لجان التحقيق في المغرب... مقبرة الحقيقة

لجان التحقيق في المغرب... مقبرة الحقيقة

10 فبراير 2021
الصورة
من أمام موقع وفاة العمال في طنجة (فرانس برس)
+ الخط -

يعيد إعلان السلطات المغربية عن فتح تحقيق تحت إشراف النيابة العامة، للكشف عن ظروف وحيثيات وتحديد المسؤوليات عن مصرع 28 عاملاً، إثر تسرب مياه الأمطار إلى مصنع للنسيج غير قانوني تحت الأرض بمدينة طنجة، شمال البلاد، أول من أمس الإثنين، السؤال مجدداً عن مآلات العديد من التحقيقات التي تم الأمر بفتحها في السنوات الأخيرة، من دون أن ترى نتائجها النور إلى حد الساعة، وما إذا كان ذلك مجرّد خطوة لامتصاص غضب الشارع. وفي وقت لا تزال فيه مشاعر الحزن والغضب تخيّم على المغاربة جراء الفاجعة الجديدة، أثار خروج رئيس الحكومة المغربية، سعد الدين العثماني، بعد أكثر من 12 ساعة على وقوع الحادث، ليعلن عبر صفحته على موقع "فيسبوك"، تعهده بأن يتم تحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات اللازمة، جدلاً بات يتكرر مع كل إعلان رسمي من الجهات المختصة عن فتح "تحقيقات"، في قضية لطالما شغلت بال الرأي العام واستحوذت على نقاشاته، عنوانها الرئيس أنّ "التحقيقات مقبرة للحقيقة".
فعلى نحو لافت، بدا المزاج الشعبي العام، من خلال تعليقات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في المغرب على منشور رئيس الحكومة، متخوفاً من أن يكون التعهد بتحديد المسؤوليات ومحاسبة المقصرين في حادث مصرع العمال بمدينة طنجة، مجرد تكرار لمآل تحقيقات سابقة خلقت الجدل بخصوص مخرجاتها ونتائجها ومسألة نشر هذه النتائج من عدمه. ويضاف إلى ذلك وسم لجان التحقيق من طرف فاعلين سياسيين وحقوقيين بكونها "مجرد مناورات لامتصاص غضب الرأي العام" بدون محاسبة أو تطبيق للقانون.

تشكيطو: وظيفة لجان التحقيق لا تتجاوز مفعول الحبوب المهدئة

وعلى امتداد السنوات العشر الأخيرة، أعلنت السلطات المغربية عن فتح عشرات التحقيقات القضائية والإدارية بخصوص العديد من القضايا والحوادث المثيرة للجدل بالنسبة للرأي العام والمشهد السياسي المغربي. وكان من أبرزها حادث اصطدام حافلتين على الطريق الرابط بين تنغير وورززات (جنوب المغرب) والذي أودى بحياة العشرات عام 2011. ويومها تم فتح تحقيق بشأن الحادثة في عهد وزير التجهيز والنقل الأسبق كريم غلاب، لكنه بقي حبيس رفوف الحكومة.

وتكرر الأمر نفسه في التحقيق المتعلق بالعثور على خمس جثث محروقة بمؤسسة بنكية بمدينة الحسيمة في 20 فبراير/ شباط 2011، وبفيضانات جهة كلميم في عام 2014، وكذلك بالنسبة لـ"فاجعة طانطان" عام 2015، التي كانت وزارة الداخلية قد أعلنت عن فتح تحقيق بشأنها، بعد مقتل 34 شخصاً غالبيتهم أطفال، إثر اصطدام شاحنة تهرب الوقود بحافلة ركاب، لكن من دون أن يتم الإعلان عن نتائج ذلك التحقيق إلى حد الساعة.

وفي السياق، قال رئيس "العصبة المغربية لحقوق الإنسان" (أقدم تنظيم حقوقي غير حكومي في المغرب) عادل تشكيطو، في حديث مع "العربي الجديد"، إنه "إلى حد الآن، تم تشكيل عشرات لجان التحقيق، لكنها لم تحدد المسؤوليات في القضايا التي فتحت فيها التحقيقات، باستثناء بعض اللجان التي كانت نتائجها غير مرضية أو تم الإعلان عنها لغايات لا تخدم سوى أجندات معلومة". وأضاف: "بتنا نعرف مسبقاً مسار كل فضيحة تتورط فيها مصالح الدولة، إذ يقوم المسؤولون بإصدار بيانات غالباً ما تزيد من غضب الرأي العام، ليتم بعد ذلك تشكيل لجان تحقيق تبقى طبيعتها ومكوناتها وأهدافها مجهولة". وتابع: "تعددت لجان التحقيق والنتيجة واحدة، إذ لا تعلن تلك اللجان عن مخرجاتها ونتائج تحقيقاتها، ولا يترتب على تشكيلها أي محاسبة تذكر، بل تظلّ أشغالها معلقة حتى إشعار غير معلوم". ولفت الناشط الحقوقي إلى أنّ "الغاية من تشكيل لجان التحقيق أضحت معروفة لدى الجميع، وأمسى الصغير والكبير في المغرب على وعي بكون وظيفتها لا تتجاوز مفعول الحبوب المهدئة".

من جهته، رأى المحلل السياسي المغربي، محمد شقير، أنّ "الغرض من فتح تحقيقات في فواجع المغرب من طرف لجان برلمانية أو وزارية أو إدارية، عادة ما يكون امتصاص غضب شعبي أو فئوي (خاص بفئة مجتمعية) مؤقت، من دون أن تكون لذلك تداعيات أو توابع، بالنظر إلى عدم تفعيل آليات المحاسبة". وأوضح، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، أنه "باستثناء الغضب الملكي الذي ينتج عنه عزل بعض الوزراء وإقصاؤهم من تقلّد مهام عمومية، فما يتم غالباً هو عدم متابعة المسؤولين عن تلك الفواجع، نظراً لتداخل المسؤوليات بين الجهات الإدارية والجهات المنتخبة، وعدم تكريس استقلالية الجهات القضائية، وكذلك غياب مؤسسات حقوقية قوية تدافع عن حقوق الضحايا، وضعف الوعي لدى هؤلاء، وطول المسار القانوني وتعقده وارتفاع تكاليفه".

الغلوسي: الإفلات من العقاب في العديد من القضايا يساهم في تكرار المآسي

ولفت شقير إلى مسألة أخرى، موضحاً أن "تكليف تدبير بعض القطاعات إلى شركات أجنبية (فرنسية أو برتغالية أو إسبانية) يجعلها في منأى عن أي مساءلة قضائية، وفي وضع يحميها من أي متابعة قضائية، في الوقت الذي تلقي فيه السلطات المحلية، سواء المعينة أو المنتخبة، بالمسؤولية على بعض هذه الشركات في بعض القضايا، ما يجعل حقوق الضحايا تضيع وسط تقاذف المسؤولين التبعات بين بعضهم البعض، كما حدث أخيراً، في حادث غرق العاصمة الاقتصادية وتضرر العديد من السكان جراء ذلك".

وبحسب رئيس "الجمعية المغربية لحماية المال العام"، محمد الغلوسي، فإنّ "استمرار الإفلات من العقاب في العديد من القضايا والحوادث التي تفجّرت في المغرب يشجّع على انتهاك قواعد القانون والعدالة، ويساهم في تكرار المآسي"، لافتاً في حديث مع "العربي الجديد" إلى أنّ "مآسي وحوادث عدة تقع من دون وضع الإصبع على مكمن الداء، الذي يكمن في الفساد الذي ينخر الحياة العامة. إننا باختصار، نؤدي تكلفة الفساد والرشوة من قوتنا اليومي وكرامتنا وأرواحنا وأجسادنا".

تقارير عربية
التحديثات الحية

المساهمون