مجلس أعلى للإفتاء في سورية... إعادة تموضع للمؤسسة الدينية
استمع إلى الملخص
- استغل النظام السوري السابق المؤسسة الدينية لتثبيت أركانه، ومع الثورة انقسمت المؤسسة، مما أدى إلى إلغاء منصب المفتي العام في 2021 وتعزيز صلاحيات المجلس العلمي الفقهي.
- يعكس تشكيل مجلس الإفتاء الجديد توازنات بين التيارات الدينية المختلفة، ويعتبر تعيين الرفاعي خطوة لتصحيح الأخطاء السابقة وتوحيد الرؤى المشتركة.
عيّن الرئيس السوري أحمد الشرع مفتياً عاماً للبلاد، يرأس مجلس إفتاء يضم العديد من العلماء في سورية هدفه "ضبط الخطاب الديني المعتدل، الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، مع الحفاظ على الهوية"، في خطوة من المتوقع أن يكون لها بعيد الأثر على المؤسسة الدينية في البلاد التي لطالما استخدمها النظام المخلوع لتثبيت أركانه التي تداعت في الثامن من ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي. وأعلن الشرع أمس الأول الجمعة تعيين الشيخ أسامة الرفاعي مفتياً للبلاد، ورئاسة المجلس الأعلى للإفتاء "كي تتحول الفتوى إلى مسؤولية جماعية"، وفق كلمة للشرع، خلال مؤتمر تشكيل مجلس الإفتاء الأعلى، أشار فيها إلى أن المجلس "سيسعى لضبط الخطاب الديني المعتدل، الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، مع الحفاظ على الهوية ويحسم الخلاف المفضي إلى الفرقة، ويقطع باب الشر والاختلاف". ويعد الرفاعي المولود في العاصمة دمشق عام 1944، من أبرز العلماء في سورية الذين انحازوا إلى الثورة التي خرجت ضد النظام المخلوع في عام 2011. وإلى جانب الرفاعي، ضم المجلس العديد من العلماء الذين كان لهم دور بارز أثناء الثورة، هم: عبد الفتاح البزم، راتب النابلسي، وهبي سليمان، مظهر الويس، عبد الرحيم عطون، إبراهيم الحسون، سهيل جنيد، محمد شكري، أنس عيروط، إبراهيم شاشو، نعيم العرقسوسي.
محمد خير موسى: مجلس الإفتاء يمثل مدارس دمشق الفكرية المختلفة
الأسد وتطويع المؤسسة الدينية
وكان النظام المخلوع، سواء في عهد حافظ الأسد أو بشار الأسد، قد طوّع المؤسسة الدينية في البلاد، وشدد قبضته الأمنية على مفاصلها طوال أكثر من نصف قرن لتثبيت أركانه، وخدمة مصالحه. وسمح النظام للتيارات الدينية المؤيدة والمساندة له بالعمل المعلن، معتمداً على رجال دين عُرفوا بـ"التأييد" المطلق له مقابل الحصول على امتيازات. واستعان النظام بهؤلاء، وأبرزهم الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي الذي لقي حتفه في عام 2013 في تفجير غامض في أحد مساجد دمشق، من أجل الطعن بالثورة، في محاولة لم تنجح لإجهاضها. وتعرضت المؤسسة الدينية السورية لانقسامات كبيرة في الأشهر الأولى من الثورة، حيث برز تيار مؤيد بقوة لها قاده الشيخان أسامة الرفاعي وكريّم راجح، وعلماء آخرون، في مقابل تيار مثله رجال دين مرتبطون بالنظام ارتباطاً وثيقاً يقوده المفتي السابق أحمد حسون ووزير الأوقاف لدى النظام المخلوع، محمد عبد الستار السيد. وكان بشار الأسد قد ألغى في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 منصب المفتي العام في البلاد، وعزز صلاحيات "المجلس العلمي الفقهي" في وزارة الأوقاف، الذي كان يضم رجال دين من المذاهب الإسلامية كافة، إضافة إلى ممثلين من طوائف مسيحية.
عبد الرحمن الحاج: مجلس الإفتاء يعكس التوازنات بين الوسط الديني وبين توجهات قيادة هيئة تحرير الشام
ورأى الباحث السياسي عبد الرحمن الحاج، في حديث مع "العربي الجديد"، أن مجلس الإفتاء "يعكس توازنات بين الوسط الديني، وأغلبه صوفي، وتوجهات سلفية في قيادة هيئة تحرير الشام"، مشيراً إلى أن تشكيلة المجلس "تؤكد أن مرونة الهيئة على المستوى الأيديولوجي حقيقية". وأضاف أن "التشكيلة يغلب عليها التوجه الديني العام وليس التوجه السلفي، ما يعني استرضاء الوسط الديني وتوسيع قاعدة الحكم الحالي، ولا سيما بعد ظهور مشاكل تعكس الصدام بين التوجه السلفي والصوفي التقليدي في المدن السورية". واعتبر الحاج تعيين الرفاعي "يظهر كتصحيح للخطأ الذي ارتكبه نظام الأسد استرضاءً لإيران"، مضيفاً: "عودة منصب المفتي إلغاء لمفاعيل التأثير الإيراني في مؤسسات الدولة". ورجّح الحاج ألا يلعب المجلس أدواراً سياسية في الوقت الحالي، مضيفاً: "لكنه مرشح لهذا الدور في الأزمات".
إعادة تموضع لدار الإفتاء في سورية
وتعليقاً على تعيين الرفاعي مفتياً في سورية وتشكيل مجلس للإفتاء، اعتبر محمد خير موسى، وهو كاتب متخصص في قضايا التيارات والمدارس الفكرية الإسلامية، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "إعادة منصب وموقع المفتي العام للجمهورية بعد إلغائه من النظام البائد تصحيح للمشهد وإعادة لتموضع مقام الإفتاء في بنية الدولة السورية". واعتبر اختيار الرفاعي "موفقاً". وحول التنوع في المشارب الفكرية والمدارس الشرعية لأعضاء المجلس الأعلى للإفتاء، رأى موسى أنه "تجسير الهوة وردم الفجوات وتوحيد الرؤى المشتركة" مضيفاً: "في المجلس تجتمع السلفية العلمية والسلفية الجهادية والسلفية الحركية والصوفية العلمية والصوفية الطرقية، والتخصص الأكاديمي، كما أنّ فيه تمثيل مدارس دمشق الفكرية المختلفة".