ليبيا: أزمة المناصب السيادية تعود للواجهة من بوابة أكبر مؤسسة رقابية

16 ابريل 2025   |  آخر تحديث: 17 أبريل 2025 - 08:09 (توقيت القدس)
رئيس ديوان المحاسبة في ليبيا خالد شكشك، 11 إبريل 2025 (إكس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تصاعد الصراع حول المناصب السيادية في ليبيا بعد قرار محمد تكالة باستبعاد خالد شكشك وتعيين أحمد عون، مما أثار انقسامات بين المؤسسات السياسية. خالد المشري رفض القرار، مؤكدًا على ضرورة التوافق بين مجلسي النواب والدولة، بينما أكد عقيلة صالح أن مجلس النواب هو الجهة الوحيدة المخولة بتعيين رؤساء المناصب السيادية.

- عبر المجلس الرئاسي عن قلقه من التصعيد بين مجلسي النواب والدولة، محذرًا من فقدان الاستقرار النسبي في البلاد، ومشيرًا إلى إمكانية تدخله لحسم الخلاف حول ديوان المحاسبة.

- يعكس الصراع تعقيدات المشهد السياسي في ليبيا، حيث تتداخل مصالح الحكومتين في طرابلس وبنغازي، مما يهدد نزاهة العملية الانتخابية وثقة الشعب في مؤسساته.

عاد ملف المناصب السيادية في ليبيا إلى واجهة مشهد الصراعات القائمة بين المؤسسات السياسية في البلاد، وطاول هذه المرة أكبر مؤسسة رقابية في الدولة وسط بيانات وقرارات متضاربة بين القادة في المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب.

وأصدر محمد تكالة، بصفته رئيس المجلس الأعلى للدولة، أول أمس الاثنين، قراراً باستبعاد رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك، المعيّن من مجلس النواب، وتكليف أحمد عون بديلاً عنه، في خطوة أثارت موجة من الرفض وفتحت صفحة جديدة من الأزمات التي تعكس عمق الانقسامات المؤسسية وتأثيرها على استقرار البلاد. وأصدر خالد المشري، المتنازع مع تكالة حول رئاسة المجلس الأعلى للدولة، بياناً عاجلاً أعلن فيه عن رفض قرار تكالة وتجديد الثقة في شكشك رئيساً للديوان.

وفيما اتهم المشري تكالة بـ"انتحال الصفة"، أكد أن قرارات التعيين في المناصب السيادية يجب أن تتم عبر توافق بين مجلسي النواب والدولة، وفقاً للاتفاقات السياسية، محذراً من أن الإجراءات الأحادية تعمّق الانقسام وتزيد الأزمة تعقيداً.

ومن جهته، وجّه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، خطاباً إلى مؤسسات الدولة يطالب فيه بــ"عدم الاعتداد" بقرار تكالة، مؤكداً أن مجلس النواب هو الجهة الوحيدة المخولة بإصدار قرارات تعيين رؤساء المناصب السيادية، حتى لو تم التشاور مع المجلس الأعلى للدولة في ذلك.

وسط هذا التصعيد، أصدر المجلس الرئاسي بياناً عبر فيه عن قلقه من "التصعيد غير المبرر"، محذراً من أن استمرار الخلاف بين مجلسي النواب والدولة سيُفقد البلاد حالة الاستقرار النسبي التي تعيشها. ولم يكتفِ المجلس الرئاسي بالتحذير، بل لوّح بإمكانية تدخله لحسم الخلاف القائم حول ديوان المحاسبة إذا استمر جمود مجلسي النواب الدولة في تعاطيهما مع ملف المناصب السيادية، وقال إنه "لن يُقابل بموقف المتفرج؛ بل سيضطر المجلس، انطلاقاً من مسؤولياته الوطنية، إلى اتخاذ ما يلزم من خطوات لمعالجة هذا القصور بما يضمن الحفاظ على وحدة الوطن ومؤسساته"، في إشارة إلى قراراته السابقة في أغسطس/ آب الماضي، عندما أقال محافظ البنك المركزي آنذاك الصديق الكبير، ما اضطر المجلسين إلى قبول الحوار بينهم برعاية البعثة الأممية وتعيين محافظ جديد.

وفيما ظهر عون في عدة صور وهو يتسلم منصبه من نائب رئيس ديوان المحاسبة، ظهر خالد شكشك في المقابل خلال اجتماع مع رؤساء إدارات الديوان، في مؤشر إلى اتجاه الديوان للدخول في أزمات الصراع السياسي القائم في البلاد. ويعد ملف المناصب السيادية، الذي تشمل محافظ البنك المركزي، وديوان المحاسبة، وجهاز الرقابة الإدارية، وهيئة مكافحة الفساد، والمحكمة العليا، والنائب العام، والمفوضية العليا للانتخابات، من الملفات التي تقع في بؤرة الصراع القائم بين مجلسي النواب والدولة في ليبيا. فمنذ اتفاق الصخيرات عام 2015، وحتى اتفاق جنيف 2021، كُلف المجلسان بضرورة التوافق على شاغلي هذه المناصب.

وفيما لم تطاول الخلافات رئيس وإدارة المفوضية العليا للانتخابات التي تعمل منذ العام 2012 بذات الكادر، اتفق المجلسان على تعيين رئيس مكتب النائب العام في إبريل/ نيسان 2021، وتوافقا على تعيين محافظ جديد للبنك المركزي في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، فيما لا تزال المؤسسات الأخرى محط نزاع وتعمل بإدارات منقسمة في طرابلس وبنغازي، ما أدى إلى شلل كبير في عملها.

ومنذ العام 2012 ظل شكشك يترأس ديوان المحاسبة في ليبيا على الرغم من رفضه من قبل مجلس النواب الذي أنشأ ديواناً موازياً في بنغازي، لكن عقيلة صالح التقاه عدة مرات في الأشهر الأخيرة، وجدد الثقة فيه في خطابه، أمس الثلاثاء. وبذات التعاطي أقال مجلس النواب محافظ البنك المركزي السابق الصديق الكبير عام 2014 وعاد للاعتراف به نهاية العام 2023، ولاحقاً تشدد في التمسك به إثر إصدار المجلس الرئاسي قرار إقالته في أغسطس/ آب الماضي، قبل أن يقبل باستبعاده ويتوافق مع مجلس الدولة على تعيين بديل له.

وبالإضافة لتعميق أزمة الصراع حول المناصب السياسية، تعكس هذه القرارات أيضاً عمق الأزمة في ليبيا بين قادة المؤسسات، فبينما تشير مواقف مجلس النواب إلى نهج الارتباط بالشخصيات للحفاظ على وجوده داخل مؤسسات الدولة، يتجلى في موقف المشري استمرار المعركة السياسية مع تكالة حول شرعية السلطة داخل المجلس الأعلى للدولة، ما يشير إلى تزايد ضعف الهياكل السياسية وتآكل شرعيتها.

وفي جانب المجلس الرئاسي، يعكس تهديده بالتدخل في أزمة رئاسة ديوان المحاسبة رغبته في الظهور طرفا سياسيا محايدا وقادرا على حسم القضايا الخلافية، على الرغم من تصاعد الخلافات بينه وبين مجلس النواب، إلى حد إصدار عقيلة صالح قرارات في الأشهر الماضية تعتبره "منتهي الولاية" وتنقل صلاحياته بوصفه قائدا أعلى للجيش ومسؤول ملف المصالحة الوطنية، إلى مجلس النواب.

وفيما يعبر الناشط السياسي جمعة شليبك عن خشيته من تكرار سيناريو أزمة البنك المركزي، خلال شهري أغسطس/ آب وسبتمبر/ أيلول الماضيين، وتداعياته السلبية على أوضاع اقتصاد البلاد، يشير إلى أن القرار بشأن ديوان المحاسبة صدر بالتزامن مع مطالب ضبط الإنفاق الحكومي، بعد أن كشفت بيانات البنك المركزي هدراً بلغ أرقاماً كبيرة.

ويعد ديوان المحاسبة، أكبر جهة رقابية في ليبيا مسؤولة عن متابعة ملف أموال الدولة، ولذا يرجح شليبك في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن تكون حكومتا البلاد؛ حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وحكومة مجلس النواب في بنغازي، على علاقة بما يحدث في ديوان المحاسبة. فبالرغم من بيانات الحكومتين اللتين تبادلتا فيها الاتهامات بشأن الهدر في المال العام "إلا أن مصالح الاثنين قد تلتقي في طريق العبث في ملفات الإنفاق ومراقبتها، لا سيما مع صدور مواقف دولية وأممية تطالب بضرورة محاسبة المتورطين في عمليات الإنفاق الواسع".

ويرى شليبك أن إمكانية وقوف الحكومتين وراء قرار تغيير إدارة ديوان المحاسبة يزيد من عدد أطراف الصراع في ملف المناصب السيادية، ما يحوّل هذا الملف إلى "محطة صراع جديدة، ستقف عثرة أمام جهود البعثة الأممية وتعقد تحقيق أي تسوية سياسية". بل يرى شليبك أن ملف المناصب السيادية في طريقه إلى أن يكون أداة جديدة بيد أطراف الصراع لتعزيز نفوذها في مؤسسات الدولة.

وفيما يشير إلى أنّ جميع الأطراف في ليبيا أدارت أزمة البنك المركزي بطريقة توافقوا فيها على شخصية معينة تحفظ للجميع مصالحه، تساءل "من يضمن أن سلسلة التدخلات في مناصب الدولة ستقف عند البنك المركزي وديوان المحاسبة، والقادم سيكون أكثر خطورة لأنه سيستهدف مؤسسات أهمها مفوضية الانتخابات التي يشترط فيها الحياد لتتمكن من إدارة الانتخابات بشكل نزيه، والتدخل فيها يعني ضياع أمل الانتخابات وثقة الشعب في مؤسساته".