محاكمة متورطين بـ"أحداث" الساحل السوري... تسريع الخطى القانونية لتحصين السلم الأهلي

18 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
سيارة محترقة في جبلة، 11 مارس 2025 (عزالدين قاسم/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- بدأت الحكومة السورية محاكمات علنية في حلب للمتورطين في تجاوزات ضد المدنيين في الساحل السوري والسويداء، بعد تشكيل لجنة تحقيق لتقصي الحقائق في الأحداث التي أسفرت عن مقتل وإصابة العديد من المدنيين، بهدف تعزيز الشفافية والمحاسبة.

- شهدت السويداء أحداثاً طائفية حادة بين الدروز والبدو، مع تدخل عسكري حكومي وارتكاب انتهاكات واسعة. تعمل اللجنة الوطنية للتحقيق على جمع الأدلة وإجراء المقابلات مع الناجين والشهود، مع التأكيد على استقلاليتها.

- تعتبر المحاكمات خطوة رمزية، مع التأكيد على ضرورة ضمان محاكمة عادلة وشمولها للمتهمين من مختلف الجهات، بما في ذلك أجهزة الأمن والجيش.

تُسارع الحكومة السورية الخطى القانونية من أجل محاسبة متورطين في تجاوزات واسعة النطاق بحق المدنيين في الساحل السوري وفي محافظة السويداء، في محاولة لتحصين السلم الأهلي الهش. وبدأت أمس الاثنين أولى الجلسات العلنية لمحاكمة المتهمين بارتكاب الانتهاكات في الساحل السوري بحسب رئيس اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل السوري القاضي جمعة العنزي. وفي منشور عبر منصة إكس، أكد العنزي، أمس الاثنين، أن المحاكمات "ستكون مفتوحة أمام وسائل الإعلام المحلي والدولي"، مشيراً إلى أن وزارات العدل والداخلية والدفاع السورية والمؤسسة القضائية والضابطة العدلية "بذلت جهداً عظيماً للوصول إلى هذه النتيجة"، مضيفاً: "نحن ندرك ضخامة وتعقيد الملف، وما يتطلبه من دقة وتمحيص في الإسناد القانوني والتجريم والملاحقة والقبض وما إلى ذلك من تفاصيل".

النظر بارتكاب جرائم في أحداث الساحل السوري

وذكرت وسائل إعلام محلية أن قصر العدل في حلب سيشهد أول محاكمة علنية لمرتكبي الجرائم إبان حكم نظام الأسد المخلوع، مشيرةً إلى أن المحكمة ستنظر أيضاً بقضايا المتهمين بارتكاب جرائم في أحداث الساحل. وكان قد قتل وأصيب عدد كبير من المدنيين في مارس/ آذار الماضي أثناء التصدي لمحاولة تمرّد عسكري واسعة النطاق من قبل فلول النظام البائد. وأثارت التجاوزات التي جرت بحق مدنيين استياء الشارع السوري، ما دفع الحكومة إلى تشكيل لجنة تحقيق وتقصٍ للحقائق في أحداث الساحل السوري يبدو أنها شارفت على الانتهاء من مهامها، وحددت مسؤولين عن عمليات انتهاك جرى اعتقالهم والتحقيق معهم وتقديمهم للمحاكمة العلنية.


غزوان قرنفل: المحاكمات رمزية أكثر مما هي قانونية صرف


وكان وزير العدل السوري، مظهر الويس، قد أكد أواخر الشهر الماضي أن السلطات القضائية ستجري محاكمات علنية للمتهمين بارتكاب انتهاكات خلال أحداث الساحل السوري ومحافظة السويداء لـ"ضمان الشفافية ومحاسبة المتورطين وعدم إفلات أي طرف من العقاب". وفي سياق مشابه، أكدت اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء جنوبي سورية، أول من أمس الأحد، توقيف عدد من الأشخاص المنتمين إلى وزارتي الدفاع والداخلية وإحالتهم إلى القضاء، لارتكابهم "مخالفات" خلال الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة في يوليو/ تموز الماضي، وخلّفت مئات القتلى والجرحى.

وفي مؤتمر صحافي عُقد في دمشق، قال رئيس اللجنة القاضي حاتم النعسان إن اللجنة زارت مواقع الاعتداءات في ريفي السويداء ودمشق ومناطق أخرى، وأجرت مقابلات مع ناجين ومتضررين وشهود عيان، بيد أن اللجنة لم تتمكّن من دخول مدينة السويداء التي تسيطر عليها مجموعات مسلحة. وأكد أن اللجنة لم تتعرّض لأي ضغط أو تعليمات من أي جهة كانت في الدولة السورية، مؤكداً وجود تعاون "كبير" من وزارتي الدفاع والداخلية. وأوضح أن وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة أمر بتوقيف كل من دخل مدينة السويداء من دون أوامر عسكرية. وأشارت اللجنة إلى أن عملها "لا يزال في منتصف الطريق"، موضحةً أن نشاطها مستمر حتى نهاية العام الحالي. وأكد النعسان أن ما شهدته محافظة السويداء من أحداث طاولت الأرواح والممتلكات العامة والخاصة، وما تخللها من تهجير قسري، وما سبقها وما تبعها من خطاب كراهية، يمثّل "انتهاكات جسيمة لا يمكن التعامل معها بمعالجات شكلية أو سياسية، بل من خلال تحقيق فعّال يستوفي المعايير القانونية الواجبة". إلى ذلك، قال المتحدث باسم اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء عمار عز الدين إن تقريرنا سيكون وفق المعايير الدولية، والنتائج ستثبت أن التحقيق لا يقل مهنية عن عمل أي لجنة دولية.

وكانت محافظة السويداء قد شهدت في يوليو الماضي أحداثاً داميةً أخذت طابعاً طائفياً حاداً، بعد تدخّل الحكومة عسكرياً فيها، لوضع حدّ لاقتتال داخلي بين الدروز والبدو، لكن مجموعات ارتكبت انتهاكات بحق الأهالي. وشابت تلك الأحداث، التي أدّت إلى سقوط مئات القتلى والجرحى من جميع الأطراف المتحاربة، انتهاكات واسعة، وعمليات تهجير.


فضل عبد الغني: هذه المحاكمات رسالة حقيقية للضحايا ولذويهم بأن الوعود بمحاسبة المتورطين تجد طريقها نحو التنفيذ


وما تزال ما باتت تُعرف بـ"أحداث الساحل والسويداء" تلقي بظلالها السلبية على المشهد السوري برمته. وتبذل الحكومة جهوداً من أجل تدارك ما حصل، لا سيما أن ردّة الفعل، خاصة لدى سكان من السويداء، ذهبت إلى حد المطالبة بـ"الاستقلال" عن سورية، ففجوة عدم الثقة ما بين السويداء ودمشق باتت واسعة يصعب ردمها في مدى منظور. ويبدو أن تسريع الخطى القانونية والعدلية في ملفي الساحل السوري ومحافظة السويداء يهدف إلى تحصين السلم الأهلي الذي ما يزال هشاً في البلاد.

من المبكر الحكم على المحاكمات

ورأى الحقوقي غزوان قرنفل، في حديث مع "العربي الجديد"، أنه "من المبكر الحكم على هذه المحاكمات"، مضيفاً: "لا بد من متابعتها والتدقيق بسلامة الإجراءات ومدى توفر محاكمة عادلة للمتهمين قبل إصدار تقييم وحكم عليها". بيد أن قرنفل رأى أن هذه الخطوة "إيجابية"، مشيراً إلى أنها "رمزية أكثر مما هي قانونية صرف"، مضيفاً: "هذه المحاكمات ستبنى على خلاصات خرجت بها لجنة التحقيق السورية المشكلة لهذا الأمر وهذه الخلاصات غير موضوعية". وتابع: "مع ذلك ننتظر ليس هذه المحاكمات فقط، بل محاكمات أخرى تتعلق بمرتكبي الجرائم والانتهاكات من منظومة سلطة الأسد، والذين مضى على اعتقال بعضهم نحو سنة من دون أفق واضح لموعد محاكمتهم".

من جانبه، وصف مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني محاكمة المتهمين بـ"الخطوة الجيدة في الاتجاه الصحيح"، مضيفاً: "هذا ما طالبنا به منذ الأيام الأولى لوقوع التجاوزات بحق المدنيين في الساحل. هذه المحاكم شكل من أشكال المحاسبة". وتابع، في حديث مع "العربي الجديد": "هذه المحاكمات رسالة حقيقية للضحايا ولذويهم بأن الوعود التي قطعتها الحكومة بمحاسبة المتورطين تجد طريقها نحو التنفيذ العلني الشفاف، وهذا ما نريده في المنظمات الحقوقية". وأشار إلى أن المنظمة السورية لحقوق الإنسان ستُراقب هذه المحاكمات، مضيفاً: "يجب أن تتوفر كل شروط المحاكمات العادلة، ويجب أن تشمل المتهمين من أجهزة الأمن والجيش ومن فلول النظام البائد، وبسوية قضائية واحدة، وأن ينالوا حقوقهم كافة".