مجلس السلام في غزة... هيمنة لمستشاري ترامب والمقاولين
استمع إلى الملخص
- يثير تشكيل المجلس تساؤلات حول نوايا الولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة مع التركيز على نزع سلاح المقاومة الفلسطينية وغياب التمثيل الفلسطيني، مما يثير الشكوك حول مدى تمثيله للمصالح الفلسطينية.
- يتضمن المجلس قوة استقرار دولية بقيادة الجنرال غاسبر جيفرز لنزع السلاح وتأمين المساعدات، مع تقارير عن مشاركة محتملة لدول مثل إندونيسيا والمغرب وأذربيجان، مما يثير مخاوف من استغلال الوضع لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.
لم يخفّف إعلان البيت الأبيض، أول من أمس الجمعة، عن أسماء أعضاء ما سُمّي "مجلس السلام" الذي سيُشرف على الإدارة المؤقتة لقطاع غزّة، بموجب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من حجم الضبابية التي لا تزال تحيط بالخطة الأميركية المستقبلية حيال غزة، والتي تتبلور تباعاً بالتنسيق اللصيق مع إسرائيل، إذ مع ولادة المجلس رسمياً، ضمن المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار في القطاع الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، لا يزال عدد الأسئلة يتخطى الأجوبة بكثير، حول مستقبل القطاع السياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي، هو الغارق اليوم بخيم الفلسطينيين المشردين، مع كل تفاصيل الكارثة اليومية المحيطة بهم. وبينما تدور اهتمامات الاحتلال حصراً حول كيفية نزع سلاح المقاومة، محاولاً التقليل من أهمية أي مرحلة ما لم تقم على ذلك، رغم انغماسه الشديد في هندسة الخطط الأميركية، تحوم الأسئلة الأخرى كلّها في ما خصّ الجانب الفلسطيني حول المشاريع الأميركية المبّطنة للقطاع، وأسباب الهيمنة الأميركية بهذه الطريقة على "مجلس السلام" الوليد، الذي يضمّ في معظم أسمائه رجال ترامب، من وزراء ومستشارين ومبعوثين. هؤلاء وافقوا جميعهم على المغامرة في مشروع غزة، بل تنافسوا للحصول على عضوية "مجلس السلام"، ويبدو أنه ستكون لهم الكلمة الفصل في الوصاية على شؤون القطاع.
وبينما اعتبر ترامب أن مجلس سلام غزّة "أعظم وأعرق مجلس تمّ تشكيله في أي زمان ومكان"، إلا أن كلّ ما رشح عنه يُعيد التذكير إما بخطة "الريفييرا" التي تخيّلها ترامب خلال الحرب لمستقبل غزة بعد الإبادة، مع ما تعنيه من مشاريع تهجير قسري، أو بمشاريع أخرى كـ"مؤسّسة غزة الإنسانية" التي غطّت مزيداً من المجازر الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، أو برغبات الاستثمار والمطامع الدفينة في القطاع التي لم يخفها رجال ترامب منذ بداية الحرب وحتى قبلها. كما أن بعض الأسماء غير المعروفة في المجلس، والتي أعلن عنها أول من أمس، مثل آرييه لايتستون وجوش غروينباوم، يتبين عبر البحث السريع أنها عملت عن قرب خلال الفترة الأخيرة، مع أسماء أخرى، إسرائيلية وأميركية، لم يشملها المجلس، لكن كان لها دور كبير في هندسته وبلورة خطط لمستقبل غزّة الإعماري، كما ترتبط بمشاريع قيد الإعداد لإعمار القطاع، عبر خطط مقاولات وبناء، كشف عنها الإعلام الأميركي في وقت سابق، ما يسلط الضوء على الطابع "العقاري" للمجلس، إذا ما استثنيت بعض الأسماء التي سيكون لها دور الإشراف المباشر على عمل اللجنة الفلسطينية الوطنية لإدارة القطاع، وهي لجنة التكنوقراط التي ستتولى إدارة القطاع مؤقتاً، مع كلّ ما يعني ذلك من سيطرة ونفوذ وتدخل في الشأن الفلسطيني، وذلك إلى جانب عمل لجنة قوة الاستقرار التي عُيِّن جنرال أميركي على رأسها.
سيعمل المجلس بموجب تفويض قرار مجلس الأمن 2803
يذكر أن "مجلس السلام" في غزة هيئة إدارية انتقالية سيرأسها دونالد ترامب، وتتمتع بشخصية قانونية دولية تتولى وضع إطار العمل وتنسيق التمويل لإعادة تنمية القطاع، كما أن المجلس حاصل على تفويض أممي، بموجب قرار مجلس الأمن 2803، الصادر في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، والممنوح لكل من "مجلس السلام" وأشكال الوجود المدني والأمني الدولي في غزة والذي سيظل سارياً حتى 31 ديسمبر/ كانون الأول 2027، ما لم يتخذ مجلس الأمن قراراً آخر، أو يُقرّ تمديد التفويض بالتعاون مع مصر وإسرائيل والدول الأعضاء.
وحتى يوم الجمعة الماضي، كان عدد الهياكل المعتمدة لإدارة هذه المرحلة، وفق قرار مجلس الأمن، ثلاثة: مجلس السلام، واللجنة الوطنية لإدارة غزة (تكنوقراط فلسطينية)، وقوة الاستقرار الدولية، إلا أن البيت الأبيض أعلن، في بيان صدر مساء اليوم ذاته، إضافة هيكل رابع تحت مسمى "المجلس التنفيذي لغزّة"، بهدف تقديم دعم شامل لمختلف الأنشطة المتعلقة بالحوكمة وتقديم الخدمات في القطاع.
وزراء ومستشارون في مجلس السلام
وأعلن البيت الأبيض عن أسماء أعضاء مجلس السلام، وهم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والمبعوث الخاص لترامب ستيف ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، والملياردير الأميركي مارك روان، ونائب مستشار الأمن القومي الأميركي منذ مايو/ أيار الماضي روبرت غابرييل، ورئيس البنك الدولي أجاي بانغا، وهو رجل أعمال واقتصادي أميركي من أصول هندية. ويشكّل هؤلاء وفق بيان للبيت الأبيض، "المجلس التنفيذي التأسيسي" في "مجلس السلام"، الذي يضم عضواً واحداً غير أميركي، هو رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، الذي شارك في غزو العراق، والذي شمله ترامب بالمجلس، بعدما كان فريق مرتبط بمكتب ترامب ودوائر إسرائيلية أميركية مقربة من الرئيس الأميركي، قد بلور في وقت سابق خطة لإنشاء سلطة انتقالية دولية لإدارة غزة، بقيادة بلير. كما كان صهر ترامب كوشنر كلّف في ربيع 2025، "معهد توني بلير للتغيير العالمي"، إعداد خطة مفصلة لمرحلة ما بعد الحرب، مستفيداً من شبكة علاقات بلير مع قادة إسرائيليين وفلسطينيين وعرب، وفق ما كشف الإعلام الإسرائيلي في وقت سابق.
واعتبر بيان البيت الأبيض، أول من أمس، أن اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة "خطوة أساسية لتنفيذ المرحلة الثانية" من اتفاق وقف الحرب في غزة، المؤلف من 20 نقطة، لافتاً إلى أن "مجلس السلام" من جهته، "سيلعب دوراً أساسياً في تنفيذ كلّ النقاط الـ20 من خطة الرئيس ترامب، عبر تأمين التوجيه الاستراتيجي، وحشد الموارد الدولية، وضمان المساءلة فيما تنتقل غزة من الصراع إلى السلام والإنماء. وأوضح البيان أنه لتنفيذ رؤية "مجلس السلام"، تمّ تشكيل "المجلس التنفيذي التأسيسي" الذي يضمّ "زعماء لهم خبرة في الدبلوماسية والتطوير والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية". وبحسب البيان، فإن كل عضو من أعضاء هذا المجلس سيشرف على ملف محدد أساسي للاستقرار في غزة، والنجاح على المدى الطويل، بما في ذلك "إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات وتعبئة التمويل".
إلى ذلك، أوضح البيان أنه "لدعم هذا النموذج العملياتي، فإن رئيس مجلس السلام عيّن آرييه لايتستون وجوش غروينباوم، وهما يهوديان أميركيان، مستشارين كبيرين لـ"مجلس السلام"، مكلفين بالقيادة اليومية للخطط الاستراتيجية والعمليات، وترجمة تفويض المجلس والأولويات الدبلوماسية على الأرض بشكل منضبط، ما يعكس أهمية دور هاتين الشخصيتين ومحوريته في عمل المجلس.
وقال البيان إن البلغاري نيكولاي ملادينوف، الذي رفض سابقاً منصب المبعوث الأممي إلى ليبيا، سيكون "الممثل السامي" لغزّة، حيث سيعمل كحلقة الوصل بين المجلس واللجنة الوطنية لإدارة القطاع، وسيدعم رؤية المجلس لكل أوجه حكم غزة، مع ضمان التنسيق بين القطاعين الأمني والمدني. وعيّن ترامب الجنرال غاسبر جيفرز، القائد السابق للعمليات الخاصة الأميركية، قائداً لقوة استقرار غزة الدولية لقيادة العمليات الأمنية، ودعم نزع السلاح الشامل، وتأمين الوصول الآمن للمساعدات ومواد البناء.
سيكون نيكولاي ملادينوف "الممثل السامي" لغزة
ولا تتضمن أسماء "المجلس التنفيذي التأسيسي" أي فلسطينيين، وكذلك "المجلس التنفيذي لغزة"، والذي تقوم مهمته على دعم عمل مكتب ملادينوف واللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهو يضم وفق بيان البيت الأبيض، بالإضافة إلى ويتكوف وكوشنر وبلير وروان وملادينوف، وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ورئيس جهاز الاستخبارات العامة المصرية حسن رشاد، والدبلوماسية الهولندية سيغريد كاغ، كبيرة منسقي الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية وإعادة الإعمار في غزة، بالإضافة إلى وزيرة التعاون الدولي في الإمارات، ريم الهاشمي، والدبلوماسي القطري علي الذوادي، وياكير جاباي، رجل الأعمال الإسرائيلي القبرصي المتخصص في العقارات. وقال البيت الأبيض إنه من المقرّر إعلان مزيد من الأعضاء خلال الأسابيع المقبلة.
يذكر أن وسائل إعلام غربية كانت قد وصفت الدبلوماسي القطري علي الذوادي بـ"رجل الظل" الذي يركز على العمل الدبلوماسي الهادئ، رغم الدور الكبير الذي لعبه وراء الكواليس طوال العدوان الإٍسرائيلي على غزة، سواء في المساهمة بالتوصل إلى هدن وقف النار أو في صياغة اتفاق وقف النار في غزة، وقد وصفته صحيفة واشنطن بوست، بأنه أحد العقول الهادئة خلف نجاح الاتفاق. ويعد الدبلوماسي القطري نقطة الاتصال الرئيسية للوساطة القطرية في النزاعات الإقليمية، حيث لعب أدواراً مهمة بوساطات دولية أخرى مثل نزاعات رواندا والكونغو، وأرمينيا وأذربيجان. أما ريم الهاشمي فهي سياسية إماراتية، تشغل منصب وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي في حكومة الإمارات منذ 14 فبراير/شباط 2016، وكانت قبل ذلك، وزيرة دولة من عام 2008 إلى 2016. كما أن رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية برهان الدين دوران، كشف أمس السبت، في تدوينة نشرها عبر منصة "إن سوسيال" التركية، أن ترامب دعا نظيره التركي رجب طيب أردوغان، إلى المشاركة ليكون عضواً مؤسساً في "مجلس السلام".
لا تتضمن أسماء "المجلس التنفيذي التأسيسي" أي فلسطينيين
شبهات الأدوار المستقبلية
وبالعودة إلى الأسماء الأميركية، فيثير الكثير منها "الشبهات"، نظراً إلى أدوارها السابقة، مقارنة مع ما يمكن أن يناط بها من أدوار في المستقبل. ويبدو ذلك واضحاً إذا ما كان الحديث يدور حول كلّ من لايتستون وغروينباوم. وكان تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز البريطانية، نشر قبل أيام (13 يناير/كانون الثاني الحالي)، قد أشار إلى تأثير كلّ من رومان غوفمان، وهو كبير المستشارين العسكريين لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، والمعيّن من الأخير ليكون رئيس جهاز الموساد المقبل، ومايكل إيزنبرغ، وهو مستثمر أميركي إسرائيلي، ولايتستون وهو "صانع بمجال السياسات الأميركية الإسرائيلية"، وليران تانكمان، وهو مستثمر بمجال التكنولوجيا، على ارتباط بالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، على ولادة المجلس التنفيذي لمجلس السلام، مؤكداً أن الأربعة لهم علاقة بـ"مؤسسة غزة الإنسانية"، المظلة التي أمعن الاحتلال من خلالها في ارتكاب المزيد من المجازر بحقّ الفلسطينيين، خلال توجههم إلى حدود رفح لتسلّم المساعدات الإنسانية خلال فترة من العدوان.
أما صحيفة الغارديان البريطانية، فأشارت في تقرير لها نشرته في ديسمبر الماضي، إلى محاولة مقرّبين من ترامب "الاغتناء" من غزة، حيث يقوم هؤلاء بالتنافس للهيمنة على لوجستيات المساعدات وإعادة الإعمار في القطاع، بحسب مصادر ووثائق اطلعت عليها. ولفتت إلى أنه لم يكن في الإمكان حينها إصدار عقود صفقات لإعادة الإعمار أو المساعدات من دون "مجلس السلام"، مشيرة إلى أن "مسؤولين سابقين اثنين في إدارة الكفاءة الحكومية (كان يقودها إيلون ماسك)، يقودان المحادثات حول المساعدات الإنسانية ومرحلة إعادة الإعمار، كما وزّعا خططاً مفصلة حول العمليات اللوجستية بما فيها الأسعار، حيث تتنافس الشركات الأميركية على الكعكة، وهما غروينباوم وآدم هوفمان (25 عاماً)، والأخير وصفته مصادر الصحيفة بأنه القوة الدافعة حول هذه الخطط.
ويعرف عن غروينباوم، أنه أحد المشاركين في الخطة السابقة لغزة التي ارتبطت بإدارة الكفاءة الحكومية، والتي طرح فيها ترامب امتلاك غزة وتحويلها إلى "ريفييرا الشرق الأوسط". ويشغل غروينباوم حالياً منصب مدير مصلحة المشتريات والخدمات العامة في إدارة ترامب، وسيعمل على الجانب المالي والإداري إلى جانب لايتستون الذي سيعمل على الجانب الدبلوماسي والاستراتيجي. لكن الكثير من التقارير الإعلامية الأميركية، سلّطت الضوء على قلّة خبرة غروينباوم بمجال السياسة الخارجية الأميركية، رغم أن ترامب أشركه في ملفي غزة وأوكرانيا، وقد أرسله إلى اجتماعات في كييف، وظهر في صور عديدة مشاركاً في اجتماعات بين نتنياهو وويتكوف. أما لايتستون، فيعرَّف عنه على محرك "غوغل" بأنه رئيس المجلس التنفيذي لمعهد اتفاقات أبراهام للسلام.
وبالنسبة إلى "قوة استقرار غزة"، لم تصدر أي معلومات رسمية بعد حول الدول التي وافقت على المشاركة فيها. ويأذن التفويض الأممي للدول الأعضاء المتعاونة مع "مجلس السلام"، بإنشاء قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار في غزة، تُنشر تحت قيادة موحدة، وبما يتوافق مع القانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني. وتهدف هذه القوة إلى نزع السلاح، وتدمير ومنع إعادة بناء البنية التحتية العسكرية، وسحب أسلحة الجماعات المسلحة غير الحكومية، إلى جانب حماية المدنيين وتأمين الممرات الإنسانية. وكانت تقارير عدة قد تناولت إمكانية مشاركة إندونيسيا أو المغرب أو أذربيجان في هذه القوة، وذكرت صحف إسرائيلية أن واشنطن تواصلت مع دول عدة للمشاركة، من بينها إيطاليا وباكستان وبنغلادش وأذربيجان. وبالنسبة للجنرال جيفرز، فهو عمل سابقاً مستشاراً لقائد عملية الدعم الحازم في أفغانستان، ثم قاد لواء عسكرياً خلال عملية "العزم الصلب" في العراق وسورية ضد تنظيم داعش، وكان تولى في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 قيادة لجنة الميكانيزم للإشراف على وقف النار في لبنان.