مبادرة ألمانية فرنسية من أجل لبنان... استراتيجية دعم للقوى المسلحة والتعاون التنموي

19 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 01:57 (توقيت القدس)
ميرز وماكرون قبيل الاجتماع الوزاري في ألمانيا، 17 يوليو 2026 (لودوفيك مارين/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- أكدت فرنسا وألمانيا التزامهما بدعم لبنان في تعزيز سيادة قواته الأمنية ونزع سلاح حزب الله، مع التركيز على تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية الضرورية بشكل عاجل.
- يواجه لبنان تحديات أمنية واقتصادية كبيرة، بما في ذلك الصراع مع حزب الله والأزمات الاقتصادية، مما يستدعي دعمًا أوروبيًا لضمان استقرار المنطقة، خاصة مع قرب مغادرة قوات اليونيفيل.
- تشمل الاستراتيجية الأوروبية تقديم المشورة والتدريب للقوات اللبنانية، مع دعم عسكري وشرطي يبدأ في 2026، بهدف تعزيز الأمن ومكافحة تهريب الأسلحة، مما يسهم في استقرار لبنان ونموه الاقتصادي.

حملت مخرجات اجتماع مجلس الدفاع والأمن الفرنسي الألماني الذي ترأسه المستشار الألماني فريدريش ميرز

والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قاعدة نورفينيش الجوية، غربي ألمانيا، أول من أمس الجمعة، بمشاركة وزراء ومسؤولين من البلدين، تأكيد التزامهما بدعم الدولة اللبنانية لفرض احتكار قواتها الأمنية حمل السلاح ونزع سلاح حزب الله، ودعوة جميع أطراف النزاع إلى احترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه. كما شدد البيان المشترك عقب الاجتماع التعاون مع بيروت لتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية الضرورية بشكل عاجل. وجاءت هذه التأكيدات، ضمن مجموعة من التفاهمات على قضايا السياسة الأمنية ومسائل التعاون الاستراتيجي بينهما في مجال الدفاع، ودعم سيادة أوكرانيا، كما المشاركة في المهمة البحرية لحماية مضيق هرمز.

يطرح كل ذلك تساؤلاً حول ما يمكن أن تقدمه أكبر وأقدر دولتين داخل الاتحاد الأوروبي من دعم مستدام لبلد مليء بالأزمات. فلا يزال لبنان يشهد قتالاً بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، وسط مناكفات سياسية وأزمات اقتصادية واجتماعية. يأتي ذلك في وقت تتحضر فيه قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) العاملة في جنوبي لبنان منذ عام 1978، للمغادرة نهاية العام الحالي، رغم استمرار احتلال إسرائيل جزءاً من البلاد، وذلك بعدما مدّد مجلس الأمن في أغسطس/ آب الماضي ولاية "يونيفيل" للمرة الأخيرة، حتى نهاية 2026، مع خطة انسحاب تدريجي.

احتواء النفوذ الإيراني في لبنان

في ما يتعلق بلبنان، بيّنت الفقرة الأخيرة من الاتفاق الذي أعقب الاجتماع الوزاري الألماني الفرنسي والمكوّن من خمس صفحات، أن برلين وباريس تدعمان الجهود المبذولة لاستكشاف خيارات ما بعد "يونيفيل"، بما في ذلك مواصلة المشاركة في إطار الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. وأعرب البلدان عن ترحيبهما بالاتفاق (اتفاق الإطار) الذي وقّعه لبنان وإسرائيل في يونيو/ حزيران الماضي في واشنطن، وعن استعدادهما لتنفيذه والتنسيق الوثيق بشأن الخطوات التالية اللازمة لدعم سيادة لبنان الكاملة.
يُذكر أن الفقرة الرابعة من اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، المتعلقة باستعادة الدولة اللبنانية "سيادتها الكاملة على كل أراضيها" وممارستها، و"تحقيق نزع السلاح الكامل والمتحقق منه لكل الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة"، تنص على أنه "بموجب هذا الإطار، تطلب حكومة الجمهورية اللبنانية دعم الشركاء الدوليين، لا سيما الشركاء العرب، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، لتحقيق هذه الغاية".

نيكلاس فسترمان: الجيش اللبناني غير قادر على سد النقص جنوبي لبنان بنفسه على المدى القريب

في ظل هذه المعطيات، أشار الباحث في الشؤون الأوروبية نيكلاس فسترمان، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أنه من دون دعم أوروبي لا إمكانية لضمان اتفاق متابعة عملي موثوق في جنوبي لبنان المهدد بفراغ أمني عند الحدود مع إسرائيل، مع استعدادات "يونيفيل" للرحيل، والتي اقتصر دورها على المراقبة والحماية. وفي رأيه يعلم الجميع بالقدرات المحدودة للجيش اللبناني والمنهك من كثافة المهمات، والذي يعاني من نقص في التمويل والتسلح والعديد، معتبراً أن الجيش غير قادر على سد النقص بنفسه على المدى القريب. كما شدد فسترمان على أن برلين وباريس، عدا عن نفوذهما السياسي، لديهما القدرات والثقة لدى الطرفين (لبنان وإسرائيل) لإضفاء الاستقرار بين طرفي النزاع، على أن يتسلم الجيش تدريجياً زمام الأمور ويبسط سيطرته على أرض الواقع.

من جهة ثانية، اعتبر فسترمان، بما أن المهمة (برلين وباريس) تنطوي على مخاطر، بأنه ينبغي إطلاقها بالتنسيق التام مع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وبمشاركة عدد من الدول الأخرى التي رحبت أساساً بالانضمام، وفي مقدمتها إيطاليا وإسبانيا، لتوفير الدعم العسكري واللوجستي لفرض السيادة والشرعية بقواه الذاتية. يأتي ذلك، وفق فسترمان، من دون إغفال ما يمكن أن يسهم به الموقع الجغرافي لقبرص العضو في الاتحاد الأوروبي، وقال إن هذا كله؛ سيمكن الدولة اللبنانية من احتواء النفوذ الإيراني ومنع التوترات، وسيشكل دافعاً لتحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي طويل الأمد وإعادة الإعمار، وسيخدم في تبديد المخاوف داخل بيئات المجتمع المدني.

المشورة والتدريب وبناء القدرات

في سياق ما تقدم، ذكرت تقارير صحافية، بينها لهازه بوست وغفينر ماغازين (الألمانيتين) يوم 11 يوليو/ عن دبلوماسيين رفيعي المستوى ومطلعين أن الدعم العسكري والشرطي إلى لبنان من المتوقع أن يبدأ أواخر 2026 وأوائل 2027، بعد أن تأخذ الأمور مساراتها أوروبياً. وسيخصص هذا الدعم لتدريب الضباط والجنود للمساهمة في فرض الأمن والنظام في البلاد وتعزيز الحدود، من دون أن تهدف المهمات صراحة لمراقبة وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في حال تحققه، أو نزع سلاح حزب الله. وسبق أن ناقش الاتحاد الأوروبي الشهر الماضي مقترح مهمة عسكرية ​ومدنية مدتها ثلاث سنوات لتقديم المشورة والتدريب للقوات اللبنانية، في ‌مجالات منها أمن الحدود والأمن البحري.

في هذا الصدد اعتبر الباحث في الشؤون الأوروبية نيكلاس فسترمان، أن ألمانيا وفرنسا تمتلكان الأدوات المناسبة لهذا الغرض. وأوضح لـ"العربي الجديد"، أنه يمكن لسياسة أمن ودفاع مشتركة أن تجمع بين القدرات العسكرية والشرطية والمدنية مع الزيادات المطروحة للتمويل، لافتاً إلى الدعم المقدم من مرفق السلام الأوروبي (صندوق تمويلي أنشأه الاتحاد الأوروبي) لبناء قدرات الجيوش الشريكة والذي سيوفر 100 مليون يورو، وستعطى أولوية للقدرات العملياتية للقوات المسلحة اللبنانية. يُذكر أن الاتحاد الأوروبي سبق أن وافق مطلع الشهر الماضي، على حزمة دعم للجيش اللبناني بقيمة 100 مليون يورو (116 مليون دولار)، في إطار مساعيه لتعزيز قدرات الجيش.

وتماشياً مع ما ذكره فسترمان، تقاطعت معلومات عن توجه ألماني فرنسي لتوحيد الموارد وضمن استراتيجية شاملة لسنوات من التعاون والمشورة مع قوات الأمن اللبنانية لتعزيز قدراتها، من دون ممارسة أي سلطة تنفيذية. ويفترض هذا التوجه الربط بين ثلاث خطط عمل: أولاً ترسيخ الدعم والتدريب والإصلاح والتطوير داخل الأجهزة الأمنية وتمكين الجيش اللبناني، ما سيسمح بسيطرة الدولة في الجنوب اللبناني وسيعزز إمكانية انسحاب تدريجي إسرائيلي من الأراضي اللبنانية. أما الخطة الثانية فتتعلق بمكافحة تهريب الأسلحة ودعم مراقبة أمن الحدود والخدمات اللوجستية والتدريب والتواصل الاستراتيجي وعلى طول الحدود الحساسة مع سورية من أجل السيطرة الفعالة على نقاط الإمداد وتدفقات الأسلحة غير النظامية، فيما الخطة الثالثة تتعلق بالحماية الفعالة والآمنة للموانئ.

البحرية اللبنانية جاهزة

في هذا الصدد، أشار متابعون إلى أن مساهمة برلين ستتمثل بخبرتها في مهمة "يونيفيل" البحرية ومركز عمليات السلام الدولية وخبرائها المدنيين وقدرات شرطتها وجماركها، توازياً مع التعاون الأمني الفرنسي مع المؤسسات والهيئات اللبنانية، بينها الوكالة الفرنسية للتنمية والهيئة الفرنسية للخبرة الفنية الدولية، القادرتان على دعم الهياكل الإدارية والتطوير المؤسسي.

ويذكر موقع وزارة الدفاع الألمانية، أن البحرية الألمانية التي تشارك بشكل منظم منذ 2006 في بعثة "يونيفيل" قبالة السواحل اللبنانية، وبشكل خاص مراقبة الخط الأزرق (الحدود بين لبنان وإسرائيل) لضمان الامتثال لقرار مجلس الأمن 1701 لعام 2006، ساهمت في تطوير كفاءة القوات المسلحة اللبنانية ودعم قوات أمن الحدود. ويضيف أنه من خلال التدريبات للكوادر المتخصصة، حققت القوات البحرية في الجيش اللبناني تقدماً ملحوظاً، مع التركيز بشكل خاص على مهارات الملاحة العامة والتدريب البحري في الإرشاد والتوجيه، وباتت قادرة على تنفيذ جميع الإجراءات الفنية بشكل مستقل، بدءاً من الاستفسار وصولاً إلى تفتيش السفن المشبوهة.

وفي الوقت نفسه، تبيّن الوزارة بأن هذا التطور الإيجابي للبحرية تعرقل بسبب أعمال القتال بين حزب الله وإسرائيل، إلا أن خطط التدريب والدعم ستستمر حتى نهاية مهمة "يونيفيل" العملياتية نهاية 2026. مع العلم، أنه سيُخفّض عديد القوة الألمانية من 300 نهاية 2026 إلى 80 ضابطا وجنديا، وبما يتناسب مع نطاق المهمة (الأممية) للحد الأدنى في المرحلة الأخيرة، حتى موعد انسحاب الفرقاطة الألمانية (ضمن يونيفيل) مع انتهاء المهمة بشكل منتظم في يونيو/ حزيران 2027. وفي حين يعوَّل على أن يكون للوزارة الاتحادية للتعاون الاقتصادي والتنمية في ألمانيا دور فاعل، ووزارة الاقتصاد والطاقة إدارة مجالات التجارة والطاقة والاستثمار، إلى جانب دور وزارة الدفاع الألمانية في إدارة التعاون في مجال التدريب والسياسة الأمنية، اعتبر الباحث السياسي والاقتصادي يان مولر، أن التعاون من أجل لبنان أمر بالغ الأهمية لاستقرار المنطقة والمصالح الاقتصادية لأوروبا.

وأضاف لـ"العربي الجديد"، أن تولي الاتحاد الأوروبي دوراً فاعلاً في السياسة الخارجية العالمية، أمر بالغ الأهمية للاستقرار الجيوسياسي، فضلاً عن تزخيم الحضور الدبلوماسي خدمة للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي. يأتي ذلك، وفق مولر، بعد تهميش الرئيس الأميركي دونالد ترامب عملياً للأوروبيين في جميع المحادثات والمفاوضات، سواء بما يخص وقف الحرب في أوكرانيا أو مع ملف إيران وغيرها.

يان مولر: برلين وباريس لديهما قدرة على المساهمة في نسج نموذج مستدام لمنطقة الشرق الأوسط

في رأي مولر، فإن برلين وباريس لديهما قدرة على المساهمة في نسج نموذج مستدام لمنطقة الشرق الأوسط، يستند إلى فهم سياسي متجذر في سياق أوروبي، حيث لفرنسا خصوصية بحكم التاريخ والثقة لمعالجة الإصلاحات اللبنانية بمصداقية أكبر في بيروت. بدورها، تستطيع ألمانيا، وفق مولر، دمج المصالح الأمنية الإسرائيلية مع السياسية بشكل أفضل ضمن ضوابط تخدم البعد الاقتصادي لطموحات تل أبيب مع برلين.

وأشار في هذا السياق إلى أن هناك تراجعاً في الدعم المحلي لإسرائيل في الولايات المتحدة نتيجة التغيرات والدينامكيات الجديدة، إلى جانب التغيرات الديمغرافية والذهنية بين الأجيال داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري. وأوضح أن التأييد الأعمى لإسرائيل في واشنطن يتعرض لضغوط متزايدة، ما يدفع توازياً تل أبيب لتعزيز قيمتها (دورها) بين الشركاء الموثوق بهم في أوروبا. ولفت مولر إلى أن لألمانيا أهمية خاصة في هذا السياق، عازياً ذلك إلى أنها تأخذ احتياجات إسرائيل الأمنية على محمل الجد، كما تبطئ النقاش الأوروبي حول العقوبات عليها بسبب توسع المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية.

وفي وقت يربط البعض الدعم لإعادة الإعمار في لبنان بمطالب السيادة الوطنية وإجراء إصلاحات هيكلية، يلفت مراقبون إلى أن ألمانيا، عدا عن علاقتها الثابتة مع إسرائيل، تريد تعزيز حضورها الخارجي في المنطقة العربية ومن ضمنها لبنان. كما لديها توجهات للمساهمة في إعادة هيكلة الإدارة وتطويرها ودعم البلديات والبنية التحتية الحيوية، ودعم مؤسسات الدولة مالياً واقتصادياً والتعاون تنموياً. ويشير هؤلاء إلى أن ألمانيا ستقدم على افتتاح مراكز للمؤسسة الألمانية للتعاون الدولي التي تعمل مع القطاع الخاص والمنظمات الحكومية وغير الحكومية على أساس المنفعة العامة، في سعي منها لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة وبناء القدرات، ويمكن لها أن تحقق هذا التوازن بفعالية أكبر من خلال التنسيق مع فرنسا.

نهج تكاملي مع فرنسا

في ظل استمرار المفاوضات بين لبنان وإسرائيل بعد توقيعهما اتفاق الإطار

في يونيو/ حزيران الماضي، الذي يؤكد خصوصاً الانسحاب الإسرائيلي وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، بيّنت قراءات سياسية أن برلين وباريس تسعيان لاستغلال علاقتهما المميزة، كل من جهته، مع بلدين يعيشان حالا من العداء منذ عقود. فرنسا البلد الذي ساهم في تأسيس دولة لبنان الكبير عام 1920، لا تزال مرجعاً وذات تأثير سياسي ووسيطا في الأزمات وشريكاً اقتصادياً. أما ألمانيا فتتمتع بعلاقة وثيقة مع إسرائيل وتستند بشكل أساسي إلى مسؤوليتها التاريخية عن المحرقة التي لا تزال جوهر سياستها تجاه تل أبيب، عدا عن نفوذها السياسي والأمني بوصفها شريكاً دفاعياً استراتيجياً.

كلا البلدين قادران على تزخيم الخيارات الأوروبية لسياسة دعم تخدم لبنان الذي يمر بلحظة تاريخية، إذ للمرة الأولى منذ العام 1983 يجري محادثات مباشرة مع إسرائيل، بعدما كانت هذه المحادثات حتى وقت قريب، من المحرمات السياسية. كل ذلك في ظل دعم لهذا النهج بعدما أصبحت الإرادة السياسة اللبنانية الداخلية تدفع أكثر من أي وقت مضى، لتعزيز سيادة الدولة، وتماشياً مع الظروف الإقليمية المؤاتية والدعم الأميركي للحد التدريجي من النطاق العسكري لحزب الله، بالإضافة إلى سعي رئيسي الجمهورية والحكومة اللبنانيين جوزاف عون ونواف سلام، لإمكانية تحقيق وقف دائم لإطلاق النار وانسحاب إسرائيل من جنوبي البلاد وتسليم الحزب سلاحه وتثبيت شرعية الدولة.