ماذا يعني نقل الصلاحيات "المدنية" من جيش الاحتلال إلى الشرطة في الضفة الغربية؟

16 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 17:24 (توقيت القدس)
من انتشار لقوات الاحتلال في البلدة القديمة في الخليل 15 أغسطس 2026 (Getty)

يتوقع خبراء ومتابعون أن تتأثر حياة الفلسطينيين بالقرار بشكل مباشر

جمعة: هذا القرار سيعطي الشرطة كل الصلاحيات

لا يقتصر تأثير قرار وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس

"بنقل صلاحيات إنفاذ القانون في المستوطنات بالضفة الغربية من الجيش إلى شرطة الاحتلال" على الأبعاد السياسية والضم، بل يتوقع خبراء ومتابعون لشؤون الاستيطان والشأن الإسرائيلي، أن تتأثر به حياة الفلسطينيين بشكل مباشر، ولا سيما في المناطق المصنفة "ج" وفق اتفاق أوسلو، وهي تلك التي تتبع أمنياً ومدنياً لجيش الاحتلال لا السلطة الفلسطينية.

وعلى الصعيد الميداني اليومي، يتوقع منسق الحملة الشعبية لمقاومة الجدار والاستيطان جمال جمعة أن يحمل هذا القرار تداعيات على حركة الفلسطينيين وحياتهم في شوارع الضفة وقراها، مشيراً إلى أن هذه الخطوة ستؤدي إلى انتشار واسع لشرطة الاحتلال في كل أنحاء الضفة الغربية، ما يعني فتح الباب أمام مزيد من الملاحقات وتحرير المخالفات والتضييق المباشر على المواطنين الفلسطينيين.

ويتابع جمعة، خلال تصريحات لـ"العربي الجديد"، أن "هذا القرار سيعطي الشرطة كل الصلاحيات، ليس المقصود فقط المستوطنين، بل الفلسطينيين، صلاحيات على كل مخالفات السير، وكل ما يعتبرونه مخالفات جنائية، أو ما يعتبرونه تجاوزات وتعديات، كلها بالأصل هي صلاحيات من المفترض أنها للسلطة الفلسطينية والشرطة الفلسطينية"، وهو ما يعتبره انتقاصاً من صلاحيات السلطة الفلسطينية وسيطرتها حتى على مناطق ب، قائلاً: "من الواضح أن القرار لا يقتصر على مناطق ج، بل يمتد إلى مناطق ب وربما لاحقاً إلى مناطق أ".

ويؤكد الخبير بالشأن الإسرائيلي محمد أبو علان دراغمة في حديث مع "العربي الجديد"، أن الاحتلال يسعى لنقل الصلاحيات إلى الشرطة الإسرائيلية في كل المنطقة "ج" بما في ذلك على الفلسطينيين، مضيفاً "يتحدث الاحتلال عما يسمى بالقضايا الجنائية أو المدنية التي تتعلق بالفلسطينيين والمستوطنين، بمعنى أن ما تسمى القضايا الأمنية ستبقى بيد الجيش، ولكن فقط بالشق المتعلق بالفلسطينيين". فالاحتلال، كما يقول دراغمة، يصنف اعتداءات وإرهاب المستوطنين بالقضايا المدنية وليس الأمنية، وهو ما يكرس وجود قانونين في الضفة.

ويصف دراغمة الواقع بالقول: "نحن صرنا كسفينة نوح من كل زوجين اثنين، طرق للفلسطينيين وأخرى للمستوطنين، حواجز مسموح أن يمر منها الفلسطينيون وأخرى فقط يمر منها المستوطنون، وهذا قائم على الأرض وهناك أكثر من قانون في الضفة، قوانين خاصة بالفلسطينيين وأخرى للمستوطنين، ولكن المتبقي هو شرعنتها من الكنيست، ولكن هي ممارسة على الأرض".

غطاء قانوني للبؤر وتصاعد إرهاب المستوطنين

وتتزامن هذه الخطوة مع تصاعد كبير في اعتداءات وإرهاب المستوطنين، وصل إلى حد حصار منازل في منطقة رأس العين غرب قصرة في نابلس شمالي الضفة الغربية المحتلة، وتشير أصابع الاتهام إلى جيش الاحتلال بمساعدة المستوطنين في هجماتهم.

ويستبعد دراغمة أن تكون الشرطة الإسرائيلية قادرة، حتى لو أرادت على كبح جماح عنف المستوطنين، "لأن الجيش بعدد قواته الأكبر من الشرطة وعتاده الأكثر وانتشاره الأوسع، اشتكى منذ أيام من عدم قدرته على تلبية كل النداءات من أجل وقف عنف المستوطنين". ونقل الملف إلى الشرطة، في رأي دراغمة، سيعطي المستوطنين مساحة أوسع لارتكاب مزيد من عمليات العنف في الضفة، رغم حديث وزير الأمن عن مضاعفة عدد عناصر الشرطة إلى 3 آلاف.

ويؤكد دراغمة أن حكومة الاحتلال ماضية في كل ما لديها من مخططات في ملف الاستيطان، معتبراً أن خطوة كهذه لن تؤثر على خطة حكومة بنيامين نتنياهو في مجال شرعنة البؤر الاستيطانية، "بل على العكس ستعطيها دفعة للأمام، بوجه وغطاء قانوني في الضفة".

يؤكد دراغمة أن حكومة الاحتلال ماضية في كل ما لديها من مخططات في ملف الاستيطان

ويرى جمال جمعة أن هذا القرار جزء من عملية شرعنة الاستيطان والبؤر الاستيطانية، فاتباع المستوطنات والمستوطنين في ملف الأمن للشرطة يعني التعامل مع المستوطنات كأنها ضواحٍ في تل أبيب أو أي مدينة أخرى داخل أراضي الـ48. أما عن الأثر على هجمات المستوطنين، فلم يجزم جمعة، لأن "الأساس في التعامل مع عنف وإرهاب المستوطنين ليس الجهة التي تتعامل معه من جيش أو شرطة، بل القرار السياسي لكيفية التعامل معه"، فلربما، كما يرى، أن يتم الحد من الاعتداءات إلى حد ما أو تخفيفها من أجل أن يتم تهيئة الواقع لتقبل فرض السيادة على الضفة من خلال خطوة نقل الصلاحيات إلى الشرطة.

القراءة السياسية فلسطينياً: الضم الفعلي

على المستوى السياسي، تؤكد كل التصريحات الفلسطينية سواء من السلطة الفلسطينية أو الفصائل أو هيئة مقاومة الجدار والاستيطان على أن هذا القرار يعبر عن خطوة عملية للضم الفعلي، حتى لو لم يتم إعلانه على الأرض. ويعتبر الخبير بالاستيطان جمال جمعة أن الملف السياسي "هو المقصود أساساً من هذا القرار، وليس فعلاً المبررات الإسرائيلية، الهدف السياسي هو الأساس" كما يرى جمعة، "وإلا فإن جيش الاحتلال يستطيع عملياً التعامل مع المستوطنين، ويحل كافة القضايا المتعلقة بهم كأفراد"، لكنه يؤكد ان القضية سياسية محضة، من أجل فرض السيادة الإسرائيلية والضم في الضفة الغربية.

ويؤكد جمعة أن القرار "يعني إتباع الضفة الغربية مدنياً إلى وزارات الاحتلال، وهو جزء صارخ من عملية الضم، حيث كانت الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال طوال سنوات هي التي تحكم الضفة الغربية، وهي إدارة عسكرية"، مشيراً إلى أن تحويل هذه المهمة إلى شرطة الاحتلال هو "إتباع سياسي للضفة وإلغاء الوضع العسكري، وهو بمثابة خطوة هامة من خطوات الضم".

ويتفق دراغمة مع ذلك، مشيراً إلى أن القرار "ليس معزولاً، بل يأتي في سياق خطوات متتالية شملت نقل صلاحيات الآثار والبيئة والمياه لجهات مدنية إسرائيلية". ويخلص إلى أن حكومة الاحتلال تمارس الضم الفعلي للضفة الغربية بشكل تدريجي لفرض وقائع لا يمكن التراجع عنها، في انتظار ضوء أخضر من الإدارة الأميركية لتنفيذ عملية الضم بشكل رسمي وشامل.

فرصة لمواجهة القرار

ويرى جمال جمعة أن مهمة السلطة الفلسطينية مواجهة هذا القرار، لأنه في البدء اعتداء عليها وعلى أهم وظائفها ومبررات وجودها، قائلاً إن هناك إمكانية في حال توفر الإرادة لعمل شيء في مقابل هذه الخطوة، أهمها خلق ضجة على مستوى الأمم المتحدة والعالم وأوروبا والولايات المتحدة، وحتى الدول العربية بما في ذلك السعودية. ويضيف: "واضح تماماً أن هذا تقويض لصلاحيات السلطة، إذا استمرت حكومة الاحتلال في ذلك فستجد السلطة نفسها بأنه لم يعد هناك داعٍ لوجودها، بحيث يصبح كل شيء بيد سلطة الاحتلال".

يرى جمال جمعة أن مهمة السلطة الفلسطينية مواجهة هذا القرار الإسرائيلي

ويأتي هذا القرار والتحول بعد أن عقد وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، نقاشاً مع رئيس أركان الجيش إيال زامير ومسؤولين عسكريين آخرين، موجهاً بإعداد خطة لنقل كامل المسؤولية عن "إنفاذ القانون والنظام في القضايا المدنية" داخل مستوطنات الضفة الغربية المحتلة إلى الشرطة الإسرائيلية. وبرر كاتس هذه الخطوة بأنها تهدف إلى تعزيز "الحوكمة" وإتاحة المجال للجيش للتفرغ لمهامه الأساسية في "محاربة الإرهاب وحماية الحدود".