ما بعد 14 ديسمبر

10 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:03 (توقيت القدس)
تظاهرة للجزائريين بذكرى مجزرة 1961، باريس، 17 أكتوبر 2021 (آلان جوكار/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يؤكد المؤرخ بنيامين ستورا أن العلاقات الجزائرية الفرنسية لن تعود إلى سابق عهدها قبل يوليو 2024، حتى مع تسوية القضايا العالقة، مشيرًا إلى تحول جذري في العلاقة بين البلدين.
- إعلان تنظيم "ماك" استقلالًا مزعومًا لمنطقة القبائل يعكس نيات السياسة الفرنسية تجاه الجزائر، ويجسد الفكر الكولونيالي الذي استغل الفوارق المجتمعية.
- العلاقات بين البلدين محكومة بتاريخ استعماري مؤلم، حيث لم تتخلص فرنسا من الفكر الكولونيالي، ولم تتجاوز الجزائر الذاكرة المؤلمة، مما يكرس أزمة دائمة.

يجزم المؤرخ الفرنسي المعروف بنيامين ستورا، وهو خبير في العلاقات الجزائرية الفرنسية، في حديث لقناة فرانس 2 الفرنسية قبل أيام، أن العلاقات بين البلدين لن تعود بأي حال من الأحوال إلى ما كانت عليه قبل يوليو/تموز 2024، حتى في حال تسوية القضايا الخلافية العالقة، وهو محق إلى أبعد الحدود. يدرك ستورا، من موقعه مؤرخاً ورجلاً ذا حظوة سياسية وتقدير أتاحا له الاقتراب من قيادة البلدين، أن تحولاً عميقاً وجذرياً قد حدث على صعيد العلاقة بين الجزائر وفرنسا، وأن الأزمة هذه المرة ليست لها سابقة.

بعد 14 ديسمبر/كانون الأول الحالي، التاريخ الذي سيعلن فيه تنظيم "ماك" (حركة استقلال منطقة القبائل الانفصالية) استقلالاً مزعوماً لمنطقة القبائل عن الجزائر، ستتغير معطيات كثيرة إزاء باريس، ليس في علاقة بما يقوم به هذا التنظيم الاستعراضي المعزول تماماً ونهائياً عن الواقع السياسي والاجتماعي للجزائر ولمنطقة القبائل، وهو لا يثير بحق أي قلق في الداخل الجزائري سياسياً ومجتمعياً، ولكن على صعيد اعتبار ذلك، بمثابة التعبير الحقيقي والمكشوف لنيات السياسة الفرنسية إزاء الجزائر، والتجسيد الفعلي والعملي للفكر الكولونيالي الذي استغل الخصوصيات الأنثربولوجية في الجزائر، وعمل على تغذية هذه الفوارق المجتمعية طيلة عقود.

لا تدرك باريس، أنها تكرّس بذلك، وأكثر من أي وقت مضى، صورة "فرنسا الاستعمارية" التي ظلّت قائمة لها في العقل السياسي الجمعي في الجزائر. ويجدر الإقرار بأنه لم تكن هناك قط ثقة سياسية بين البلدين منذ الاستقلال، بما في ذلك خلال الفترات التي برزت فيها مسارات من العلاقة الهادئة فرضتها ظروف وسياقات معينة، وفترات من التعاون والزيارات رفيعة المستوى، والتي لم تكن تخلو من جدل كثير ومطالبات أكثر. الكثير من مذكرات السياسيين في البلدين، تؤكد هذه الحقيقة منذ عهد الرئيس الراحل هواري بومدين. ثم إن احتضان باريس لتنظيم يُحضّر لإعلان انفصال مزعوم لمنطقة القبائل، سيدفع إلى فتح السّجلات، ليظهر أن هذه ليست المرة الأولى التي تدعم أطراف في باريس تنظيماً يستهدف الجزائر، تحت عنوان منطقة حقوق القبائل. فقبل "ماك"، كانت هناك "منظمة القوات البربرية" التي تأسست في باريس والمسؤولة عن تفجيرات القنابل في الجزائر بداية عام 1976.

قيّد التاريخ العلاقات الجزائرية الفرنسية، بحيث لم يستطع الفرنسيون الخروج من مربع الفكر الكولونيالي في اتجاه الجزائر، كما لم يستطع الجزائريون أن يتخلصوا من الذاكرة المؤلمة بسبب المخلّفات المتفاقمة للاستعمار والكولونيالية في الجزائر. لقد حكم التاريخ على هذه العلاقة أن تبقى علاقة أزمة دائماً، وكان مبرر الأجيال السياسية الفرنسية الحالية، بما فيها الرئيس إيمانويل ماكرون وقبله فرانسوا هولاند، أنها ليست مسؤولة عن هذا الماضي، وهذا صحيح بالمعنى النظري، لكن هذه الأجيال السياسية الجديدة، تتورط بنفسها في وضع قيد جديد ومؤثر في مستقبل هذه  العلاقة، بسبب تماهي جزء مؤثر من مؤسسة الحكم والمجتمع السياسي في فرنسا مع الحركة الانفصالية، لكونها تشبع وتغذي وتحيي نزعات فرنسية مكبوتة لدى ما تصفه الرئاسة الجزائرية "أنصار الجزائر فرنسية".  
 

المساهمون