مجزرة بيت جن... الحافة ليست في مكانها

01 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:18 (توقيت القدس)
في بيت جن عقب المجزرة، 28 نوفمبر 2025 (أوغور يلديريم/Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في ديسمبر 2024، فرّ بشار الأسد إلى موسكو بعد انهيار النظام السوري، مما أدى إلى استغلال إسرائيل للفراغ الأمني وشن هجمات على دمشق والجولان السوري المحتل، حيث تصدت قرى مثل بيت جن وكويا للاعتداءات رغم الخسائر البشرية.

- تعاني السلطة السورية من ضعف عسكري وتفضل التركيز على إعادة الإعمار والتنمية، مع استخدام الدبلوماسية والضغط الشعبي كورقة تفاوضية، بينما تعزز إسرائيل مكاسبها في الجنوب السوري.

- تواجه المفاوضات بين سوريا وإسرائيل طريقاً مسدوداً، وتسعى سوريا للحصول على دعم دولي لوقف الاعتداءات ورفع العقوبات، لكن العلاقات مع أمريكا وإسرائيل تبقى غير مستقرة.

فرّ الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد من دمشق فجر الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 إلى قاعدة حميميم في اللاذقية على الساحل السوري، ومنها طار إلى موسكو، مخلّفاً وراءه بلداً مدمراً منهاراً، بلا بنية تحتية أو مقومات للنهوض، بعدما فتح حرباً على السوريين دامت 14 عاماً. ليلاً، في اليوم نفسه، وبينما كان السوريون يحتفلون في الساحات استغلّت إسرائيل لحظة سقوط النظام، وحالة التخبط الدفاعي، فكان القصف الإسرائيلي يستهدف دمشق ومناطق سورية أخرى وثكنات عسكرية، ويدمّر منظومات الدفاع الجوي والبنى التحتية العسكرية السورية، قبل أن تتوغل القوات الإسرائيلية في المنطقة العازلة، في الجولان السوري المحتل، وتحتل أراضيَ فيها. إلا أن قرى مثل بيت جن جنوبي سورية، تصدت لهذه التوغلات.

مقاومة أهلية في بيت جن

يعتدي جيش الاحتلال الإسرائيلي يومياً على الأراضي السورية متغلغلاً فيها، ومرتكباً انتهاكات من خطف ونصب حواجز واعتداء على الأهالي، لكنه فوجئ فجر 28 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بمقاومة أهلية عندما أراد اقتحام بلدة بيت جن في ريف دمشق جنوباً، ما أوقع عشرات الشهداء والجرحى السوريين. ينضم أهالي بيت جن إلى أترابهم في قرية كويا في ريف درعا الغربي، جنوبي سورية، متصدين للعدوان الإسرائيلي. فقد سارع أهالي قرية كويا، في 25 مارس/آذار الماضي، للوقوف في وجه الاعتداء الإسرائيلي، إذ اشتبكوا مع قوات الاحتلال، فاستشهد سبعة من الأهالي وأصيب العشرات جرّاء القصف. لجأ هؤلاء السوريون إلى الدفاع الشعبي بما يتوفر لهم من سلاح، لكن هذه الآلية تحمل مخاطر؛ فالمقاومة الشعبية ليست منظمة ومهيكلة ولم تتلقَ تدريباً تواجه به جيشاً نظامياً.

يئس سكان المناطق التي تجتاحها إسرائيل من التوغلات والانتهاكات، فقرّروا حمل بنادقهم والتصدي لها

يئس سكان المناطق التي تجتاحها إسرائيل من التوغلات والانتهاكات، فقرّروا حمل بنادقهم والتصدي لها، فـ"السلطة السورية لا تناصرهم على الأرض"، وقدراتها العسكرية محدودة، وهذا أمر لا تخفيه الحكومة السورية. فقد صرح وزير الإعلام، حمزة المصطفى، الجمعة الماضي، لقناة الإخبارية السورية، أن "إسرائيل تحاول عبر التوغلات العسكرية استفزاز الدولة السورية، ونحن في موقع لا يسمح لنا أن نذهب إلى ما تريده إسرائيل من خلال استفزازاتها"، معتبراً أن "منطق الغرور والقوة لدى إسرائيل يعمي بصرها". ونقل "تلفزيون سوريا" عن وزير الإعلام، السبت الماضي، أن "إسرائيل تخطئ الحسابات حين تعتقد أنها قادرة على فرض وقائع على الأرض"، وبأنها "تحاول جرّ الحكومة إلى مواجهة عبر استفزازات متعددة"، مضيفاً: "لا نخجل من قول إنّنا لسنا في موقع قوة، خصوصاً بعد التحرير، ونريد أن نركز على النهوض بالبلاد".

وعزز هذه التصريحات مندوب سورية الدائم لدى الأمم المتحدة، إبراهيم علبي، في تصريحات صحافية نقلتها وكالة الأنباء السورية "سانا"، مساء الجمعة الماضي، بإدانته العدوان الإسرائيلي على بيت جن. وبيّن أن "الرد العسكري على استفزازات إسرائيل غير مطروح حالياً"، وذلك حفاظاً على مكاسب مهمة حقّقتها سورية في علاقاتها الدولية، وأوضح علبي أن دمشق سترد على تل أبيب "بالطرق المعترف بها دولياً".

لا تتحمل السلطة الحالية مسؤولية انهيار القدرات العسكرية في سورية، فعندما دمرت إسرائيل المواقع العسكرية السورية، لم تكن السلطة القائمة حالياً على تماسّ مع تلك المواقع، ولا خبرة لها فيها. أما الجيش السوري فما يزال مشتتاً لم يلتئم شمله بعد، وفتياً غير قادر على المواجهة، فيما العقلية الفصائلية لم تبرحه، ويفتقد إلى الانضباط العسكري والتكتيكي. قد حُلَّ الجيش النظامي (إبان حكم الأسد)، وريثما تؤسس السلطة الحالية جيشاً مؤهلاً مدرباً، فإنها تحتاج إلى سنوات. ساعتها تكون إسرائيل قضمت مساحات من الجنوب السوري، وعندها لات حين مناص.

تتدفق التصريحات الرسمية السورية، بما فيها بعد اشتباكات بيت جن بأن دمشق لن تشكل تهديداً لتل أبيب، وبأنها لن تُجَرّ إلى المواجهة العسكرية معها، لأن التركيز حالياً منصبّ على البناء وإعادة الإعمار والتنمية المحلية، وكي تؤوب البلاد إلى واقع معيشي مستقر تستزرع فيه الاستثمارات الكبرى. وهذه العناصر لا تتحقق من دون استقرار أمني يرسخ الأسس المتينة للشروع في تأهيل البلاد، لكن هذه السياسة ربما تتبدل، فقد تنحو دمشق نحو تحريك الشارع وإخراج تظاهرات ضد العدوان الإسرائيلي المتواصل، لتجعلها ورقة ضغط تستخدمها في المفاوضات، مفادها أن "الشارع غاضب ولا تستطيع القبول باتفاق هزيل (مع إسرائيل)، وإنما تريد اتفاقاً يلبي طموح الغاضبين في الطرقات".

اتفاق أمني غير مضمون

أقصى ما تستطيع السلطات السورية اليوم بلوغه هو قبول إسرائيل بالعودة إلى اتفاقية فض الاشتباك

الموقعة عام 1974، فحكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المتطرفة، لن ترضى بخسارة المكاسب التي حققتها خلال العام الماضي. لهذا السبب تجمدت المفاوضات بين الطرفين وأفضت إلى طريق مسدود، بعد إصرار الرئيس السوري أحمد الشرع على انسحاب إسرائيل من جميع النقاط السورية التي احتلّها جيشها في العام الأخير.

الاتفاق الأمني الذي تمحورت المحادثات حوله في الأشهر الأخيرة، بين دمشق وتل أبيب، يواجه الإلغاء

الاتفاق الأمني الذي تمحورت المحادثات حوله في الأشهر الأخيرة، كي تتمكن دمشق من وقف القضم التدريجي للأراضي السورية، أمسى يواجه الإلغاء، بعدما سارت الحكومة السورية فيه باعتبار العمل السياسي يتطلب ترتيب الجهود وتنسيقها، والتآلف مع المحيط لإدارة شؤون المجتمع والدولة، وتحقيق المصلحة العامة. يأتي ذلك خصوصاً وسط الوضع الذي تمر به سورية حالياً، مع تجاهل نداءات سوريّة تدعو إلى "الجهاد ضد الاحتلال" أو لتحريك "فزعات عشائرية" للدفاع عن التراب الوطني. و"لضمان أمن الجنوب أو توفير عامل رادع أو تحقيق توازن عسكري" ضد الوجود الإسرائيلي، إذ جال وفد تقني عسكري روسي تابع لقاعدة حميميم على عدد من النقاط والمواقع العسكرية في الجنوب، يوم 17 نوفمبر الماضي، بمرافقة جهاز الأمن العام السوري.

انطلاقاً من المفهوم الأبسط للسياسة بأنها "فن الممكن"، لجأت السلطات السورية إلى الحوار والانسجام، وبعثت برسائل اطمئنان. ولم توفّر الورقة الأميركية في ذلك، فتوجهت هذه السلطات إلى الولايات المتحدة كي تكون عوناً في النهوض، مبتغية منها أن تكفّ يد إسرائيل عن سورية، والاعتراف الدولي بالسلطة، ورفع العقوبات الاقتصادية عن البلاد. لذلك قدمت دمشق كل ما يعينها في ذلك أمام واشنطن، لكن الاتفاق معها يبقى كمن يسير على حبل مشدود. فالتهليل لهذه الاستراتيجية بأنه النجاة، ويفتح الآفاق نحو سورية موحّدة مزدهرة، يحتاج إلى إدراك حقائق مرتبطة بالمنطقة وبالعلاقة الأميركية الإسرائيلية، وبأن السوريين غير مهيئين للسلام مع قوة تعتدي وتقتل وتهدم بيوتاً وتجرف أراضي في القنيطرة وريف دمشق، وتسعى إلى إنشاء مشروعها؛ "إسرائيل الكبرى"، وتثبّت نقاط ارتكاز تبعد عن دمشق كيلومترات.

العلاقة مع أميركا الآن تبقى في إطار الاعتراف الرسمي بالسلطات السورية، ومحاولة محو ماضيها الموصوم بالإرهاب. فواشنطن ما تزال تراقب تطورات المرحلة الحالية وتقيّم سياساتها نحو سورية بحسب سلوك السلطة التي تحاول الإيفاء بالتزاماتها، ولا سيّما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يصرح بأن الانفتاح على سورية هو لإعطاء السوريين فرصة للحياة، حتى إنّه التقى الرئيس السوري في البيت الأبيض، في العاشر من نوفمبر الماضي. تقف الإدارة السورية على الحافة في العلاقة مع إسرائيل وأميركا، لكن من يضمن أن تبقى تلك الحافة في مكانها؟ تل أبيب لا تريد اتفاقاً يقيّدها، فهي حالياً تسرح في سماء سورية وأرضها وتستهدف ما تشاء من مواقع.

اليقين بأن هذه الاستراتيجية ستضمن الاستمرارية ووقف اعتداءات إسرائيل هو وهم محض؛ لأنّ العلاقات مبنية على المصالح التي تتغير بحسب المقتضيات والظروف، فمن يصادقك اليوم يخاصمك غداً لمّا تنتهي المصلحة المشتركة. ولا يخفى أن سياسة أميركا في الشرق الأوسط تصب في مصلحة إسرائيل دائماً. عدوان الاحتلال على قطر في التاسع من سبتمبر/أيلول الماضي، يثبت أن واشنطن لا توفر الحماية لكلّ الحلفاء، وأن حلفاءها جميعهم في جهة، والحليف الإسرائيلي في جهة أخرى، إذ إنّ القواعد العسكرية الأميركية في الخليج، تسخّرها واشنطن لتحقيق أهداف تل أبيب، ولمتابعة سير السياسة الأميركية في المنطقة.