ليندسي جيرمان لـ"العربي الجديد": إسرائيل منبوذة أكثر من أي وقت منذ تأسيسها

26 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 04:12 (توقيت القدس)
جيرمان خلال مسيرة داعمة لفلسطين، لندن، 18 يوليو 2026 (العربي الجديد)

اتفاقات أبراهام ماتت ولا يمكن إحياؤها

مخططات إسرائيل تشكل تهديداً للأنظمة العربية نفسها

تعامل السلطات البريطانية مع أعضاء "بالستاين أكشن" جنون

لا يوجد في بريطانيا، منظمة أكثر شعبية ومناهضة لخطط أميركا في الشرق الأوسط وحروبها في العالم من "تحالف أوقفوا الحرب". حتى قبل أن تباشر إسرائيل، بدعم غربي، حرب الإبادة على الفلسطينيين في غزة بعد طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، اعتبر التحالف فلسطين أهم قضاياه. وعندما قابلت ليندسي جيرمان، منسقة التحالف، في مقره بأقصى شمال لندن، لم أكن أتصور أنه من هذا المكان المتواضع، تنطلق منظمة تملأ الأسماع بالضجيج الشعبي الجارف المناهض لما يحدث في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما بعد السابع من أكتوبر 2023. فالمنطقة أشبه بـ"برميل بارود"، كما تحذّر ليندسي جيرمان، فالأوضاع في المنطقة "يمكن أن تُبقى تحت السيطرة لفترة، لكن ليس إلى الأبد"، والسبب الرئيسي، برأيها، هو الحربان، الإسرائيلية بدعم غربي على الفلسطينيين، والإسرائيلية الأميركية على إيران.

ودفعت حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة حملات الدفاع عن فلسطين إلى رأس أولويات التحالف. وكان هذا، وفق ليندسي جيرمان أحد إنجازاته وهو "ربط القضية الفلسطينية بالسياق الأوسع للسياسات الغربية والإسرائيلية في الشرق الأوسط" وما تصفه بـ"الإمبريالية الأميركية والبريطانية" التي أفسد فلسطينيو غزة مخططاتها المدعومة علناً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ترى ليندسي جيرمان أن "لدى ترامب كل أنواع الخطط لما سيفعله مع غزة والشرق الأوسط"، غير أنها لم تتحقق، فقد "حاول إجبار الفلسطينيين على الذهاب إلى مكان، لكنهم لا يريدون ذلك". وبسبب هذا الصمود، ترى جيرمان أن الفلسطينيين "يظلون تحدياً هائلاً للغاية" أمام خطط ترامب، وإسرائيل.

ليندسي جيرمان: إسرائيل الكبرى تهديد للأنظمة العربية

تلاحظ جيرمان أن المسؤولين الإسرائيليين يتحدثون بمختلف مستوياتهم عن مشروع "إسرائيل الكبرى"، الذي يؤيده ترامب ويروج له سفيره في تل أبيب مايك هاكابي ويطمح في الاستيلاء على أراضٍ من الدول العربية المجاورة وغير المجاورة لفلسطين. وتتنبه إلى أنه لم يصدر عن حكومات الدول العربية المُهدَّدَة بالمشروع موقف فعلي حاسم لأنها "ترتبط بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة وبريطانيا من خلال صفقات السلاح والمصالح الاقتصادية" الأمر الذي "يحد من قدرتها على تبني مواقف مستقلة تجاه إسرائيل"، على حد تعبيرها. ومع هذا، فإنها تعتبر أن المشروع وكل خطط ترامب لغزة "أدت إلى صدام مع الأنظمة المحلية هناك، لأنها تأخذ جزءاً من هذا البلد أو ذاك وتجبر الفلسطينيين على مغادرة أرضهم". وتعتقد جيرمان بأن مخططات إسرائيل "تشكل تهديداً للأنظمة العربية نفسها"، الأمر الذي يستوجب "تحركاً سياسياً واقتصادياً" لكبح توسع إسرائيل بـ"فرض مقاطعة دولية عليها بسبب ما ترتكبه" من جرائم. وكغيرها من رافضي جرائم إسرائيل وتواطؤ الغرب، بما فيه بريطانيا، معها، تستدعي جيرمان دائماً المقارنة بين إسرائيل وروسيا، مشيرة إلى أنه لو كانت دولة أخرى قد فعلت ما فعلته إسرائيل "لرأينا ردة فعل دولية واسعة، كما حدث مع روسيا بعد غزو أوكرانيا".

لماذا لا تتخذ الدول العربية، إذاً، موقفاً كهذا تجاه إسرائيل؟ تجيب ليندسي جيرمان إن "هذا الموقف لا يصدر عن حكام الشرق الأوسط، لأن الكثير منهم يرتبط بعلاقات وثيقة جداً مع دونالد ترامب، ومع بريطانيا وفرنسا والقوى الإمبريالية القديمة، وهذا ما يبقيهم ضمن هذا الإطار السياسي" الغربي ذي المعايير المزدوجة. تشبِّه ليندسي جيرمان قضية فلسطين، وموقف الحكام العرب منها بمشكلة "خدمة الصحة الوطنية" في بريطانيا، إذ ترى أن "الجميع (في الدول العربية) يدعم فلسطين غير أننا لا نرى تحركات حكومية قادرة فعلياً على مساعدة الفلسطينيين، أو نرى تحركات قليلة للغاية".

وتضيف أنه "عند النظر إلى الفلسطينيين في الأردن أو لبنان أو أي مكان آخر، نجد أنهم يُعاملون معاملة سيئة للغاية في المخيمات، ويُعتبرون مواطنين من الدرجة الثانية. وهذا هو الوضع القائم منذ خمسين عاماً، ويبدو لي أن هذا أحد الأسباب التي تجعل الناس لا ينتفضون، لا بسبب قضية فلسطين أو بسبب قضايا محلية تتعلق بظروف المعيشة والأجور".

ترى جيرمان أن أحوال المعيشة تلك تشبه إلى حد ما يحدث في بريطانيا، غير أن البريطانيين لم يلتزموا الصمت. والسبب، برأيها، هو أن "معارضة الحكومة هناك أصعب بكثير مما هي عليه هنا"، وهذا "يفسر إلى حد كبير سبب عدم حدوث المزيد من التحركات (من أجل فلسطين أو ضد المظالم الداخلية) في الشرق الأوسط".

ماذا فعلت بنا أميركا؟

تنظر جيرمان إلى العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران على أنه عامل إضافي يرسخ فشل إسرائيل وأميركا. حسب اعتقادها، فإن إيران "أثبتت أن أي مقاومة للولايات المتحدة تحظى بالفعل بصدى وتلقى قدراً من الدعم" في الشرق الأوسط. ورغم أنها ترى صعوبة بالغة في التنبؤ بدقة بما ستؤول إليه الأمور، فإنها تتوقع أن "نتيجة (الحرب) ستكون بلا شك اضطراباً وعدم استقرار بالغين".

تسوق منسقة "تحالف أوقفوا الحرب" حال "اتفاقات أبراهام" (التطبيع مع إسرائيل) شاهداً آخر على تأثير حرب غزة والحرب على إيران في إفشال مساعي أميركا لفرض وجود إسرائيل وطي صفحة القضية الفلسطينية. غير أن ليندسي جيرمان تؤكد أنه "لا شك في أن إيران أوقفت هذا الآن"، لأن "مساعي اتفاقات أبراهام ماتت فعلياً" وهي "ولا ترى أي إمكانية لإحيائها".
وأعادت تأكيد أن الفضل في هذه النهاية يعود إلى تصدي إيران للحرب العدوانية التي "جعلت من المستحيل" استمرار التطبيع. وتقول: "إن كنت في الحكومة في أي من هذه الدول، الإمارات، أو أي مكان آخر، ينبغي عليَّ أن أفكر فيما نحصل عليه من الأميركيين حقيقة". تستطرد داعية وقف الحروب الشهيرة قائلة: "ما يحدث هو أن أميركا شنت مع إسرائيل حرباً على إيران، فماذا كانت العاقبة؟ لم تستطع أميركا، رغم تفوق قوتها الجوية الهائلة، بل تفوقها في كل الجوانب العسكرية، هزيمة إيران".

فاشيون ويمين متطرف

وضع إسرائيل في العالم بعد جرائمها في الأراضي الفلسطينية يعزز موقف إيران ويضعف فرص إحياء مشروع التخلص من الفلسطينيين، كما ترى ليندسي. فهي دولة "باتت اليوم منبوذة أكثر من أي وقت مضى منذ تأسيسها، وتراجعت شعبيتها وزادت عزلتها"، حتى في الولايات المتحدة، التي هي تاريخياً الداعم الأقوى لإسرائيل "يتراجع هذا الدعم بشكل ملحوظ، حتى في أوساط اليهود، ولا سيما الشباب منهم".

ليس وضع إسرائيل أفضل حالاً في بريطانيا. ففي السابق كانت تلك الدولة، وفق الصورة التي رسمتها ليندسي جيرمان، تتمتع بتعاطف خاص من جانب اليساريين الذين رأوها دولة اشتراكية يسارية نوعاً ما بالنظر إلى التجمعات التعاونية الزراعية (الكيبوتسات)، ووطناً لليهود. وتتذكر ليندسي: "كان لدىّ أصدقاء يهود يرون فيها المكان المنشود"، و"كان معظمنا يميل إلى إسرائيل عندما اندلعت حرب عام 1967، لأننا نظرنا إليها كدولة صغيرة، ولأننا أدركنا حجم المعاناة المروعة التي مر بها اليهود، تساءلنا: لماذا يهاجمهم الناس مجدداً؟". هذا الحال تغير الآن، تضيف ليندسي جيرمان لأنه "باستثناء الصهاينة المتشددين للغاية والتيارات اليمينية المتطرفة - بمن فيهم الفاشيون واليمين المتطرف في هذا البلد (بريطانيا) - ترغب قلة قليلة جداً من الناس حقاً في الدفاع عن إسرائيل".

ومن بين الأسئلة التي تُطرح الآن بإلحاح أكثر من أي وقت مضى، خاصة بعد شن العدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران بذريعة منعها من امتلاك سلاح نووي، هو حسب منسقة التحالف: "لماذا التركيز على إيران؟"، فإسرائيل "تمتلك بالفعل أسلحة نووية، في حين أن إيران لا تزال بعيدة كل البعد عن امتلاك مثل هذه الأسلحة".

الحكومة البريطانية تشن حملة تضليل

عندما تولى آندي بيرنهام رئاسة الحكومة البريطانية، أعلن الالتزام بسياسة سلفه كير ستارمر تجاه الحرب غير المشروعة، بالسماح للجيش الأميركي باستخدام القواعد، داخل بريطانيا وخارجها، في شن هجمات يراها "دفاعية" على الأراضي الإيرانية. "هذا (الاستخدام) جزء من الحرب وليس دفاعاً عن النفس، ولا يحتاج الأمر إلى تفكير فيما إذا كان صائباً أو خاطئاً. فالقواعد تستخدم في شن عمليات هجومية" داخل إيران، كما تؤكد ليندسي جيرمان التي تعتقد أن ترويج الحكومة البريطانية للادعاء بأن استخدام القواعد هو "دفاعي" ليس سوى جزء من "حملة تضليل تُروج لأن البريطانيين رفضوا طلب ترامب" المشاركة في الحرب. لكن ليندسي جيرمان تؤكد أنهم "في الواقع لم يرفضوه، فقد سمحوا لترامب باستخدام قاعدة فيرفورد، وهي القاعدة الوحيدة في أوروبا القادرة على استيعاب وتشغيل قاذفات القنابل الضخمة بعيدة المدى من طراز بي 1 وبي 2 وبي 52". ليس هذا فقط، إذ تشير ليندسي جيرمان إلى أنه "من الواضح أيضاً أنهم (البريطانيون والأميركيون) يتعاونون في مجالات مثل تبادل المعلومات الاستخبارية وما شابه ذلك"، ما يشير إلى أن هذا يعكس "بعض ما يجري خلف الكواليس".

توقعت ليندسي جيرمان أن تظل حكومة بيرنهام تتجنب الحديث عن الإبادة الجماعية إذ لا تحبذ استخدام هذا المصطلح

تغيير غير متوقع

تم إنشاء "تحالف أوقفوا الحرب" في عام 2001 بهدف منع حرب العراق، وكان المحرك الرئيسي للتظاهرات المليونية التي عجّت بها شوارع لندن. غير أن التحالف، وكثيرين من مناهضي الحرب، لم يستطيعوا منع الغزو وجرّ توني بلير، رئيس الوزراء العمّالي الأسبق، بريطانيا لمشاركة أميركا فيه. فما جدوى التحالف إذاً؟

لم يكل التحالف طوال الخمس والعشرين سنة التالية في تنظيم الاحتجاجات المناهضة للحروب، خاصة حرب الإبادة الإسرائيلية على الفلسطينيين والعدوان الإسرائيلي الأميركي على إيران. وتعتقد جيرمان بأنه لولا التظاهرات المناهضة للحرب، لكانت بريطانيا وأميركا قد كررتا تجربة العراق. ورأت أن التحالف "نجح في تغيير نظرة الرأي العام البريطاني إلى الحروب"، لذلك "لم تعد بريطانيا قادرة منذ غزو العراق على تكرار نموذج الاحتلال العسكري المباشر"، كما أن التدخلات اللاحقة في ليبيا وسورية "اتخذت أشكالاً مختلفة نتيجة تصاعد المعارضة الشعبية".

ليندسي جيرمان: تجريم الاحتجاجات قد يدفع بعض الناشطين إلى تبنّي أساليب أكثر تصعيداً

وبالنسبة لفلسطين، ترجع ليندسي جيرمان إلى الضغوط الشعبية التي يمارسها التحالف، وغيره، الفضل في "دفع حزب العمال إلى تعديل بعض مواقفه تجاه فلسطين". وهي هنا تشير إلى فيديو بيرنهام الشهير عن غزة واعترافه بخطأ "العمال" في التعامل مع الحرب على القطاع في البداية، وإشارته إلى عزمه اتخاذ موقف "متوازن" مما يحدث في المنطقة. إلا أنها تقر بأن هذا لن يُحدث تغييراً جوهرياً في الخطاب أو السياسة التي تتبعها الحكومة البريطانية فهي "ستواصل تسليح إسرائيل والحفاظ على علاقات دبلوماسية معها". ورغم الضغوط المتصاعدة، فإن ليندسي جيرمان تتوقع أن "تظل (حكومة بيرنهام) تتجنب الحديث عن الإبادة الجماعية إذ لا تحبذ استخدام هذا المصطلح". وخلصت إلى التنبؤ بـ"مزيد من المحاولات للإقرار بأن إسرائيل ارتكبت بعض الممارسات السيئة، دون تغيير حقيقي في السياسة الجوهرية، نظراً لأن بريطانيا، في نهاية المطاف، ترتبط بعلاقات وثيقة للغاية مع إسرائيل".

ليندسي جيرمان: جنون حقيقي في بريطانيا

"تحالف أوقفوا الحرب" هو من أكثر المنظمات المؤيدة لفلسطين تضرراً من سلوك المؤسسة الحاكمة في بريطانيا تجاه الاحتجاجات المستمرة على الإبادة الإسرائيلية. فأمينه العام أليكس كيني ينتظر محاكمة جنائية باتهامات تتعلق بخرق مزعوم لشروط التظاهر من أجل فلسطين، كما ينتظر نائبه كريس ناينهام، نظر استئنافه (هو وبن جمال مدير حملة التضامن مع فلسطين) لحكم سابق أدانه بالتهمة نفسها، وهذا أمر "مثير للسخرية بكل معنى الكلمة"، حسب ليندسي جيرمان التي ترجع موقف المؤسسة الحاكمة إلى "مدى خوفهم" من تأثير الاحتجاجات. وتضيف دليلاً آخر على هذا الخوف وهو "مستوى الاعتقالات الهائل غير المسبوق ذي الصلة بفلسطين منذ 25 عاماً".

"لقد أصبح لدينا الآن سجناء سياسيون"، تقول جيرمان بنبرة مرارة واضحة. زادت النبرة مرارة عندما سألتها عن حركة "بالستاين أكشن" وأعضائها المعتقلين رهن التحقيقات أو هؤلاء الذين حوكموا بتهمة ارتكاب أفعال جنائية، لكن القاضي حكم عليهم، بالمخالفة للقانون، بأحكام منصوص عليها في قوانين الإرهاب التي لم يحاكموا بموجبها.

"أنظر إلى كل أولئك الأشخاص الذين يتعرضون للاعتقال، فالكثير منهم متقاعدون من قطاع التكنولوجيا، وأطباء ومحامون يتمتعون بمكانة مرموقة، وأشخاص لم يرتكبوا أي جريمة طوال حياتهم. إنهم جميعا يُعاملون كمجرمين لمجرد دعمهم القضية الفلسطينية"، تقول ليندسي، معتبرة كل هذا "جنوناً بكل معنى الكلمة". وحذّرت من أن تجريم الاحتجاجات قد يدفع بعض الناشطين إلى تبني أساليب أكثر تصعيداً مثل "العمل المباشر" لوقف الإبادة، ومن أن التاريخ لن ينسى. وقالت: "كن على يقين بأنه سيتم النظر في هذا الأمر في السنوات المقبلة، وسيقول الناس إنه كان إجحافاً تاماً بالعدالة".

وتبقى أولوية التحالف الآن الاستمرار في بناء حركة جماهيرية واسعة، تضم النقابات العمالية ومختلف فئات المجتمع، لأن التظاهرات الكبرى، بحسب تقديرها، كانت العامل الأساسي في زيادة الوعي الشعبي بالقضية الفلسطينية، وفي دفع حزب العمال إلى مراجعة بعض مواقفه.