ليس لتهجيرهم فحسب.. هكذا تستغل جهات إسرائيلية معاناة الفلسطينين لسرقة أموالهم

07 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 13:02 (توقيت القدس)
طفل وسط الأنقاض في حي تل الهوى بمدينة غزة، 28 نوفمبر 2025 (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يروي "م" من غزة محاولته الهروب بسبب الحرب، حيث لجأ إلى جهات مثل "المجد أوروبا" و"Gaza life" التي تطلب مبالغ كبيرة بطرق مشبوهة.
- بعد التسجيل، طُلب من "م" دفع 2500 دولار عبر العملات الرقمية، مما أثار الشكوك حول مصداقية هذه الجهات، خاصة مع تغير الأسماء والجهات.
- اكتشف "م" أن الوثائق مزيفة وأنه ضحية احتيال يستغل معاناة الفلسطينيين، مما يعكس استغلال الاحتلال لمعاناتهم للربح غير المشروع.

لفهم آلية إخراج الفلسطينيين من غزة، وكيف يتواصلون مع جمعية "المجد أوروبا"، وغيرها من الجمعيات التي تحيط بها شبهات الاتجار بالفلسطينيين وتهجيرهم من غزة، وحتّى سرقة أموالهم عبر استغلال معاناتهم، من خلال انخراط جهات إسرائيلية، على رأسها وزارة الأمن، ومديرية "الهجرة الطوعية" المتفرعة عنها، تواصل "العربي الجديد" مع أحد الفلسطينيين الذي خاض بنفسه تجربة المحاولة.

في حديثه، يشرح "م" (فضل عدم الكشف عن هويته) أنه "حاول البحث عن طريقٍ للنجاة، حالي كحال أي فلسطيني من غزة أرهقته الحرب وآلة القتل الإسرائيلية. وخلال بحثنا، ومعي أصدقاء وجيران وأقارب، عن منفذ نخرج عبره من غزة، بدأنا نسمع تجارب أشخاصٍ تمكّنوا من السفر. بعد كل محاولات البحث والتعرّف على الآليات، لم يفدنا أحد بأيّة معلومة، وبدأنا نفقد الأمل".

"م" (في الثلاثينيات من عمره) كان قد نزح مع عائلته عشرات المرّات أملاً في النجاة من أهوال الإبادة. وفي كل مرّة كانت آلة القتل الإسرائيلية تحصد روحاً عزيزة عليه. ككثرٍ في غزة، يعتبر القطاع ملاذه الآمن، وموطناً "لا يمكن استبداله بالذهب"، لكن الحرب حوّلت حياة الغزّيين إلى جحيم يعجز أي إنسان عن تحمّله. وهكذا، ظل يبحث مرغماً عن مخرج يُنقذ به أطفاله، آملاً أن يجد لهم مكاناً آمناً خارج القطاع الذي يعز عليه تركه.

بحسب ما يشرح، فإنه بعد بحث ومعاناة، "فجأة، ومن دون سابق إنذار، بدأنا نصادف إعلانات مموّلة، خصوصاً على موقع فيسبوك. بل صار أصدقاء وجيران نتقاسم معهم العالم الافتراضي يرشحون لنا جهات تنسيق خروج، مثل الصليب الأحمر عبر تحويلة طبية، أو عبر مؤسسة Gaza life، أو مؤسسة المجد أوروبا، أو عبر منحة تعليمية وغيرها من الطرق".

الصورة
صور مزورة لمؤسسة غزة لايف أرسلتها لفلسطينيين بهدف الاحتيال عليهم
صور أرسلتها مؤسسة "غزة لايف" لفلسطينيين بغزة مدعية أنها كشوفات أسماء الراغبين في السفر تظهر تزويرا لأختام إسرائيلية (العربي الجديد)

واللافت، كما يتابع "م": "كان هناك أشخاص قالوا لنا "تواصلوا مع المنسق الإسرائيلي مباشرة، أو ابعثوا برسالة للمتحدث باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي"، بهدف التسجيل من خلالهما؛ على أمل أن نتمكّن من إيجاد طريقة للخروج من بحر الدم".

الصورة
صور مزورة لمؤسسة غزة لايف أرسلتها لفلسطينيين بغزة بهدف الاحتيال
صور أرسلتها مؤسسة "غزة لايف" لفلسطينيين بغزة مدعية أنها كشوفات أسماء الراغبين في السفر تظهر تزويرا لأختام إسرائيلية (العربي الجديد)

وبحسب شهادته، فقد تسجّل "م"، ومعه أصدقاء آخرون، في مؤسسة "المجد أوروبا"، وعقب التسجيل "طلبوا من كل واحد منّا مبلغاً قدرة 2500 دولار أميركي. شرحوا أن هذا المبلغ هو ثمن تذكرة الطيران وحجز فندقي لمدة شهر ينبغي دفعها بعد الحصول على موافقة أمنية من المخابرات الإسرائيلية". أمّا ما يخص طريقة الدفع فهي "فقط عبر محفظة عملات رقمية (USDT)". وتثير قضية محفظة العملات الرقمية الشبهة، لأن المؤسسات الحقوقية والجمعيات الإنسانية الموثوقة عادةً ما يكون لديها حسابات بنكية موثّقة، ولا تعتمد طرقاً ملتوية تُصعّب عملية تتبع حركية الأموال.

ورداً على استفسار بشأن الجهة التي كان "م" وأصدقاؤه يتحدثون معها، وهوية الرقم، أجاب أن "التواصل كان عبر تطبيق واتساب. في البداية كان الرقم يدّعي أن اسمه "مؤيد صيدم"، وأنه فلسطيني من غزة، سبق له أن سافر في رحلة كهذه. يعني أننا كنا نتحدث مع رقم إسرائيلي على واتساب يحمل اسم مؤيد صيدم، ولكن لم يمضِ وقت على ذلك حتّى تغيّر الاسم في جهة الاتصال من مؤيد إلى al Majd Europe، ولكن الأخيرين كانوا يتأخرون بالرد، ففقدنا الأمل".

بعد ذلك، يضيف "م": "سجّلنا في مؤسسة أخرى تُدعى Gaza life، التي صارت حديث الشارع الغزي كله". هذه المؤسسة "كانت عبارة عن موقع نسجل أسماءنا كراغبين في السفر من خلاله، ومن ثم يحيلوننا على أرقام في تطبيق واتساب مباشرة. بعد ذلك طلبوا منّا أن نرسل صورة عن الهوية مع المرفق (الذي يُدرج فيه أفراد العائلة، والمهنة وإلخ)، وذلك لكي يفحصوا أسماءنا أمنياً، وبناءً على الفحص الأمني (الذي تقوم به المخابرات الإسرائيلية حصراً) يبلغوننا إن كان بإمكاننا السفر أم لا".

ويتابع: "بالفعل رأينا- من خلال أشخاص آخرين سجّلوا للسفر- كشوفات موثقة من الجانب الإسرائيلي. في هذه الكشوفات ظهرت أسماء عائلات بأكملها (أطفال ونساء وآباء).. بعد ذلك أبلغونا بأن موعد السفر سيكون أول شهر سبتمبر/ أيلول (الماضي)". ويضيف: "سجّلت أنا وأصدقائي، وبالفعل أتى الرد سريعاً من الجمعية بأن ثمة موافقة على سفرنا بعد المسح الأمني".

وأكد "م": "قُبلت عملياً أنا وصديقان، أحدهما قبلوا كل عائلته باستثناء زوجته، بذريعة أن شقيقها في حركة حماس- وهذا أمر لا يمكن لجهة معرفته سوى الاستخبارات الإسرائيلية، ما يعني أننا كنّا نتحدث إما مع المخابرات، وإما مع جهة على صلة مباشرة بها على أقل تقدير. ثم أرسلوا لنا كشف سفر يحمل أسماءنا، وعندها قلنا إن الفرج قد أتى".

وبشأن باقي مراحل العملية، يسرد "م": "أخبرونا أن السفر سيكون من خلال مطار رامون في إيلات، زاعمين أنه سيجري بالتنسيق مع الصليب الأحمر؛ حيث قالوا لنا "جهزّوا أنفسكم. في أي لحظة قد نحدد نقطة الانطلاق"". وبالفعل، كما يضيف، "تواصلوا معنا بعد أيام لكي ندفع مبلغ تأمين مسترد عند الوصول إلى الجانب الإسرائيلي لتأكيد جدية الطلب. أنا غامرت، وقلت بيني وبين ذاتي سأدفع ثمن حياتي ولو شو ما كان (..) وعنذئذ أرسلوا لي محفظة USDT لكي أدفع عبرها مبلغ 2000 دولار. وبالفعل دفعت المبلغ وبقيت على تواصل معهم.. مرةً كانوا يطلبون أرقاماً للتواصل، ومرّة عنواناً مفصلاً مع وعودات باقتراب موعد السفر، إلى أن أتى موعد السفر المحدد يوم 5 سبتمبر/ أيلول الماضي، فطلبو مني مبلغ 700 دولار لحجز تذكرة الطيران. أخبرتهم أنني سأحجز بنفسي، لكنهم رفضوا، وقالوا إن الحجز يتم من خلالهم حصراً، فقلت لهم بكل بساطة يمكنكم اقتطاع الـ700 دولار من مبلغ التأمين الذي قلتم إنني سأستردّه عند عبوري للجانب الإسرائيلي، فرفضوا. هنا انتهى حلمي؛ إذ حظروني على تطبيق واتساب، وانتهت فرصة النجاة".

حتّى بعد حظر "م"، ظل يحاول التواصل مع أرقام أخرى تخص هذه الجهة، و"بعد جهد جهيد، وعندما حظرتني أرقام كثيرة تخصّهم، أرسل إلي رقم ما نموذج (فورم) يمكن لأي هاوي إنترنت ومبتدئ إعداده، وطلبوا تحويل المبلغ من بطاقة ائتمانية".

اللافت أن تجربة "م" كانت مختلفة عن أصدقائه، رغم أنها كانت عبر التواصل مع الأرقام وجهات الاتصال ذاتها على واتساب، وهي الجهات نفسها التي تواصل معها أيضاً أصدقاؤه الذين قُبلوا للسفر؛ إذ كما يشرح لـ"العربي الجديد"، فإن "صديقي الأول أخبروه بأن السفر مجانيٌّ وليس عليه دفع أي مبلغ. أمّا صديقي الآخر فوصله كشف السفر الذي ضم اسمه واسم عائلته، ولكنهم كانوا قد طلبوا منه مبلغاً أكبر من الذي دفعته أنا. وعندما فتحنا ملف الكشوفات تبيّن لنا أن الرقم التسلسي مختلف وتنقصه أرقام معيّنة، فقررنا أن نفحص تفاصيل الكشوفات والتواقيع والأختام التي حملت اسم وزارة الأمن الإسرائيلية وشعارها، ليتبيّن لنا أن جميعها مزيفة وموجودة على الإنترنت للتحميل المجاني، وأي أحد بإمكانه تحميلها وصياغة كشوفات كهذه. وهنا كانت الصدمة الكبيرة؛ حيث تبيّن أن هذه الجهات تستغل معاناتنا أيضاً ليس للتسفير فحسب، وإنما أيضاً لسرقة أموالنا".

قصة "م" التي شاركها مع "العربي الجديد" مثلها مثل قصص فلسطينيين كُثر ربما بقيت طي الكتمان. بعضهم ربما نجحوا في السفر، وإن كانوا على علم بأن معاناتهم التي صنعها الاحتلال بنفسه، تُستغل في إطار تهجيرهم الممنهج، وبعضهم سُرقت أمواله من دون أن يفلح في الفكاك من الجحيم. واللافت أنه إن كان الاحتلال يرغب فعلياً في تهجير الفلسطينيين، كما يعلن صراحة على لسان مسؤوليه السياسيين والعسكريين، الذين يطمحون إلى إقامة المستوطنات على أنقاض الفلسطينيين، فلماذا إذاً يسرق أموالهم، ولا يقوم في كل الحالات بتسفيرهم كما حدث مع "م"؟.

يجيب "م" عن السؤال بأن معاناة الفلسطينيين لا تُستغل فقط لتهجيرهم كما نجح الاحتلال مرّات عدّة، وإنما "تُستغل أيضاً للسرقة والاتجار بهم"، غير مستبعدٍ أن تكون الجهات التي تواصل معها "جنوداً في جيش الاحتلال أو عناصر استخبارات إسرائيليين"، فهؤلاء "كما ثبت ووُثِّق سرقوا خلال الحرب بيوت الفلسطينيين وأموالهم وأملاكهم، ومعاناتنا التي صنعوها بالإجرام باتت فرصة بالنسبة لهم الآن للإمعان في ذلك أكثر".

المساهمون