- يرفض منتقدو الإنجيلية الصهيونية الخلط بين انتقادها و"معاداة السامية"، مؤكدين أن المسيحية ليست مشروعاً قومياً، وأن دعم أو انتقاد إسرائيل هو موقف سياسي مشروع.
- رغم أن هذا السجال قد لا يغير السياسة الأميركية تجاه إسرائيل قريباً، فإنه يفتح نقاشاً أوسع حول العلاقة بين الدين والسياسة، ويدعو لفهم التحولات الجارية والانخراط في حوار مع الأصوات الداعية للعدالة.
قد يكون من المبكر الحديث عن تحول جذري في الموقف الأميركي والغربي من دولة الاحتلال الإسرائيلي، لكن من الواضح أن سجالاً آخذاً في الاتساع يتصاعد داخل الكنائس والأوساط الأكاديمية، وحتى بين بعض التيارات المحافظة، حول الدور الذي لعبه تيار التدبيرية والإنجيلية الصهيونية في إعادة صياغة العلاقة بين المسيحية والسياسة، وبين الإيمان وما يجري في فلسطين والمنطقة.
يرى عدد متزايد من الأميركيين أن هذا التيار نقل مركز الثقل في الخطاب الديني من رسالة الإنجيل القائمة على العدالة والسلام، إلى قراءة لاهوتية تجعل الحروب جزءاً من مسار إلهي لتحقيق نبوءات خلاصية. لذلك، يصف منتقدوه هذا التحول بأنه انتقال من "إنجيل السلام" إلى "إنجيل الحرب"؛ أي من رسالة تضع الإنسان وكرامته في قلب العقيدة، إلى تأويل يمنح الاحتلال والدمار شرعية دينية ويحوّلهما إلى مراحل ضرورية في مسار الخلاص.
بعضهم يؤكد أن المسيحية، في جوهرها، ليست مشروعاً قومياً ولا برنامجاً للسياسة الخارجية، وأن الإيمان لا يفرض تأييد دولة أو حكومة بعينها. ومن هذا المنطلق، فإن دعم إسرائيل أو انتقاد سياساتها أميركياً، يبقى موقفاً سياسياً مشروعاً، لا معياراً للحكم على إيمانهم أو ولائهم لعقيدتهم.
كما يرفض منتقدو الإنجيلية الصهيونية الخلط بين انتقادها و"معاداة السامية"، معتبرين أن هذا الخلط يضيّق مساحة النقاش العام، ويهمش الوجود التاريخي الأصيل للمسيحيين الفلسطينيين، الذين يواجهون اليوم، شأنهم شأن باقي الفلسطينيين، تداعيات الاحتلال الاستيطاني الإحلالي والعنف المتصاعد ضد وجودهم مستقبلاً.
ولعل من أبرز تجليات هذا الخطاب، ما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب حين وصف زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر بأنه "كان يهودياً لكنه أصبح فلسطينياً بالكامل"، في تعبير يعكس اتساع استخدام المصطلح في سياق سياسي مشحون، يُوظَّف فيه "الفلسطيني" بوصفه تهمة، بما يعيد إنتاج خطاب يربط، بشكل مباشر أو غير مباشر، بين الموقف المؤيد حتى لفكرة "إسرائيل الكبرى" وبين الانتماء الديني أو الوطني.
ورغم أن هذا السجال قد لا يغيّر قريباً أسس السياسة الأميركية تجاه تل أبيب، فإنه يكسر مسلّمات راسخة في الخطاب الغربي، ويفتح نقاشاً أوسع حول العلاقة بين الدين والسياسة، وبين الدعم غير المشروط للاحتلال وقيم العدالة وحقوق الإنسان.
لذلك ينبغي، عربياً وفلسطينياً، عدم التعامل معه بوصفه خلافاً داخلياً، بل نافذة لفهم التحولات الجارية، والانخراط في حوار مع الأصوات المسيحية والسياسية والأكاديمية والحقوقية التي تستعيد معنى العدالة في مواجهة تسييس الدين وتبرير الحرب والاحتلال.