محاكمة وسيم الأسد تتواصل وسط دعوات حقوقية إلى "ضمانات قانونية كاملة"
- يشدد حقوقيون على أهمية التزام المحاكمات بمعايير العدالة الانتقالية، مع التركيز على إنهاء الإفلات من العقاب وتفعيل المسار القضائي، رغم التحديات القانونية مثل الحاجة لإطار تشريعي متكامل.
- يؤكد خبراء على ضرورة الرقابة القانونية لضمان استقلال القضاء وحقوق الدفاع، مع التحذير من الإشكاليات القانونية التي قد تؤثر على مصداقية المحاكمات.
مع انطلاق ثالث جلسات محاكمة وسيم الأسد أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، اليوم الأربعاء، تتواصل محاكمات شخصيات بارزة من النظام السوري السابق، في مسار تقول السلطات السورية إنه يستهدف محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات المرتكبة خلال سنوات الحرب، بينما يرى حقوقيون أن نجاح هذه المحاكمات لن يُقاس بعدد المتهمين الذين يمثلون أمام القضاء، بل بمدى التزامها الكامل بمعايير المحاكمة العادلة، وقدرتها على ترسيخ أسس العدالة الانتقالية في البلاد.
وتنعقد جلسة محاكمة وسيم الأسد برئاسة القاضي فخر الدين العريان، وتتضمن الاستماع إلى أقوال شهود الحق العام، وذلك بعد نحو شهر من انطلاق أولى جلسات محاكمته في 24 يونيو/حزيران الماضي. ويأتي ذلك بعد يوم واحد من انعقاد الجلسة السادسة لمحاكمة الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا عاطف نجيب، والتي قررت المحكمة خلالها تأجيل النظر في القضية إلى 28 يوليو/تموز الجاري.
ويرى مدير رابطة الحقوقيين السوريين الأحرار سامر ضيعي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن المحاكمات الجارية تمثل "خطوة مهمة نحو إنهاء حالة الإفلات من العقاب، كما تشكل تطوراً لافتاً في مسار المساءلة داخل سورية"، معتبراً أن مثول مسؤولين سابقين أمام القضاء "يعكس توجهاً نحو تفعيل المسار القضائي لمعالجة الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها البلاد"، ويشير إلى وجود مؤشرات إيجابية في سير المحاكمات، من بينها علنية الجلسات، وحضور ممثلين عن منظمات حقوقية ووسائل إعلام، والاستماع إلى الشهود، بما يعزز مستوىً من الشفافية. لكنه يؤكد، في المقابل، أن "نجاح هذه المحاكمات لا يرتبط بمجرد مثول المتهمين أمام القضاء، وإنما بمدى التزامها الكامل بضمانات المحاكمة العادلة واستقلال القضاء".
ويضيف ضيعي أن المرحلة الحالية "ما زالت تواجه تحديات قانونية، أبرزها الحاجة إلى إطار تشريعي متكامل للعدالة الانتقالية يحدد الجرائم الجسيمة، مثل الجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والاختفاء القسري، بما ينسجم مع القانون الدولي، إلى جانب ضمان حق الدفاع بصورة فعلية واحترام قرينة البراءة طوال مراحل التحقيق والمحاكمة"، كما يلفت إلى أن "المحاكمات الغيابية لبعض كبار المسؤولين تثير إشكاليات قانونية معروفة، لكنها قد تكون الخيار القضائي الممكن في ظل تعذر مثولهم أمام القضاء، شريطة الحفاظ على الضمانات القانونية وإمكانية إعادة المحاكمة عند حضور المتهم".
من جانبه، اعتبر مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني أن محاكمتي عاطف نجيب ووسيم الأسد تمثلان "بداية مهمة للمساءلة الجنائية الوطنية"، إلا أنه يشدد على أن ذلك "لا يعني أن مساراً مستقراً للعدالة الانتقالية قد تبلور بعد"، موضحاً لـ"العربي الجديد" أن التقييم الأدق هو "دعم مبدئي مشروط برقابة قانونية صارمة"، لأن قيمة هذه المحاكمات تتوقف على سلامة أساسها القانوني، واستقلال القضاء، وفاعلية حقوق الدفاع، وحماية الضحايا والشهود، وجودة الأحكام وتسبيبها.
ويعدد عبد الغني جملة من المؤشرات الإيجابية، أبرزها اللجوء إلى القضاء الجنائي العادي بدلاً من المحاكم الاستثنائية، ومثول المتهمين مع محاميهم، وعلنية عدد من الجلسات، وسماع الضحايا والشهود، معتبراً أن "هذه الخطوات تعزز الرقابة العامة وتدعم مسار المحاسبة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات استقلال القضاء أو استكمال ضمانات المحاكمة العادلة".
في المقابل، يحذر عبد الغني من عدد من الإشكاليات القانونية التي قد تؤثر في مصداقية المحاكمات، من بينها صعوبة تقييم استقلال القضاء في المرحلة الحالية، وغياب إطار تشريعي سوري متكامل يعرّف الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، إضافة إلى الإشكالات المرتبطة بمبدأ عدم رجعية القوانين، والتكييف القانوني لبعض الوقائع، ومسؤولية القيادة، فضلاً عن الحاجة إلى تطوير منظومة أكثر شمولاً لحماية الضحايا والشهود وضمان مشاركتهم الفاعلة في الإجراءات القضائية.
وتتفق قراءتا ضيعي وعبد الغني على أن هذه المحاكمات تمثل فرصة مفصلية أمام القضاء السوري لإرساء سابقة قانونية في محاسبة المتهمين بارتكاب الانتهاكات الجسيمة، إلا أن نجاحها سيظل مرهوناً بقدرتها على تحقيق التوازن بين حقوق الضحايا وحقوق الدفاع، وترسيخ استقلال القضاء، والالتزام الصارم بمعايير المحاكمة العادلة، بما يجعلها خطوة حقيقية نحو العدالة الانتقالية وتعزيز الثقة بمؤسسات الدولة وسيادة القانون في سورية.