لبنان: سلام يواجه صراعاً داخلياً وضغوطاً خارجية على وزارة المال

31 يناير 2025   |  آخر تحديث: 15:00 (توقيت القدس)
رئيس الوزراء اللبناني المكلف نواف سلام في القصر الجمهوري، 17 يناير 2025 (ريتا الجمّال)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يواجه نواف سلام تحديات كبيرة في تشكيل الحكومة اللبنانية، مع ضغوط داخلية وخارجية، خاصة حول وزارة المال التي تعتبر محور الصراع السياسي، حيث تصر حركة أمل على الاحتفاظ بها، بينما تعارض القوى المعارضة تولي أي شخصية محسوبة على حزب الله.

- تسعى الولايات المتحدة لمنع حزب الله أو حلفائه من السيطرة على وزارة المال، بينما تعتبر حركة أمل أن الضغوط الخارجية تهدف لإقصاء بعض الأطراف السياسية، مؤكدة على ضرورة إشراك جميع المكونات اللبنانية.

- يشير المحامي هيثم عزو إلى أن وزارة المال ليست مخصصة لأي طائفة وفقاً للدستور، ويؤكد على أهمية المداورة في الوزارات لضمان الكفاءة بعيداً عن الاعتبارات الحزبية والطائفية.

يواجه رئيس وزراء لبنان المكلف نواف سلام ضغوطات داخلية وخارجية عدّة تحول دون إنجازه التشكيلة الوزارية، وترفع من التعقيدات التي تؤخر عملية ولادة الحكومة، خصوصاً في ظلّ الشروط التي تنهال عليه من الأحزاب السياسية، والصراع القائم على الحقائب، على رأسها وزارة المال التي تُعدّ البوابة الأساسية لاستحقاقات وملفات الدولة المالية.

وتُعتبر وزارة المال من أبرز العراقيل التي تواجه عملية تأليف الحكومة اللبنانية، في ظلّ تمسّك حركة أمل (يتزعمها رئيس البرلمان نبيه بري) بها، وإصرارها على اختيار وزير محسوب عليها لتوليها، مع ارتفاع أسهم النائب السابق ياسين جابر، وذلك فيما ترفض القوى المعارضة أن تتولى هذا الموقع أي شخصية محسوبة على حزب الله ومحوره، نظراً لحساسيته، وأهميته على مستوى استراتيجية ومصالح الدولة، محذرة من أن سير سلام بهذا السيناريو من شأنه أن يعيد تكرار النهج الحكومي السابق، ويهدّد علاقات لبنان خصوصاً الاقتصادية والمالية، مع الخارج.

وتُمسِك حركة أمل بوزارة المال منذ عام 2014، مع استناد رئيس البرلمان نبيه بري إلى أنّ هذه الحقيبة مخصّصة للطائفة الشيعية في مداولات اتفاق الطائف، علماً أنّه تعاقب عليها وزراء من الطوائف السنية، والمسيحية، مثل محمد الصفدي، ريا الحسن، محمد شطح، جهاد أزعور، دميانوس قطار، الياس سابا، فؤاد السنيورة، وغيرهم، قبل أن تؤول في السنين الماضية، إلى الوزراء المحسوبين على حركة أمل علي حسن خليل (مدعى عليه بانفجار مرفأ بيروت)، وغازي وزني، ويوسف الخليل.

ويردّد نواب في المعارضة، يتقدّمهم حزب القوات اللبنانية (بزعامة سمير جعجع) الذي يعتبر أن له دوراً كبيراً في مشهدية العهد الجديد، على مستويي رئاسة الجمهورية والحكومة، أن تشكيل حكومة جديدة بالنهج والأسلوب نفسيهما اللذين اعتُمدا في الحكومات المتعاقبة، من شأنه أن يشكل ضربة للتغيير المنشود، والذي يتطلع إليه المجتمعان الدولي والعربي، معرباً عن رفضه المطلق لإصرار الثنائي على التمسّك بوزارة المال وربطها بالميثاقية، معتبراً إياها هرطقة سياسية ودستورية خطيرة.

ونقل إعلام "القوات اللبنانية" اليوم الجمعة، عن مصادر قولها إنّ "الرسالة الأميركية وصلت، وهي لا تستطيع المساعدة في حال شعرت بأن الوجوه التي لها علاقة بمرحلة الفساد التي أنهكت الدولة في لبنان ستعود من جديد، أو سيكون لها دور في المرحلة المقبلة، لأن هذا سيعرّض لبنان برمته لأزمة من جديد، وسيفرمل المساعدات التي تسعى إليها الدول الصديقة للبنان، فلا أحد يساعد أشخاصاً فاسدين أو لهم علاقة مباشرة بالانهيار المالي الذي طاول لبنان، خصوصاً أن الفريق المعرقل معروف، وأهدافه واضحة، وهو يريد الاستئثار والتمسك بعنق الدولة، من أجل تحسين شروطه وإبقاء القديم على قدمه".

ضغوطات خارجية لمنع إسناد "المال" إلى حليف حزب الله

في السياق، برز اليوم تقرير لوكالة رويترز، قالت فيه نقلاً عن خمسة مصادر مطلعة، إنّ واشنطن تضغط على كبار المسؤولين اللبنانيين لمنع حزب الله أو حلفائه من ترشيح وزير المالية القادم للبلاد، وذلك في محاولة للحدّ من نفوذ الجماعة المدعومة من إيران على الدولة. وقالت المصادر إن المسؤولين الأميركيين نقلوا رسائل إلى سلام والرئيس اللبناني جوزاف عون، الذي حظي بدعم الولايات المتحدة عندما كان قائداً للجيش وجرى انتخابه رئيساً للبلاد في أوائل يناير/كانون الثاني، مفادها أن حزب الله لا ينبغي أن يشارك في الحكومة المقبلة.

في المقابل، يقول مصدر نيابي في حركة أمل (فضل عدم ذكر اسمه)، لـ"العربي الجديد"، "إنّنا نتمسّك اليوم أكثر بوزارة المال، في ظلّ الضغوطات التي تحصل داخلياً وخارجياً لمنع إسنادها إلينا أو لحزب الله، فالبلد لا يمكن أن يُدار بهذه الطريقة، ولا بإملاءات خارجية، ولا بإقصاء أي فريق". وتابع المصدر: "نحن تحدثنا منذ البداية عن محاولات انقلابية، وهذا ما لا يمكن السماح به، والتدخل الخارجي بات مفضوحاً في الملف اللبناني، والذي يترافق مع تهديدات مبطنة حول عدم حصول إعادة إعمار ومساعدة لبنان اقتصادياً في حال لم يحصل تغيير سياسي، أو بمعنى آخر في حال بقي وجود حزب الله وحلفائه في الدولة، لكن نعيد تكرار أن هذا البلد لا يقوم إلا بكل أبنائه وبكل مكوناته"، مشدداً على أنّ "الطرف المعرقل هو الذي أعلن بداية أنه لا يريد أي حقائب وزارية، وهو اليوم يضع الشروط ويضغط على سلام في عملية التشكيل، ومنطق التحدي والإلغاء لا يمكن القبول به".

من جهته، لم يعلّق مصدر دبلوماسي في السفارة الأميركية في بيروت على التقرير الذي تداولته وكالة رويترز، واكتفى بالقول لـ"العربي الجديد"، إنّ "الإدارة الأميركية موقفها واضح من ضرورة حصول تغيير في لبنان على مستوى النهج والإدارة، وتعتبر أنّ العهد الجديد يجب أن يكون جديداً بمساره وأسلوب تعاطيه مع الملفات والاستحقاقات، سواء الأمنية والمالية، والمرتبطة ببسط الدولة وجيشها سلطتها على أراضيها، وهناك حاجة ماسة لحصول إصلاحات في لبنان من أجل دعمه في إعادة الإعمار والنهوض اقتصادياً وهذا موقف معلن وغير خفي".

وكان سلام أكد أول من أمس الأربعاء، بعد لقائه الرئيس جوزاف عون، أنه لن يتراجع عن المعايير التي وضعها منذ اليوم الأول لتكليفه تشكيل الحكومة، وهي "حكومة تفصل بين النيابة والوزارة، حكومة من دون أي مرشحين للانتخابات البلدية أو النيابية، حكومة لا تمثيل فيها للأحزاب، وحكومة كفاءات وطنية".

وزارة المال "مغارة علي بابا" في لبنان

وفي قراءة قانونية، يقول منسّق الدائرة القانونية لـ"روّاد العدالة" المحامي هيثم عزو، لـ"العربي الجديد"، إن وزارة المال أو أي وزارة ليست مخصَّصة ولا مكرسة لأي طائفة أو مذهب، هذا غير موجود لا في الدستور اللبناني ولا في وثيقة الاتفاق الوطني الطائفي عام 1989، ولا في مداولات ومحاضرات مجلس النواب. وبالتالي، فإنّ هذا الكلام الذي يتم ترويجه يقع في غير موقعه القانوني والدستوري الصحيح.

وأردف: "لا يوجد حتى عرف دستوري من شأنه أن يكرس تلك الوزارة لذاك المذهب أو وزارة غيرها لمذهب آخر، ولكن يلاحَظ بأنه في الآونة الأخيرة، يحاول مذهب معيّن خلق أمر واقع لتكريس تلك الوزارة كحق مكتسب له، وهذا أمر يخالف أصلاً روحية الدستور، حيث يقتضي أصلاً لإلغاء الطائفية السياسية، اعتماد مبدأ المداورة حتى في الوزارات، كونها جزءاً من التنظيم السياسي والإداري للدولة. وعليه لا يحق لأي مذهب أو طائفة التذرع بحق مكتسب لها في أي وزارة من الوزارات خلال مسار عملية تشكيل الحكومة".

أما من الناحية الواقعية، فيقول عزو إنّ "الصراع على وزارة المال يعود إلى عدة اعتبارات وعوامل، أهمها أن وزير المالية يوقع إجمالاً على غالب التواقيع الوزارية، بما يمكّنه من تعطيل إنشاء مرسوم معيّن، بعدم إدغامه بتوقيعه، وثانياً، لأن وزارة المال هي التي تعدّ العدّة لكل الوزارات من الناحية المالية، وبالتالي، هي القابضة على عصب الدولة، كذلك لأن حاكمية مصرف لبنان أصلاً لا تعيّن إلا بناءً على اقتراح وزير المالية قانوناً".

ويضيف: "رابعاً، وأخيراً، وهو الأهم، أنّه يمكن تشبيه تلك الوزارة بالنسبة إلى منظومة الفساد بأنها بمثابة مغارة علي بابا، حيث داتا الصفقات موجودة لديها وفي أرشيفها، عدا عن أنّ إجراء المحاصصات والتسويات المالية لا يمكن أن يتم إلا بمباركة هذه الوزارة التي توجد بين يديها الخزينة العامة للدولة". تبعاً لذلك، يشدد عزو على أنّ "المطلوب اليوم اعتماد مبدأ المداورة في جميع الوزارات، وليس فقط المالية، ولكن أهمها وزارة المالية، والمطلوب خلق قماشة جديدة من الوزراء، بناءً لاعتبارات الكفاءة والجدارة، وليس لاعتبارات حزبية وطائفية".

المساهمون