا وأرض الصومال في مجالات التجارة والنقل والأمن والتنمية المستدامة.
علاقات متنامية بين إثيوبيا وأرض الصومال
وتحافظ إثيوبيا منذ سنوات على علاقات متنامية مع سلطات "أرض الصومال"، خصوصاً في ما يتعلق بطرق التجارة والوصول إلى ميناء بربرة، رغم استمرار تأكيد الحكومة الفيدرالية الصومالية في مقديشو على سيادتها ووحدة أراضيها. وجاءت زيارة عبد الرحمن عرو بعد لقاء جمع الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ورئيس الحكومة الإثيوبية أبي أحمد في أديس أبابا، في 12 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، بحث سبل تأكيد التعاون الأمني والدبلوماسي.
وتعكس هذه الزيارات المتقاربة في سياقها الزمني نشاطاً دبلوماسياً متسارعاً في منطقة القرن الأفريقي، في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة تموضع للتحالفات الإقليمية. لكن اللافت في زيارة عرو أنه لم يعلن خلالها عن أي تطور في ما يتعلق بمذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال والتي وقعت في يناير/ كانون الثاني 2024 بين رئيس الوزراء الإثيوبي ورئيس أرض الصومال في ذلك الحين، موسى بيحي عبدي، والتي أثارت جدلاً واسعاً في الإقليم، وأدّت إلى أزمة دبلوماسية بين مقديشو وأديس أبابا.
محمود عبدي حسن: التحفظ الإثيوبي عن المضي قدماً في المذكرة ليس صرفاً مطلقاً للنظر عن الفرص التي تقدمها أرض الصومال
وكان عبدي، وأبي أحمد، قد أعلنا في الأول من يناير 2024، التوصل إلى اتفاق تمنح بمقتضاه أرض الصومال غير المعترف بها دولياً، إثيوبيا، وهي دولة حبيسة، ميناء بربرة على البحر الأحمر المطلّ على خليج عدن، للاستخدام. وبموجب الاتفاق، ستؤمّن إثيوبيا وصولاً أقل كلفة (من موانئ جيبوتي) إلى البحر الأحمر، وذلك باستئجار شريط ساحلي بطول 20 كيلومتراً لمدة 50 عاماً يسمح لها أيضا ببناء قاعدة بحرية وتطوير ميناء تجاري على خليج عدن الاستراتيجي. وبينما أعلن عبدي في ذلك الحين أن أديس أبابا وعدت بموجب الاتفاق بالاعتراف بـ"جمهورية أرض الصومال"، لم تعلن الحكومة الإثيوبية نيتها القيام بذلك، إلا أنها أشارت بحسب نص مذكرة التفاهم التي نشرتها، إلى عزمها على إجراء "تقييم متعمق بهدف اتخاذ موقف بشأن جهود أرض الصومال للحصول على الاعتراف الدولي".
واستضافت تركيا في أواخر العام الماضي، أولى المحادثات بين الطرفين الإثيوبي والصومالي، للمصالحة، ما أدّى إلى تجميد مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وأرض الصومال.
يذكر في هذا الصدد، أنه خلال الأشهر الماضية، خرجت تقارير عدة، تحدثت عن رغبة أميركية في الاستحواذ على ميناء بربرة (لاسيما في إطار المنافسة مع الصين)، وفي حديث لصحيفة "ذا غارديان" البريطانية، في مايو/ أيار الماضي، رأى عبد الرحمن محمد عبد الله عرو، إن الاعتراف الدولي بأرض الصومال، قد يكون قريباً. لكن الخارجية الأميركية نفت في أغسطس/آب الماضي، أي نية للاعتراف. وجاء ذلك بينما قال ترامب في أغسطس إنه "يبحث في إمكانية الاعتراف"، بعد سؤاله ما إذا كان يمكن أن يمنحه لأرض الصومال إذا ما وافقت على استقبال سكّان من قطاع غزة، حين كان ترامب يضغط من أجل تهجيرهم قسرياً.
تريث إثيوبي
وتعليقاً على الحراك المستجد، قال النائب في البرلمان الصومالي وعضو العلاقات الخارجية في البرلمان، محمد أدن طاهر، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن زيارة رئيس أرض الصومال إلى أديس أبابا، لم تنجح، "وتفيد معلوماتنا أن اللقاء المغلق بين رئيس الحكومة الإثيوبية أبي أحمد وعبدالله عرو انتهى بالفشل بخصوص التوصل إلى تفاهمات جديدة بين إثيوبيا وأرض الصومال بشأن مذكرة التفاهم، لأن أبي أحمد لا يريد إثارة أزمات دبلوماسية جديدة مع الحكومة الصومالية، والتي امتعضت سابقاً من توقيع مذكرة التفاهم في 2024، وهو لا يريد إثارة بلبلة سياسية ودبلوماسية جديدة في منطقة القرن الأفريقي"، وفق رأيه.
في المقابل، رأى مدير مركز هرجيسا للبحوث والدراسات محمود عبدي حسن، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن زيارة رئيس أرض الصومال أعطت دفعة سياسية رمزية مهمة لحكومة هرجيسا، وأظهرت رغبة إثيوبية في تعزيز العلاقات العملية مع هذه الحكومة، وذلك استجابة للواقع الجيوسياسي للمنطقة، في حين ظهرت من جهة أخرى ثغرات تنفيذية وملفات حسّاسة لم تُحسم بعد، خصوصاً البنود المتعلقة بمذكرة تفاهم أوسع نطاقاً، حول ما صبت إليه إثيوبيا من الحصول على حقوق استخدام ساحل البحري الصوماليلاندي، وإمكانية إنشاء مرافق عسكرية أو بحرية، في ما جرى "سابقاً" وصفه من اتفاقيات بين إثيوبيا وأرض الصومال بأنها "واعدة لكن غير مكتملة"، نظراً لحاجتها إلى ترتيبات جيوسياسية ودبلوماسية وتقنية إضافية قبل إمكانية التفعيل الكامل.
أما في خصوص ما يتم تداوله حول فشل التفاهمات بشأن سبل إحياء مذكرة التفاهم، فأوضح محمود عبدي أنها جاءت نتيجة تحفظات رئيس الوزراء أبي أحمد، أو تردُّد أديس أبابا في التوجه نحو هذا المضمار راهناً، فالواقع الإثيوبي أكثر تعقيداً، وقد عانت الدبلوماسية الإثيوبية من تداعيات شديدة الوقع، بعيد خطوة توقيع مذكرة التفاهم قبل عامين تقريباً، في ما اعتُبر علاقة علنية فُسِّرت كاعتراف سياسي نهائي ودائم بـ"صوماليلاند"، ما أطلق العنان لضغوط دبلوماسية غير مسبوقة من قبل مقديشو وجهات إقليمية، لم يُسّمها. وبرأيه، فإن ذلك أجبر طرفي المذكرة، على أخذ مواقف متباينة من بعضهما بعضاً، حول التزامات وأولويات كل منهما، ما عرقل التنفيذ. وأشار إلى ما تلت ذلك من محاولات لخلق توازن دبلوماسي بوساطة تركية بين مقديشو وأديس أبابا، بما يؤشر إلى أن التحفظ الإثيوبي عن المضي قدماً في الوفاء بجانبه من الالتزامات، ليس صرفاً مطلقاً للنظر عن الفرص التي تقدمها أرض الصومال، مقابل ما تطالب به من اعتراف دبلوماسي كامل، بل هو استجابة لعوائق دبلوماسية وسياسية وإجرائية تتطلب وقتاً وظروفاً دولية مواتية.
عباس صالح عباس: ترى أرض الصومال أن التنافس بين القوى الخارجية سيجعل منها بالتأكيد فاعلاً لا يمكن الاستغناء عنه
وأضاف محمود أن الزيارة الأخيرة حققت مكاسب سياسية وتجارية لأرض الصومال فقط، وتمهد عبر العمل التراكمي للمزيد من التعامل الندّي مع إثيوبيا، وفتح المزيد من السبل لتكامل اقتصادي يُرجّح كفة المصالح الإثيوبية مع هرجيسا على نظيراتها مع مقديشو، لكنها في الوقت ذاته، أظهرت أن هنالك طريقاً طويلاً يجب قطعه للوصول إلى إمكانية تفعيل بنود المذكرة، ليتسنى تنفيذها تنفيذاً كاملاً وإن بشكل تدريجي على أرض الواقع.
وفي السياق، شرح الباحث السوداني المقيم في أديس أبابا عباس صالح عباس، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن زيارة رئيس أرض الصومال لإثيوبيا تأتي في سياقات مهمة: أولاً، هي تمثل أول زيارة لقيادة منتخبة جديدة في أرض الصومال. ثانياً، جاءت عقب محاولات إنعاش مذكرة التفاهم الموقعة في يناير 2024. ثالثاً، محاولة فرض نوع من التقارب وتطبيع العلاقات الثنائية بين مقديشو وأديس أبابا، ما يفرض واقعاً جديداً أمام الطرفين، "لكن من الواضح أن قيادة أرض الصومال خسرت الرهان على نيل أول اعتراف دولي باستقلالها عبر بوابة أديس أبابا على الأقل في ضوء تجربة مذكرة التفاهم مع إثيوبيا، وبالتالي ستركز جهودها الحالية عبر بوابة واشنطن لعلها تثمر في هذا الصدد"، وفق تعليقه. لكن رغم هذه الانتكاسة النسبية بشأن مذكرة التفاهم، رأى الباحث أن العلاقات مع إثيوبيا تبقى ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى أرض الصومال التي ستفرض أيضاً أهميتها الجيوسياسية وموقعها على ساحل البحر الأحمر محدّداً مهماً في علاقات الطرفين، وفي ضوء مساعي إثيوبيا الحثيثة للوصول إلى البحر والتوتر المتصاعد بينها وبين إريتريا.
وبحسب عباس صالح، ترى قيادة أرض الصومال أن التفاعلات الجيوسياسية بشأن الأمن والاستقرار والتنافس بين القوى الخارجية حول النفوذ والوجود في حوض البحر الأحمر سوف يجعل منها بالتأكيد فاعلاً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه، وهو ما يصب أيضاً في مصلحة هدف إثيوبيا بناء سردية قوية بشأن مصالحها في البحر الأحمر على المدى البعيد. وتوقع الباحث أن يكون هدف الزيارة بالنسبة للطرفين مناقشة سبل تطوير أوجه التعاون بينهما في المجالات الأساسية وتحديداً مشاريع الربط بين الجانبين واستخدام إثيوبيا لميناء بربره في عمليات التصدير والتوريد، وهي مجالات تخدم مصالح الطرفين بغض النظر عن السياقات الأخرى.