مائة يوم على عهد بايدن: رئاسة نشطة لدولة "مُنهكة"

مائة يوم على عهد بايدن: رئاسة نشطة لدولة "مُنهكة"

30 ابريل 2021
الصورة
عودة أميركا وإعادة بنائها شعارا سياسة بايدن (درو أنغرير/Getty)
+ الخط -


يُقال إن الحكم على أداء الرؤساء الأميركيين الجدد، بعد مضي مائة يوم من عهدهم، تقليد جاء صدفةً، حين اضطر الرئيس فرانكلين روزفلت، فور وصوله إلى البيت الأبيض في العام 1933، إلى مواجهة "الكساد الكبير" بسلسلة من القرارات التنفيذية "الارتجالية"، امتدت لمائة يوم، لإخراج الولايات المتحدة من الأزمة الاقتصادية والمصرفية وإعادة الرخاء إلى أمّة قلقة. منذ ذلك التاريخ، انسحب اختبار المائة يوم على الرؤساء اللاحقين، وصولاً إلى أكبرهم سنّاً لدى تبوئه السلطة، جو بايدن، ولكن ليس بالكثير من الارتجال، كما حصل منذ 90 عاماً.

ويُشّبه كثيرون الرئيس الديمقراطي الحالي، بروزفلت نفسه، لجهة التحديات التي كانت بانتظاره منذ أن فاز على دونالد ترامب في 3 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. وإذا كانت "الإيجابية" هي الكلمة الطاغية على أداء هذا السياسي الديمقراطي المخضرم، المبتعد كثيراً عن الضجيج والضوء، مقارنة بسلفه، خصوصاً لجهة استطلاعات الرأي الأميركية التي تؤكد حجم الرضا العام عن تعامله مع الأزمات الملحّة، وعلى رأسها وباء كورونا، فإن تشريح سياسة بايدن الداخلية والخارجية، تتفاوت النظرة إليها، بحجم المتغيرات الكثيرة والسريعة التي طرأت، منذ مغادرته البيت الأبيض، قبل 4 سنوات، حين كان نائباً لباراك أوباما. ويسري التفاوت، في الداخل، على الانقسام الكبير الحاصل، حيث بات لزاماً على أيّ رئيس إرضاء أطراف كثر، من التقدميين في الحزب الديمقراطي، إلى أقصى اليمين الذي يصف طروحات الحزب الأزرق بـ"الاشتراكية"، وفي الخارج، حيث أصبح للحلفاء، كما للخصوم، نظرة مختلفة في كيفية التعاطي مع أميركا العظمى.

يبلغ عهد جو بايدن، المائة يوم، برقم قياسي من القرارات التنفيذية

ويبلغ عهد جو بايدن، المائة يوم، برقم قياسي من القرارات التنفيذية (أكثر من 60)، وهو رقم لم يبلغه أيّ رئيس أميركي في العهد الحديث، أقلّه في الأشهر الثلاثة الأولى من حكمه. ويدّل ذلك على حجم الأولوية التي يبديها بايدن، للتراجع سريعاً عن قرارات كانت اتخذتها الإدارة السابقة، تشمل نواحي مختلفة، من العودة إلى الانخراط في المنظمات الدولية التي انسحب منها دونالد ترامب، والانقلاب على قرارات الأخير بفرض حظر على دخول مواطنين من دول مسلمة، وإنهاء السياسة المتشددة على الحدود، ووقف بناء الجدار مع المكسيك، وإلغاء مشروع خطّ أنابيب النفط "كيستون إكس إل"، وصولاً إلى مواجهة الأفعال "الخبيثة" لروسيا. إلا أن معظم القرارات التي صدرت بأوامر تنفيذية، لتجنب الكونغرس المنقسم، تدور في فلك كورونا، وهي الكارثة الصحية التي ورثها الرئيس بعدما خيّمت على العام الأخير من عهد ترامب، ولعبت دورها في إسقاطه في الانتخابات.

ترويج لإنجازات وهمية؟

هكذا، وتحت شعار "إعادة بناء أميركا بشكل أفضل"، يسير بايدن وفق خطّة مدروسة، لإعادة إنعاش اقتصاد الولايات المتحدة إثر أزمة كورونا، مستمداً الدفع القوي من نجاح حملة التلقيح للأميركيين التي قد تكون تخطت التوقعات، وتمرير خطة التحفيز الاقتصادي، مع مشروع اقتصادي طموح لتقديم تسهيلات أكبر للطبقة الوسطى، ولتقليص الفقر، وتأمين التعليم المجاني، وتحميل الأغنياء نفقات ذلك، عبر زيادة الضرائب عليهم، بالإضافة إلى اعتماد منهجية في الداخل، تتماشى مع مواجهة التغير المناخي.

وتتطلب العديد من خطط بايدن، الترويج لها في الكونغرس المنقسم، حيث يحظى الديمقراطيون بأغلبية غير مريحة، وتنتظرهم انتخابات نصفية صعبة بعد عامين. وفي خطاب المائة يوم، أول من أمس الأربعاء، عبّر بايدن أمام الكونغرس، عن رغبته في الإصلاح، وعرض خطته "مشروع من أجل العائلات الأميركية"، التي تبلغ قيمتها حوالي ألفي مليار دولار وينوي تمويلها من زيادة الضرائب، متحدثاً عن "دولة في أزمة" حين تولى السلطة. وقال إنه "بعد مائة يوم، أستطيع أن أقول للبلاد إن أميركا تمضي قدماً من جديد". كما دعا إلى تبني مشروع واسع لإصلاح الشرطة. أما على الجبهة الدبلوماسية، فأكد موقفه الحازم حيال بكين وموسكو، لكنه شدّد في الوقت ذاته على استعداده للحوار. وإذ لفت إلى أنه "لا يسعى للنزاع مع الصين"، أضاف أنه "مستعد للدفاع عن المصالح الأميركية في كلّ المجالات".

وللحصول على تأييد جمهوري، أبقى بايدن على سلسلة قرارات متعلقة بالقيود التجارية، لاسيما مع الصين، للحفاظ على مكتسبات العمّال الأميركيين. ويبقى كلّ ذلك، قيد الاختبار، على الرغم من تراجع البطالة، مقارنة مع العام الأخير من عهد ترامب، وعودة الوظائف، التي لم تبلغ بعد مستواها مقارنة مع الأعوام الأولى من عهد الأخير. وواجه بايدن، منذ أيامه الأولى في البيت الأبيض، أزمة تدفق المهاجرين على الحدود مع المكسيك، فيما تمسك بوقف بناء جدار ترامب المثير للجدل. وعلى الرغم من تسويقه لعهده، كمنطلق للحرب على العنصرية واللامساواة، وإعادة القوات الأميركية من حروبها الخارجية الطويلة، إلا أن فريقاً يتسع لدى الديمقراطيين، من الجناح التقدمي، لا يزال ينتظر منه الكثير على صعيد إصلاح الشرطة، وتقليص الفجوات بين الأميركيين، وقوانين العمال، ومحاربة العنصرية، وحلّ معضلة السلاح الفردي، وإنهاء الانخراط العسكري الأميركي والمكلف في الخارج.

عودة أميركا
ومن هذا الباب الأخير، أطلّت أولى إنجازات عهد بايدن الخارجية، في الأيام المائة من عهده، وأكثرها بعداً عن الالتباس، وحيث لم يكن الارتجال أبداً سيّد الموقف. وعلى غير ما كان متوقعاً، أقّله على صعيد خارجي، لعب الرئيس الأميركي بالكامل الورقة الداخلية، ورغبة الأميركيين الجامعة، لتمرير انسحاب كامل لقوات بلاده من إحدى أطول حروب الولايات المتحدة التي تخوضها مع حلفائها، في أفغانستان، عبر تأجيل بسيط حتى سبتمبر/أيلول المقبل، لخطة سلفه للانسحاب النهائي من هذا البلد، والتي كان ينوي تنفيذها بحلول مايو/أيار. وإذا كان هذا القرار يترك الباب مفتوحاً في أفغانستان، لتغيير موازين القوى داخل هذا البلد، وتأثير الدول المجاورة عليه، إلا أن دوافع بايدن جمعت بين متطلبات إرضاء شريحة واسعة من الأميركيين، تخطت محفزّات أحداث 11 سبتمبر 2001 لمحاربة الإرهاب، وبين ضرورة التفرغ للصين، الماضية في سياسة أكثر تنافسية، والتي ترى فيها الولايات المتحدة نقيضاً للنظام الليبرالي الحرّ الذي تريد العودة لقيادته.

مرّر بايدن انسحاباً كاملاً لقوات بلاده من إحدى أطول حروبها في الخارج

ويؤمن جو بايدن، المعروف بسياسته البراغماتية الواقعية، بأن الولايات المتحدة، قادرة على العودة لقيادة العالم "الديمقراطي". وينتظر ذلك اختبار لقائه بزعماء دول مجموعة السبع الكبرى، في يونيو/حزيران المقبل، في بريطانيا، ولكن أيضاً عزمه، كما أعلن فور تقلده منصبه، الدعوة إلى قمّة حول "الديمقراطية" في الصيف المقبل، وهي "الديمقراطية" التي أصيبت بخضّة كبيرة في عهد ترامب، وضربة قوية حين شاهد العالم بأسره حادثة اقتحام مقر الكونغرس الأميركي في 6 يناير/كانون الثاني الماضي، من قبل أنصار الأخير، في محاولة للانقلاب على نتائج الانتخابات. ويجادل خصوم الولايات المتحدة إثر الحادثة، بأن النموذج الأميركي أخفق في قيادة العالم والتعامل مع الأزمات العالمية، وهو ليس بالضرورة أيضاً النموذج الأنجح في داخل الدول.

ولهذا السبب، جعل بايدن من "عودة أميركا"، شعاراً لسياسته الخارجية، التي يقودها فريق محترف، عمل مع إدارة أوباما، لصياغة رؤية للسياسة الخارجية الأميركية في القرن الـ21. وبدت أولى بشائر العودة الأميركية، مع عودة قنوات الاتصال الأميركية مع الحلفاء، ومع حلف شمال الأطلسي، الذي أعيد تنشيط دوره، وكذلك في الملف النووي الإيراني، الذي يسود التفاؤل العودة الأميركية إليه بالتنسيق مع الأوروبيين.
لكن ذلك يأتي دون الإفراط في الكثير من الآمال، لاسيما مع الحلفاء الأوروبيين، الذين تأخرت مشورتهم في ما خصّ الانسحاب من أفغانستان، حيث استبدل التشاور للانسحاب بـ"التنسيق لانسحاب متزامن"، كما أن اختلافات غير هامشية، تطغى بين المقاربتين الأميركية والأوروبية، للتعاطي مع الصين، الشريك التجاري الأول لأوروبا، وكذلك مع روسيا، على الرغم من كمّ العقوبات المشتركة المتدفقة على نظام فلاديمير بوتين، خلال المائة يوم الأولى من عهد بايدن.

وعلى الرغم من تخفيف إدارة الأخير للكثير من القيود التي فرضها ترامب للتبادل التجاري مع الاتحاد الأوروبي، كبادرة حسن نيّة، بالإضافة إلى العودة عن قرار سحب الجنود الأميركيين من ألمانيا، إلا أن ملفي الصين وروسيا، لا يزالان ينتظران الكثير من المطبات الصعبة بين البلدين، ومنها ملف "سيل الشمال 2" لتدفق الغاز إلى أوروبا، والذي تتمسك به ألمانيا مع روسيا، على الرغم من الموانع الأميركية، والعقدة الأوكرانية التي عادت إلى الواجهة، ويوليها بايدن أهمية كبيرة. كما أن بعض دول الاتحاد الأوروبي ترغب برؤية سياسة أميركية أكثر تشدداً مع دول لها علاقة متوترة معها، كتركيا، وانخراط أميركي أكبر عسكرياً ومالياً في أفريقيا.

وعلاوة على ذلك، لا يزال شبح ترامب يظلّل العلاقة الأميركية مع الدول الحليفة التقليدية. ويقول مسؤول أوروبي كبير، لشبكة "سي أن أن"، في تقرير لها نشر أمس الأربعاء حول ملامح السياسة الخارجية لبايدن في الأيام المائة الأولى من عهده، إن "الأوروبيين لا يزالون قلقين من احتمال ترشح ترامب أو وزير خارجيته مايك بومبيو للرئاسة في العام 2024 والفوز بها، ما يعني إمكانية عودة الولايات المتحدة، لسياسة الانعزال". ويوضح المسؤول أنه "عوضاً عن العمل على إعادة العلاقة (مع واشنطن) إلى ما قبل عهد ترامب، فإن أولوية الاتحاد الأوروبي، هي بناء ما هو مقاوم أكثر للأوامر التنفيذية"، التي تقّر ثم تلغى مع تعاقب الرؤساء.

على الرغم من ذلك، فإن الشعور العام في بروكسل، كما يقول التقرير، "إيجابي"، إذ أن الدبلوماسيين الأوروبيين "سعيدون لأن بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن يردّان أقلّه على اتصالاتهم"، في إشارة إلى مدى التهميش الذي لاقوه في عهد ترامب. ويقول مسؤولون أميركيون آخرون، إنه خلال المائة يوم من عهد بايدن، "تمّ تنسيق العقوبات على روسيا"، مضيفاً أنه "حتى بالنسبة إلى إيران، وهي إحدى المسائل الأكثر تعقيداً، فإن الاتحاد الأوروبي واثق من أن اتفاقاً سيتم التوصل إليه في النهاية".

دبلوماسي أوروبي: واثقون من الوصول إلى اتفاق جديد مع إيران

وفيما يتحدث المسؤولون الأوروبيون عن سياسة أميركية خارجية "متقلبة" وغير واضحة إلى الآن، خلال المائة يوم من عهد بايدن، لاسيما أنهم واثقون من أن الأخير لن يحيد عن عزم سلفه "تدفيع" الأوروبيين ما يتوجب عليهم من نفقات لحلف شمال الأطلسي، والمنظومة الدفاعية المشتركة، تبدو السياسة الأميركية تجاه الصين الأكثر ثباتاً ووضوحاً، كالتحدي الأكبر الآني والمقبل للولايات المتحدة. هذا الاتجاه أظهره بايدن، من خلال أهم إنجاز له إلى الآن على هذا الصعيد في اختبار المائة يوم، وهو اجتماع قمة لدول تحالف "كواد" (اليابان وأستراليا والهند والولايات المتحدة) للمرة الأولى، في رسالة لبكين، تضاف إليه رسائل تايوان، ومنها دعوة هذا البلد، للمرة الأولى لحضور تنصيب الرئيس في البيت الأبيض، وإرسال وفد أميركي سياسي غير رسمي إلى تايوان، أو عبور مدمرة أميركية صاروخية موجهة عبر مضيق تايوان، في 4 فبراير/شباط الماضي، بعد أيام من التنصيب.

وفي ظلّ الأولوية الصينية، سعى الرئيس الأميركي، الذي يروج لتبدية الدبلوماسية، خلال الأيام المائة الأولى من عهده، إلى تنظيف "أدراج" البيت الأبيض، من ملفات خارجية عالقة، ومنها ملف التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية، عبر فرض العقوبات، وكذلك قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، في قنصلية بلاده في إسطنبول، والذي يتهم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بإصدار الأمر له، كما أكدت الاستخبارات الأميركية. وحاول بايدن، التمايز عن سلفه، وإبداء سياسة أقل حماسة تجاه ولي عهد المملكة، عبر التشديد على ملف حقوق الإنسان، وحيث تقود الدبلوماسية الأميركية جهوداً مكثفة خلف الكواليس، لإنهاء حرب اليمن، ووقف تسليحها، وهو ما كان بدأه بايدن من سحب أسماء حوثية من لائحة الإرهاب. وإذا كان ذلك يسري، بالتوازي مع مفاوضات الملف النووي الإيراني، فإن مقاربة الإدارة الأميركية للملف العراقي، تبدو مختلفة حتى الآن، حيث تميل إلى عهد جورج بوش الابن، من حيث الأهمية الاستراتيجية للوجود الأميركي العسكري والسياسي في هذا البلد.

وإذا كان رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي هو أول مسؤول عربي يتصل به بايدن بعد توليه السلطة، فإن الأخير تأخر كثيراً في الاتصال برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث يخيّم التوتر على البلدين، مقارنة بالامتيازات التي حظي بها اليمين الإسرائيلي في عهد ترامب. ويدور الخلاف، تحديداً خلال المائة بوم من عهد الرئيس الأميركي، حول الملف الإيراني، والدبلوماسية التي تقودها واشنطن للعودة إلى الاتفاق النووي، فيما كرّست "إنجازات ترامب" للانفتاح والتطبيع الإسرائيلي مع دول عربية، وبنود "صفقة القرن" لتصفية القضية الفلسطينية، أساساً لمقاربة أميركية مختلفة للملف، تبدو الإدارة الأميركية الديمقراطية، غير معنية حالياً بمراجعتها، على الرغم من قرارات رمزية بإعادة العلاقة مع منظمة التحرير، أو المساعدات لوكالة "أونروا".

خلال المائة يوم من عهده، يقول بايدن، في المراجعة الانتقالية لدليل الأمن القومي الأميركي، إن التحديات الحالية "مخيفة جداً"، لكن أميركا "ليست خائفة". ويرى مراقبون كثر، أن بايدن تمكن من تفادي "الزلّات أو الأخطاء القاتلة" التي قام بها العديد من أسلافه خلال المائة يوم الأولى من عهودهم. إلا أن تحديات كبرى لا تزال تنتظر الرئيس الأميركي، لاستعادة سمعة أميركا وتفوقها الاقتصادي والعسكري في الخارج، اللذين يقودان قاطرة النموذج الليبرالي الحرّ في العالم. وهي تحديات أثبتت هذه الأيام المائة، أن بايدن يقاربها كثيراً من منظور الداخل. 

المساهمون