ليبيا: المنفي والدبيبة وتكالة يعلنون تأسيس "الهيئة العليا للرئاسات"
استمع إلى الملخص
- واجهت الهيئة انتقادات من الحكومة المكلفة من مجلس النواب، التي اعتبرت الخطوة غير دستورية وتجاوزاً لصلاحيات السلطة التشريعية، ووصفتها بأنها محاولة لخلق كيان موازٍ للسلطات القائمة.
- تشكيل الهيئة يأتي في سياق سياسي معقد في ليبيا، حيث تعثرت خريطة الطريق السياسية للبعثة الأممية نحو الانتخابات، وسط تصاعد التوتر بين مراكز القوى المتنافسة.
أعلنت رئاسات المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة وحكومة الوحدة الوطنية، اليوم الخميس، تأسيس "الهيئة العليا للرئاسات" لتكون إطاراً لتنسيق العمل بين الجهات الثلاث بهدف توحيد القرار الوطني في الملفات السيادية والاستراتيجية وتعزيز الانسجام بين المؤسسات التنفيذية والاستشارية. جاء ذلك عقب اجتماع اليوم الخميس بالعاصمة طرابلس ضم رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية بطرابلس.
واعتبر المجلس الرئاسي في بيان له أن الهيئة الجديدة تمثل "إطاراً تنسيقياً يشكل السلطة السيادية العليا"، وأنها تأتي "في سياق مقاربة وطنية مشتركة تهدف إلى توحيد القرار الوطني في الملفات الاستراتيجية وتعزيز الانسجام المؤسسي بين السلطات". وأوضح المجلس الرئاسي أن الهيئة ستعمل على "تطوير منهجية موحدة لصنع القرار الوطني، وتنسيق المواقف الرسمية في القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية، وبلورة سياسات مشتركة تحفظ سيادة ليبيا ووحدة أراضيها واستقرارها دون استحداث أي كيان إضافي أو أعباء هيكلية"، مؤكداً أن تأسيس الهيئة يمثل "استجابة لمتطلبات المرحلة الراهنة والتزاماً بتجاوز الانقسامات"، داعياً المؤسسات السيادية الأخرى إلى الانضمام إلى هذا المسار.
ومن جهته، اعتبر المجلس الأعلى للدولة أن تأسيس الهيئة جاء ليكون "جسماً تنسيقياً يجمع القيادات الثلاث، ويُعنى بوضع منهجية موحدة لصنع القرار الوطني، ومعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، وتنسيق المواقف في الملفات التي تتطلب خطاباً رسمياً واحداً يحافظ على سيادة ليبيا ووحدة أراضيها، ويصون السلم الأهلي، ويحمي الموارد والاقتصاد الوطني". وعلى الجانب الحكومي، أوضحت حكومة الوحدة الوطنية في بيان لها أن الهيئة ستعقد "اجتماعات دورية وطارئة لتحديد المواقف المشتركة وتوحيد السياسات الرسمية للدولة الليبية"، وكذلك "تعزيز التنسيق بين المؤسسات دون إنشاء أي كيان جديد أو أعباء هيكلية".
ويشكل المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية السلطة التنفيذية المنبثقة من اتفاق جنيف 2021 الذي انبثق من ملتقى الحوار السياسي، بوصفها سلطة منوطاً بها تمهيد الطريق نحو إجراء الانتخابات التي تعثر تنفيذها نهاية ذات العام، فيما قرر مجلس النواب سحب الثقة من الحكومة عام 2021 وتكليف بديلة لها في فبراير/ شباط من العام التالي، قبل أن يدخل المجلس الرئاسي في مناكفات وخصومات مع مجلس النواب الذي قرر أيضاً في أغسطس/ آب العام الماضي اعتباره منتهي الولاية لانتهاء آجال اتفاق جنيف، إلا أن المجلس الرئاسي والحكومة استمرا في مهامهما بدعم من المجلس الأعلى للدولة الذي شكل واجهة لهما، وظل يتعامل معهما بصفته الدستورية التي منحها له اتفاق الصخيرات عام 2015، إذ يعد الشريك لمجلس النواب في العملية السياسية.
وفيما يأتي تشكيل "الهيئة العليا للرئاسات" في سياق سياسي معقد، إذ يعكس حالة التصعيد بإعادة ترتيب الاصطفافات بين مراكز القوى المتنافسة في ليبيا، يأتي أيضاً في الوقت الذي تدفع فيه البعثة الأممية بخريطة الطريق السياسية التي أعلنتها في 21 أغسطس/ آب الماضي، بهدف الوصول بالبلاد إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية؛ إذ تواجه الخريطة تعثراً كبيراً رغم مرور ما يقارب ثلاثة أشهر على إطلاقها، إذ لم تُنجز المرحلة الأولى منها، كذلك لم تنجح البعثة حتى الآن في إطلاق "الحوار المهيكل" الذي يعد ركناً محورياً في خريطة الطريق ويستهدف إشراك فئات مجتمعية ومدنية في صياغة الطريق نحو الانتخابات. ورغم إعلان البعثة في نهاية أكتوبر/ تشرين الأول نيتها إطلاق الحوار خلال الشهر الجاري، إلا أن التجاذبات السياسية لا تزال تحول دون تحريك هذا المسار، وسط ممانعة واضحة من الأطراف المتنفذة التي تخشى فقدان مواقعها في أي تسوية انتخابية محتملة.
"خروج عن الإطار الدستوري"
وفي أول رد فعل يصدر عن الأجسام السياسية الأخرى على إعلان تأسيس الهيئة العليا للرئاسات، انتقدت الحكومة المكلفة من مجلس النواب بشدة الخطوة، معتبرة أنها "تمثل خروجاً عن الإطار الدستوري وتجاوزاً لصلاحيات السلطة التشريعية".
وقالت حكومة مجلس النواب إن الإعلان يشكل "عملاً منعدماً دستورياً وقانونياً"، مشيرة إلى أن الأجسام الثلاثة "لا تملك سلطة إصداره أو الاتفاق عليه"، بل واعتبرت أن تأسيس الهيئة يمثل محاولة لخلق كيان مواز للسلطات القائمة دون سند قانوني.
وأشارت الحكومة في بيانها إلى أن تنظيم الهياكل السيادية واختصاصات الدولة محكومة بنصوص الإعلان الدستوري، مضيفة أن "الإعلان الدستوري وتعديلاته بصفته المرجعية الأعلى لتنظيم السلطة، قد حصر اختصاص إنشاء الهيئات السيادية وتعديل البنية القيادية للدولة في السلطة التشريعية المنتخبة حصرياً، وهي مجلس النواب الليبي، ومنع أي جهة تنفيذية أو استشارية من استحداث أجسام موازية أو منافسة للسلطات القائمة".
وأعلنت الحكومة رفضها "القاطع" لتأسيس الهيئة بوصفها "تشكيلاً غير موجود قانوناً، وعديم السند الدستوري، ومنعدم الأثر من لحظة الإعلان عنه"، مؤكدة أن "أي خطوات قد تصدر عنها"، سواء تعلق الأمر بقرارات أو اجتماعات أو توزيع أدوار "لا يعتد به ولا يرتب أي مركز قانوني لأحد، ولا يكتسب أي قيمة أمام مؤسسات الدولة".
وصعدت الحكومة في لهجة رفضها لتأسيس الهيئة إلى اعتبارها بأنها "تهدد وحدة الدولة، وتمس استقرارها المؤسسي، وتعد سلوكاً معطلاً للمسار الانتخابي وافتعالاً لأزمة دستورية خارج القانون"، قبل أن تلوّح بإمكانية اتخاذ إجراءات تصعيدية في حال استمرار الانسداد، قائلة إن "خيار المطالبة بالحكم الذاتي سيكون خياراً مطروحاً بشكل واضح وعاجل".
ودعت الحكومة المجتمع الدولي إلى عدم الاعتراف بأي صفة أو تمثيل داخل ليبيا أو خارجها قد ينتج عن الهيئة، وطالبت بالالتزام بالمرجعية الدستورية القائمة. وختمت موقفها بالتأكيد أن "المجلس الأعلى للدولة هو مجلس استشاري للحكومة فقط وليس سلطة تشريعية وكذلك فإن الإشارة إلى السلطة القضائية في الإعلان المعدوم أثره، هي مساس باستقلال القضاء".