ليبيا... إنفاق موحد على التنمية أم آلية جديدة للعرقلة؟
استمع إلى الملخص
- الاتفاق يثير تساؤلات حول توقيته وطبيعته المفاجئة، حيث يعكس التنافس بين حكومتي طرابلس وبنغازي على مشاريع البنية التحتية، في ظل غياب الشفافية والمحاسبة.
- رغم النبرة التفاؤلية، يفتقر الاتفاق إلى تفاصيل التنفيذ، مما يعزز الانقسام الحكومي ويثير الشكوك حول كونه آلية لعرقلة الجهود السياسية نحو توحيد الحكومتين.
وقّع مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في ليبيا، الثلاثاء الماضي، اتفاقاً "لتوحيد قنوات الإنفاق والصرف على مشروعات التنمية" وفق بيان صادر عن مصرف ليبيا المركزي، الذي أكد أن الخطوة ستسهم "في تحقيق الاستقرار الاقتصادي بما يضمن العدالة في توزيع الموارد وتحقيق التنمية المستدامة". رغم النبرة المتفائلة التي حملها الاتفاق، إلا أن توقيته وطبيعة إعلانه بشكل فجائي، فتحا الباب واسعاً أمام تساؤلات تتجاوز الأطر المالية إلى ما هو أعمق في طبيعة المشهد السياسي الحالي.
فلطالما كان باب التنمية الأكثر حساسية في الموازنة العامة، بسبب اتساعه ومرونته مقارنة بالأبواب الأخرى مثل الأجور والدعم والخدمات الأساسية التي تعمل وفق ضوابط لا تتيح هامشاً كبيراً للهدر. جعل ذلك من التنمية ساحة التنافس والصراع الشديد بين حكومتي البلاد؛ حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وحكومة مجلس النواب في بنغازي، بسبب إمكانية توظيف مشاريع البنية التحتية والإعمار للوصول إلى مليارات الدولارات في ظل غياب الشفافية والمحاسبة. فقد ترتبت على الدولة هذا العام، وقبل نهايته، نحو 300 مليار دينار (نحو 47 مليار دولار، من الدين العام) دون أن يقابل ذلك مشروعات على الأرض تقارب هذا الحجم من الأموال.
وإن حمل الاتفاق نبرة تفاؤل، وبدا خطوة تنظيمية في طريق وقف الانفلات المالي، إلا أن الظروف المحيطة به تجعله مشحوناً بدلالات سياسية يصعب تجاهلها. فالتعامل المشترك (مع الاتفاق) يعطي الانقسام الحكومي القائم شكلاً من التنظيم بدلاً من الدفع نحو إنهائه، وفي غور الاتفاق تبدو الحكومتان كأنهما تعترف كل منهما بالأخرى، وإلا فكيف يمكن لبرنامج يُعرّف بأنه "موحّد" أن يدار بين سلطتين منفصلتين دون أن يرسخ ازدواج السلطة في الواقع؟
هذه الأسئلة تتعزز بغياب أي تفاصيل عن الاتفاق، فلم يعلن المجلسان أي شيء عن آليات التنفيذ أو معايير توزيع المشاريع وأموالها، واكتفيا بأن يصدر خبر الاتفاق عن المصرف المركزي عبر بيان مقتضب. هذا الأمر لا يُشعر بأنه نقص في التوضيح بقدر ما يُقرأ على أنه اتفاق أُريد له أن يمر من دون نقاش، في الوقت الذي تسعى فيه البعثة الأممية للدفع بخريطة الطريق (السياسية) نحو مسار انتخابي يبدأ بتوحيد الحكومتين وينتهي بإقصاء جميع الفاعلين الحاليين. من هذه الزاوية يبدو أن الاتفاق لم يعدُ أن يكون آلية جديدة من آليات العرقلة التي باتت أطراف الصراع تجيد صياغتها في تفاهمات غير معلنة عندما تشعر بخطر مشترك، وتتلاشى عند انقشاعه.