لامبالاة ترامب تشجع بكين على تهديد تايوان

01 مارس 2025   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
تظاهرة في ذكرى حرب أوكرانيا، تايبيه، 23 فبراير 2025 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تصاعدت التوترات بين الصين وتايوان مع تهديدات صينية بضم الجزيرة بالقوة، بينما تعزز تايوان دفاعاتها لحماية سيادتها.
- تعتمد العلاقات بين تايوان والولايات المتحدة على التعاون العسكري، مع خطط تايوانية لشراء أسلحة أمريكية بقيمة 10 مليارات دولار، وسط معارضة صينية قوية.
- أثار تعامل الولايات المتحدة مع الأزمة الأوكرانية قلق تايوان بشأن الضمانات الأمنية، مع الحاجة لمزيد من اليقظة في ظل تصريحات ترامب المتقلبة حول أمن الجزيرة.

ارتفعت حدة التصريحات المتبادلة بين بكين وتايبيه، إلى جانب تهديد تايوان بالضم، بعد رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب التعليق حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستدافع عن تايوان في حالة تعرضها لهجوم من قبل الصين، التي تعد الجزيرة جزءاً من أراضيها ولا تستبعد ضمها بالقوة "إذا لزم الأمر". وغداة إعلان وزارة الدفاع الصينية، أول من أمس الخميس، أن الجزيرة ستقع في أيدي بكين "عاجلاً أم آجلاً"، اعتبرت وزارة الدفاع التايوانية، أمس الجمعة، أن تاريخ الحرب العالمية الثانية يظهر أن "العدوان والتوسع سينتهيان بالفشل".

يأتي تهديد تايوان في وقت لا تغيب بكين عن حسابات الرئيس الأميركي الذي يواصل اتخاذ إجراءات، والتهديد بأخرى، ضد حلفاء وخصوم واشنطن على السواء، لا سيما في موضوع رفع الرسوم الجمركية التي تنبئ بحرب تجارية بين أقوى اقتصادات العالم. علماً أنه لم يتوقف منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير/ كانون الثاني الماضي، عن طرح أفكاره التوسعية في إطار "صفقات" تجارية وأخرى تحت عنوان "إيقاف الحروب" في العالم، بدءاً بإعادة الاستيلاء على قناة بنما مروراً بضم غرينلاند وجعل كندا الولاية الـ51 للولايات المتحدة، وصولاً للاستيلاء على قطاع غزة وتطويره عقارياً وصفقة المعادن مع أوكرانيا.

عندما سأل أحد المراسلين ترامب، عقب أول اجتماع رسمي لمجلس الوزراء في ولايته الثانية، الأربعاء الماضي، عما إذا كانت الولايات المتحدة ستسمح للصين بالسيطرة على تايوان بالقوة، قال من البيت الأبيض: "لن أعلق على ذلك أبداً. لا أريد أن أضع نفسي في هذا الموقف أبداً". واكتفى بالتعبير عن رغبته في الاستثمار الصيني في الولايات المتحدة، قائلاً "نريدهم أن يأتوا ويستثمروا. نريدهم أن يستثمروا في الولايات المتحدة. هناك الكثير من الأموال القادمة وسنستثمر في الصين. سنفعل أشياء مع الصين. ستكون العلاقة التي سنقيمها مع الصين جيدة جداً".

وبينما رحبت وسائل إعلام صينية حكومية بامتناع ترامب عن التعليق على مسألة تايوان، معتبرة أنه مؤشر إيجابي على انفتاح الإدارة الجديدة تجاه بكين، أشارت وسائل إعلام محلية في تايوان إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يرفض فيها ترامب الالتزام بالدفاع عن الجزيرة. واستشهدت بمقابلة لترامب على شبكة أن بي سي الأميركية، في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، عندما سئل "إذا غزت الصين تايوان في عهدك، فهل أنت ملتزم بالدفاع عن تايوان؟"، وأجاب ترامب حينها "لم أقل ذلك قط"، وهو ما تبعه تعليق صحف تايوانية بأن ترامب يتخلى عن أوكرانيا، والشكوك حول دعم الولايات المتحدة تتعمق في الجزيرة.

تهديد تايوان

وسارعت الصين إلى تهديد تايوان مجدداً، لتكريس موقفها من الجزيرة، إذ وجهت وزارة الدفاع الصينية تحذيراً شديد اللهجة إلى سلطات الحزب الديمقراطي التقدمي في تايوان، المعارض لسياسة التوحيد مع الصين. وقال المتحدث باسم الوزارة ووتشيان، في مؤتمر صحافي أول  من أمس، في تعليقه على المناورات الحربية السنوية "هان كوانغ" التي تجريها تايوان عادة في الصيف، وتحشد خلالها ما يصل إلى ثلاثة آلاف جندي احتياط، إن سلطات الحزب الديمقراطي التقدمي "لديها وهم طلب الدعم من الولايات المتحدة من أجل الاستقلال ومقاومة الوحدة بالقوة". وأضاف أن قضية تايوان "هي شأن داخلي للصين، ولا تقبل أي تدخل خارجي"، مشيراً إلى أن "الولايات المتحدة تريد احتواء الصين من خلال تايوان، وتتواطأ مع الأنشطة الخطرة والاستفزازية التي تقوم بها سلطات الحزب الديمقراطي التقدمي من أجل استقلال تايوان". واعتبر أن هذه الاستراتيجية ستأتي بنتائج عكسية في نهاية المطاف، لافتاً إلى أن أي خطوة في هذا الاتجاه لن تنتهي إلا بالتدمير الذاتي، و"سنأتي ونأخذكم عاجلاً أم آجلاً".

في المقابل، استتبعت هذه التصريحات رداً من وزارة الدفاع التايوانية، التي قالت في بيان أمس، إن الصين صعدت أخيراً من تهديداتها العسكرية في المنطقة، وأصبحت أكبر "مثير للشغب" في المجتمع الدولي. وأضافت أنه "يصادف هذا العام الذكرى الـ80 لـ(نهاية) الحرب العالمية الثانية، وقد أثبت التاريخ أن أي شكل من أشكال العدوان والتوسع سينتهي بالفشل". ولفتت إلى أن الجيش التايواني يعزز قواته لحماية السيادة وضمان الحرية والديمقراطية والتعاون للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

لاي تشينغ تي:  الصين لم تتخل عن محاولاتها للاستيلاء على تايوان بالقوة

مسألة تهديد تايوان بالضم عبر القوة، جاء أيضاً على لسان الرئيس التايواني، لاي تشينغ تي، الذي شدد خلال فعالية في تايبيه، أمس، أجريت احتفالاً بذكرى انتفاضة 28 شباط/ فبراير 1947 ضد الحكومة الصينية في تايوان، والمعروفة باسم "حادثة 228" والتي أدى قمعها لمقتل الآلاف، على أن "الصين لم تتخل عن محاولاتها للاستيلاء على تايوان بالقوة". وقال إن "أكبر تهديد لسيادة تايوان، وديمقراطية تايوان وشعب تايوان، يأتي من الصين".

على صعيد آخر فإن العلاقات بين الحليفين، تايبيه وواشنطن، تعتمد على التعاون العسكري. وكان تقرير لـ"رويترز"، قد ذكر قبل نحو أسبوع، أن تايبيه تفكر في شراء أسلحة من الولايات المتحدة، تتراوح قيمتها بين 7 مليارات دولار و10 مليارات دولار. وأشارت إلى أن ترامب أفرج أخيراً عن 5.3 مليارات دولار من المساعدات الخارجية المجمدة سابقاً، بما في ذلك 870 مليون دولار مخصصة للمساعدات العسكرية لتايوان.

وفي تعليقه على ذلك، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، في إفادة صحافية الأربعاء الماضي، إن الصين عارضت دائماً المساعدة العسكرية الأميركية لتايوان، والتي "انتهكت بشدة مبدأ الصين الواحدة والبيانات المشتركة الثلاثة بين الصين والولايات المتحدة (1972 و فبراير 1979 وأغسطس/ آب 1979 حول احترام السيادة الوطنية بين الطرفين والعلاقات الاقتصادية ونية تقليل مبيعات السلاح لتايوان) وقوضت سيادة الصين ومصالحها الأمنية، وأرسلت إشارة خاطئة للغاية إلى القوى الانفصالية". في سياق متصل، عندما طُلب أول من أمس، من المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، لين جيان، التعليق على وزارة الدفاع التايوانية التي قالت إنها رصدت 45 طائرة صينية و14 سفينة حربية بالقرب من الجزيرة، أجاب قائلاً: "لا يوجد ما يسمى بوزارة الدفاع في تايوان. وهذا ليس سؤالاً يتعلق بالشؤون الخارجية".

خطوط بكين الحمراء

في رده على سؤال لـ"العربي الجديد"، حول تهديد تايوان والحد الذي يمكن أن تذهب إليه الصين في مسألة الجزيرة، قال الأستاذ في مركز الدراسات السياسية في جامعة جينان (الصين)، شياو لونغ، إن "بكين لا تبني خططها بناء على المقاربة الأميركية لمسألة تايوان، بل لديها استراتيجية واضحة بشأن استعادة التوحيد بين الجزيرة والبر الرئيسي وفق رؤى سياسية ومحددات ثاتبة". وأضاف أن "هناك خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها في هذه المسألة، تتمثل في إعلان الجزيرة الاستقلال عن الصين"، وبالتالي "أي توجه عسكري من قبل بكين مرتبط بمدى انحراف قادة الجزيرة عما تم التوافق عليه بين الجانبين".

شياو لونغ:  تعامل الإدارة الأميركية الجديدة مع الأزمة الأوكرانية، أثار قلق قادة الحزب التقدمي الديمقراطي في تايبيه

وبرأيه فإن "تعامل الإدارة الأميركية الجديدة مع الأزمة الأوكرانية، أثار قلق قادة الحزب التقدمي الديمقراطي في تايبيه بشأن الضمانات الأمنية، وهو بمثابة رسالة واضحة بأن الاعتماد على الولايات المتحدة لن يجدي نفعاً في نهاية المطاف". وأوضح شياو لونغ أن "الأولوية في سياسات ترامب الخارجية هي التخلص من الأعباء التي تثقل كاهل حكومته في إدارة الشؤون الداخلية، لأن المسؤوليات والالتزامات الخارجية والنفقات المالية الضخمة ذات الصلة لا تتوافق مع اتجاهاته ومصالحه الخاصة".

جو فانغ: الولايات المتحدة لا يمكن أن تتعامل مع تايوان بنفس المنطق الذي تعاملت فيه مع أوكرانيا

المزيد من اليقظة في تايوان

القلق الناشئ عن تهديد تايوان داخل الجزيرة، وفق الباحث الزميل في جامعة آسيا (تايوان)، جو فانغ، هو "رد فعل طبيعي إزاء الإشارات التي أرسلتها الإدارة الأميركية الجديدة"، مضيفاً في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "هناك حاجة إلى مزيد من اليقظة في تايوان للتعامل مع شخصية ترامب المتقلبة وغير المقيدة بالأعراف الدبلوماسية". في الوقت نفسه رأى جو فانغ، أن "الولايات المتحدة لا يمكن أن تتعامل مع تايوان بنفس المنطق الذي تعاملت فيه مع أوكرانيا". وباعتقاده، فإن هناك "تضارباً في التصريحات الأميركية تؤكد أن أمن الجزيرة لا يزال يمثل أولوية بالنسبة لواشنطن"، مشيراً إلى إعلان "وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، قبل أيام أن الولايات المتحدة ملتزمة بمنع وقوع أي هجوم على تايوان، وأن بكين تدرك القدرة العسكرية الأميركية تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب".