مجزرة قضائية في تونس... 5 إلى 45 عاماً سجناً في قضية "التآمر 1"
استمع إلى الملخص
- أثارت القضية جدلاً بسبب اختلالات في المحاكمة، مثل عدم إحضار المتهمين واعتماد المحاكمة عن بُعد، واعتبرت جزءاً من حملة قمعية ضد المعارضة بعد الإجراءات الاستثنائية في يوليو 2021.
- واجهت تونس انتقادات دولية، خاصة من البرلمان الأوروبي، وهو ما رفضه الرئيس سعيّد، مؤكداً رفض التدخل الخارجي في الشأن التونسي.
أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف في تونس، فجر أمس الجمعة، حكماً نهائياً بحق المتهمين في قضية ما يُعرف بـ"التآمر على أمن الدولة 1"، غداة انعقاد الجلسة الثالثة الاستئنافية في القضية التي يُحاكم فيها 40 معارضاً بارزاً للرئيس قيس سعيّد
، بينهم قادة أحزاب ومحامون ورجال أعمال وشخصيات إعلامية، اعتُقل معظمهم منذ بدء الملاحقة خلال فبراير/شباط 2023. أما التهم الموجهة لمعارضين في تونس فتتعلق بـ"التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي" و"الانتماء إلى تنظيمات إرهابية".أبرز الشخصيات التي صدرت أحكام بحقها نجيب الشابي والبحيري
ومن أبرز المتهمين في القضية رجل الأعمال كمال لطيف، والقيادي في جبهة الخلاص الوطني جوهر بن مبارك الذي يخوض منذ نحو شهر إضراباً عن الطعام داخل سجنه، والأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي والأمين العام السابق لحزب التيار الديمقراطي غازي الشواشي، والسياسيان خيام تركي ورضا بلحاج، إلى جانب الناشطة في مجال حقوق النساء بشرى بلحاج، والمفكر الفرنسي برنار هنري ليفي. وقد وصفهم سعيّد في وقت سابق بأنهم "إرهابيون"، في البلد الذي انطلقت منه شرارة الربيع العربي عام 2010، وسط حملة قمع وملاحقة تستهدف المعارضة بعد إعلان سعيّد الإجراءات الاستثنائية في 25 يوليو/ تموز 2021، التي انقلب فيها على المؤسسات الدستورية، إذ حل البرلمان ومجلس القضاء الأعلى وأصدر تشريعات رئاسية.
قضية تطاول 40 معارضاً في تونس
وتم توجيه تهم في القضية لنحو 40 شخصاً بينهم 20 خارج البلاد، حوكموا غيابياً، إلى جانب عدد آخر سيتم اعتقالهم. وبحسب مصدر قضائي لوكالة تونس أفريقيا للأنباء (رسمية)، فقد راوحت الأحكام الصادرة أمس بحق الموقوفين، بين 10 أعوام و45 عاماً سجناً، فيما راوحت الأحكام بين 5 أعوام سجناً و35 عاماً لمن هم في حالة سراح. ومن المتهمين بحالة سراح، رئيس جبهة الخلاص الوطني، أحمد نجيب الشابي، والناشطة السياسية شيماء عيسى، والقيادي في حركة النهضة رياض الشعيبي. وأما ما يخص المتهمين بحالة فرار (خارج البلاد، بينهم الناشطة بشرى بلحاج، والفرنسي برنار هنري ليفي) فقد قضت المحكمة بإقرار العقوبات السجنية المحكوم بها ابتدائياً في حقهم (33 عاماً مع النفاذ العاجل) مع الترفيع فيها في ما يخص بعضهم (43 عاماً مع النفاذ العاجل). كما حُكم بحق بعض المتهمين إضافة إلى العقوبات السجنية بغرامات مالية متفاوتة.
وأكد عضو هيئة الدفاع عن المعتقلين السياسيين، المحامي سمير ديلو لـ"العربي الجديد"، أن الأحكام راوحت بين 5 و45 عاماً سجناً. وأوضح ديلو أن هناك من ازدادت أحكام السجن بحقه وهناك من تم تقصيرها، مشيراً إلى أن الهيئة بصدد الاطلاع على تفاصيل الأحكام التي وردت في أربع صفحات على أن يصدر بيان لاحقاً. في تفاصيل الأحكام، نشر ديلو على صفحته على فيسبوك، أن "الناشط السياسي خيام التركي حوكم بـ35 عاماً مع خطية مالية (غرامة) بدل 48 عاماً في الطور الابتدائي، أما نائب رئيس حركة النهضة نور الدين البحيري، فقد صدر بحقه حكم بـ20 عاماً بدل 43 عاماً في الطور الابتدائي، وحوكم الأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي بـ20عاماً بدل 18 ابتدائياً، وكذلك جوهر بن مبارك وغازي الشواشي، ورضا بلحاج (20 عاماً)".
وأضاف: "صدر حكم بـ10 أعوام بدل 13 عاماً ضد القيادي السابق في حركة النهضة عبد الحميد الجلاصي"، أما المحكومون بحالة سراح وسيتم سجنهم، فهم أحمد نجيب الشابي الذي حوكم بـ12 عاماً بدل 18، وشيماء عيسى 20 عاماً بدل 18، والصحبي عتيق بـ10 أعوام بدل 13 وكذلك في ما يخص السياسي السيد فرجاني، كما حكم الوزير الأسبق محمد الحامدي بـ17 عاماً بدل 13 والمحامي العياشي الهمامي بـ5 أعوام بدل 8". وجاءت أقصى عقوبة بالسجن 45 عاماً لرجل الأعمال كمال لطيف. وقد أفرج عن المواطن حطاب سلامة ومدير إذاعة موزاييك الخاصة نور الدين بوطار والسياسي لزهر العكرمي، بعدما قررت المحكمة عدم سماع الدعوى.
مختار الجماعي: جل المعتقلين سجنوا بقرار سياسي
اختلالات في المحاكمة
من جهته، قال عضو هيئة الدفاع عن المعتقلين السياسيين، المحامي مختار الجماعي، لـ"العربي الجديد"، إن الأحكام الصادرة تتماشى مع المحاكمة الحاصلة في هذا الملف والتي كانت بلا ضمانات قانونية، مؤكداً أن الأحكام الصادرة تتماشى أيضاً مع طبيعة السلطة القضائية بعد 25 يوليو/تموز 2021 والتي تحولت إلى مجرد وظيفة قضائية تحقق المطلوب بدون الفصل في الملفات. وأضاف أن هذا ما يفسر المدة الخيالية والطويلة للأحكام الصادرة والتي وصلت إلى 45 عاماً، مشيراً إلى أن جل المعتقلين سجنوا بقرار سياسي ولن يغادروا السجن إلا بقرار مماثل.
وشابت المحاكمة منذ بدايتها اختلالات، وفق هيئة الدفاع ومنظمات حقوقية، على رأسها ظروف المحاكمة عن بُعد، والتي انعكست بعدم إحضار المتهمين الموقوفين إلى جلسات المحاكمة على الرغم من تمسّكهم بحقّهم في الحضور. وكان وكلاء الدفاع عن المعتقلين في القضية، رفضوا أن يجري سماع أقوالهم بواسطة الاتصال بالفيديو. وصدرت في إبريل/ نيسان الماضي، أحكام ابتدائية على المتهمين بعقوبات شديدة القسوة وصلت إلى السجن 74 عاماً إثر ثلاث جلسات عن بُعد. التهم في هذه القضية، تتعلق بارتكابهم جرائم أهمها التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي، وتكوين تشكيل إرهابي له علاقة بالجرائم الإرهابية والانضمام إليه، وارتكاب الاعتداء المقصود به تبديل هيئة الدولة أو حمل السكان على مهاجمة بعضهم بعضاً بالسلاح، وإثارة الهرج والقتل والسلب بالتراب التونسي المرتبطة بجرائم إرهابية، والإضرار بالأمن الغذائي والبيئة. ومن بين التهم الأخرى لقاء دبلوماسيين أجانب.
وتقول جماعات حقوقية، مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، إن القضية تمثل تصعيداً لحملة سعيّد ضد المعارضة منذ 2021. ووجّه سعيّد فجر أمس، رسالة شديدة اللهجة إلى بعض الأطراف الأوروبية، معتبراً أن ما يصدر عن البرلمان الأوروبي من نقاشات حول الوضع في تونس يمثل "تدخّلاً سافراً في الشأن الداخلي"، مضيفاً خلال لقائه وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين في الخارج محمد علي النفطي، أن تونس ترفض أي وصاية أو تعليمات. وقال: "إذا كانوا يريدون تلقين تونس الدروس، فليطّلعوا على تاريخها ومواقفها وإرادة شعبها... لعلّهم يفقهون". ويأتي رد سعيّد بعد توجيه البرلمان الأوروبي، الخميس، انتقادات مباشرة إلى السلطات التونسية حول الوضع الحقوقي في البلاد.