ليبيا: هل كشفت تظاهرات تفويض حفتر عن تصدّع في معسكر شرق البلاد؟

30 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:18 (توقيت القدس)
صورة حفتر في بنغازي، 31 مارس 2025 (عبد الله دومة/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت مدن شرق ليبيا تظاهرات محدودة تطالب بتفويض اللواء خليفة حفتر لرئاسة البلاد، مما أبرز الانقسامات داخل السلطة في الشرق الليبي.
- دعا رئيس مجلس النواب عقيلة صالح لإجراء انتخابات رئاسية، بينما طالب نائبه مصباح دوما بانتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، مما يعكس تباين الرؤى داخل المجلس.
- الخلافات تعكس أزمة نفوذ داخل معسكر حفتر، حيث استغل عقيلة صالح التظاهرات لإعادة الأمور إلى ملعب القانون، وسط تنافس دولي بين موسكو وواشنطن في المشهد الليبي.

تراجع صدى التظاهرات التي خرجت خافتة في عدد من مدن شرق ليبيا، للمطالبة بتفويض اللواء خليفة حفتر لرئاسة البلاد، في وقت كشفت فيه المواقف والتفاصيل عن عمق الصدع داخل بنية السلطة في الشرق، من جهة شكل خطابات ورؤى البيانات والمواقف التي صدرت عنها. وخلال خروج العشرات من أنصار حفتر، مساء الجمعة الماضي، في بنغازي وطبرق والمرج وأجدابيا والبيضاء، معلنين تفويضهم حفتر لرئاسة البلاد، أصدر رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بياناً، دعا فيه المفوضية الوطنية للانتخابات إلى "العمل الفوري على إجراء انتخابات رئاسية في أقرب وقت ممكن"، معتبراً أن هذه الدعوة تتسق "مع الحراك الذي شهدته الشوارع".

وأشار صالح إلى أن مجلس النواب أصدر قانون انتخاب الرئيس، وأحاله رسمياً إلى المفوضية للبدء في تنفيذه واتخاذ ما يلزم من إجراءات، في إشارة إلى القوانين الانتخابية التي أصدرها مجلس النواب بشكل أحادي في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2022.

وفيما حصر صالح دعوته في الانتخابات الرئاسية فقط، رغم أن القوانين الانتخابية التي استند إليها نصت صراحة على إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بالتزامن، أعقبه نائبه في رئاسة مجلس النواب مصباح دوما ببيان منفصل طالب فيه بـ"الإسراع في إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية"، ودعا المفوضية إلى إجراء الانتخابات "وفق قانون انتخاب رئيس الدولة وقانون انتخاب مجلس النواب".

وليل السبت خرج بيان ثالث عن الناطق الرسمي باسم مجلس النواب عبد الله بليحق، المعروف بقربه من كتلة صالح، أعلن فيه أن "نواب إقليم برقة" يدعمون "ما جاء في بيان" صالح، وأن على المفوضية "العمل الفوري على تنفيذ القانون الخاص بانتخاب رئيس البلاد في أقرب وقت ممكن"، مضيفاً أنهم "في حال إطالة إجراء انتخابات رئاسية"، سيلجؤون إلى "تعديل القوانين والتعديلات الدستورية كافة من أجل تنفيذ هذا الاستحقاق".

وجاءت التظاهرات في شرق البلاد بعد نحو أسبوع من دعوات وجهها نشطاء وقياديون قبليون إلى المواطنين للخروج فيما أسموه بـ"جمعة التفويض" لحفتر لرئاسة البلاد، إلا أن التغطية الإعلامية المقرّبة من حفتر أظهرت تجمعات محدودة العدد لا تتجاوز العشرات، بالرغم من محاولات نشرها زوايا لمشاهد التظاهرات لإعطائها زخماً أكبر، كما كان لافتاً انحصار هذه التظاهرات في شرق البلاد، دوناً عن الجنوب والغرب الذي استقبل حفتر فيه شخصيات قبلية موالية له خلال اجتماعاته التي استغرقت شهرين.

وخلال أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، ونوفمبر/ تشرين الثاني الجاري أجرى حفتر جولة من اللقاءات القبلية شملت شخصيات من الجنوب والشرق والغرب، في محاولة لحشد مظلة اجتماعية مؤيدة له لتمنحه غطاء سياسياً عابراً للمناطق. ودعا حفتر، خلال تلك اللقاءات، الليبيين إلى التحرك "لتقرير مصير البلاد وانتزاع الحقوق"، متعهداً بأن قواته ستكون حاضرة "لحماية أي حراك" تدعمه القبائل، في سعي واضح إلى انتزاع الشرعية الاجتماعية قبل السياسية، وترسيخ موقعه بوصفه خياراً مطروحاً بقوة في معادلة الحكم.

اختلافات

وأكد مصدر برلماني لـ"العربي الجديد"، وجود خلافات داخل رئاسة مجلس النواب كانت السبب وراء "اختلاف الصياغة" بين بياني صالح ودومة، مقراً بأن الخلافات بين صالح ونائبه مصباح دومة تصاعدت منذ أكثر من شهرين إلى حد التحشيد لإزاحة صالح من منصبه، لكن المصدر في الوقت ذاته يفصل بين الخلاف داخل مجلس النواب وبين "غضب" داخل "القيادة العامة" لحفتر، إذ لم تتحقق الكثافة في التظاهرات الشعبية التي كان يصبو إليها اللواء الليبي.

 ولفت إلى أن خالد حفتر هو من تولى قيادة حملة التفويض لوالده نحو الرئاسة، وأنه حاول تعويض مشهد التراجع بدعوة جديدة مساء أمس السبت، لكنه فشل مرة أخرى، حيث لم يتجاوز الحضور سوى العشرات أمام نواد رياضية في أجدابيا ودرنة.

"اصطفافات متباينة"

وبخلاف ما أوضحه المصدر، يؤكد جمعة شليبك، ناشط حزبي، على الارتباط بين ما يصفه "فشل حفتر في توظيف الشارع الذي لم ينكشف في الشرق وحده، بل في الغرب والجنوب أيضا اللذين غاب فيهما أي تحشيد شعبي"، وبين بيانات مجلس النواب التي يراها تعبر عن "أزمة نفوذ داخل معسكر حفتر، وتناقض البيانات ليس اختلافاً في الصياغة، بل نتاج اصطفافات متباينة".

وفيما يعتبر شليبك في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن الخلاف بين صالح وحفتر "قديم وليس جديداً"، إلا أنه يرى أن صالح "استغل لحظة الخروج المحدود للتظاهرات ليبعث رسالة سياسية لحفتر"، مشيراً إلى أن صالح عندما طالب بانتخابات رئاسية" فهو قد أغلق الباب في الوقت نفسه أمام التفويض الشعبي لحفتر، وأعاد كل شيء إلى ملعب القانون، خاصة أن التفويض الشعبي لا يحمل سنداً تشريعياً، فأحال الموضوع إلى القوانين التي أصدرها المجلس نفسه.

ويضيف الناشط الليبي، أن صالح عندما اتكأ على هذه القوانين "كان يدرك أنها تتضمن شروطاً مانعة تعوق ترشح حفتر للانتخابات الرئاسية، كونه عسكرياً ويحمل جنسية أجنبية، فهو قدم دعماً شكلياً لطموح حفتر، لكنه في العمق قيّده بقوانين يعلم أنها لا تضمن له المرور، فظهر بيانه وكأنه يقول إن الطريق القانوني للرئاسة غير ممكن إلا وفق مقاسات لا تسمح بالمرور إلا لمن يرغبه".

صالح عندما اتكأ على هذه القوانين "كان يدرك أنها تتضمن شروطاً مانعة تعوق ترشح حفتر للانتخابات الرئاسية

ويستمر شليبك في قراءته، بالقول إن الرد جاء سريعاً من جانب حفتر، وتحديداً من دومة الذي يجلس نائباً لصالح بدعم من أولاد حفتر، فبيان دومة يحمل رسالة هو الآخر، عندما دعا إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية "فهو يريد القول إن القوانين نفسها اشترط فيها صالح التزامن في إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية أيضاً، ونتائجها ستعيد خلق مجلس نواب جديد، وبالتالي فهو يذّكر صالح بأن القوانين الانتخابية ستضع مقعد سلطته هو أيضاً في مهب التغيير". واعتبر أن بيان بليحق، وإن كان يمثل "حلقة ثالثة في السجال، لكنه جاء كرد ليقول لحفتر إن مفتاح شرعيتك هو إقليم برقة، الذي لا ينتمي إليه في الحقيقة".

وفي الوقت الذي يرى فيه شليبك أن بيئة السلطة في شرق البلاد باتت مهددة بتوسع الخلافات وتفجرها، يقدم موسى أمجار، أستاذ العلوم السياسية، قراءة مغايرة، إذ يرى أن الحراك الحاصل في الشرق قد يكون مدفوعاً "بسباق مبكر على شكل السلطة العليا أكثر منه على منصب بعينه"، فحفتر "هو الحاكم الفعلي لمساحات واسعة في شرق وجنوب ليبيا، وهو لا يحتاج لهذا العناء لتثبيت أنه الحاكم الفعلي".

تموضع جديد

وفي حديثه لـ"العربي الجديد"، يرى أمجار أن تحركات التفويض تعكس "تموضعاً جديداً ضمن معادلات التنافس الدولي، وإلا لماذا استبقت طرابلس هذه المرة خطوة حفتر، وأعلنت قبل أيام هيئة الرئاسات، فحفتر سعى في السابق أيضاً للحصول على تفويض"، وهذا التزامن، كما يقول أمجار، لا يعكس جدلاً محلياً فقط، بل "تفاعلاً مع واقع سياسي جديد يتدخل فيه أكثر من لاعب دولي".

ويعتبر أستاذ العلوم السياسية أن البعد الدولي كان "حاضراً في التظاهرات وكان هناك صدى له"، محدداً الفاعل الدولي بـ"موسكو التي تخدمها سياسة خلط الأوراق بعد أن صار المسار الأممي واقعاً مدعوماً علناً من واشنطن وعشر دول في بيان خارجي صدر قبل أيام"، في إشارة إلى بيان أصدرته الخميس الماضي الدول العشر المعنية بالملف الليبي للتأكيد على دعمها للخريطة الأممية، ودعوتها الأطراف الليبية إلى الانخراط فيها.

ويستشهد أمجار بتصدر خالد حفتر في إدارة وتنظيم كل اللقاءات القبلية التي استضافها في المدينة العسكرية التي بناها في بنغازي لتكون معقلاً له، مشيراً كذلك إلى أن معسكر الرجمة بات مركز نفوذ شقيقه صدام، موضحاً أن "تموضع خالد المعروف بقربه من روسيا يقابل تموضع صدام المعروف بدور أقرب لمساعي واشنطن التي رعت بينها وبين حكومة الوحدة الوطنية اتصالات لا تخدم المصالح الروسية"، وبالتالي فهو يرى أن الحراك في شرق البلاد لا يعكس "تنافس أجنحة محلية فقط، بل تنافس عواصم تضخ رهانها داخل منظومة النفوذ الشرقي".

ويستدل أمجار بتوحد موقف صالح وحفتر في رفضهما الخريطة الأممية "لأن هدفهما المشترك هو منع التغيير المقبل الذي قد لن يجدا فيه حظوظاً قوية، لذلك طالب صالح في بيانه بتنفيذ القوانين الانتخابية التي يعلم أنها غير قابلة للتنفيذ، فالصراع ليس على الانتخابات، بل على قواعد تشكيل الخريطة السياسية المقبلة، وهذا لن يكون إلا بالإبقاء على القوانين ورقة للتعطيل والتفاوض لتحفظ لهما موقعاً قوياً في أي تحول قادم".