- الانقسامات الداخلية في إسبانيا: الأزمة تسببت في انقسامات بين اليمين واليسار، حيث انتقدت أحزاب الحكومة أو المغرب، بينما ربطت أخرى الأزمة بصراعات جيوسياسية. حزب فوكس هاجم المغرب، والحزب الشعبي انتقد حكومة سانشيز.
- مواقف اليسار الإسباني: تباينت مواقف اليسار، حيث دعا حزب "سومار" لمحاسبة المتورطين، وانتقد بوديموس إغلاق الحدود، وربطت بعض الأوساط الأزمة بالتنسيق بين إسرائيل والمغرب.
بينما تستعد إسبانيا للدفاع عن موقفها خلال اجتماع وزراء الداخلية الأوروبيين الذي يعقد اليوم الثلاثاء افتراضياً، على خلفية أزمة مدينة سبتة الإسبانية وتداعياتها على المستوى الأوروبي، أشار وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، إلى أن بلاده ستطالب الدول الأعضاء بالتضامن مع مدريد، على اعتبار أن ما حدث يمثل تهديداً لأوروبا وليس لإسبانيا فقط. وأضاف في تصريحات صحافية أن بعض الدول الأوروبية لم تكن في مستوى ما حدث، مشيراً بالاسم إلى رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني
.تداعيات أزمة سبتة
في المقابل، لا تزال تداعيات الأزمة على الصعيد الداخلي الإسباني هي الحدث الأبرز بين تيارات اليمين واليسار. ورغم تأكيدات الحكومة الإسبانية من السيطرة على الأزمة في أقل من 24 ساعة، حيث تمت إعادة الجزء الأكبر من المهاجرين الذين عبروا بطريقة غير نظامية إلى مدينة سبتة من الأراضي المغربية، إضافة إلى الإشادة بالمغرب والتعاون والتنسيق مع البلد الجار، فإن التفسيرات التي قدمتها الحكومة الإسبانية لم تكن مقنعة لأحزاب اليمين واليسار. ولم تكتف هذه التكتلات، على تنوعها واختلافها الأيديولوجي والسياسي، بإلقاء الحكومة اللوم على شبكات الإتجار بالبشر، التي "استغلت حكماً صادراً عن المحكمة العليا الإسبانية، أوحى بأن من يعبر مدينة سبتة سباحة لا يمكن إعادته على الفور"، حسبما أفادت الحكومة الإسبانية. وأكدت السلطات المغربية في بيان وزارة الداخلية الرواية الإسبانية. إلا أن أحزاب اليمين واليسار على حد سواء، شككت في هذه الرواية، وألقت بعضها اللوم على الحكومة الإسبانية، وبعضها الآخر على المغرب، في حين ربطت أحزاب أخرى الأمر بصراعات جيوسياسية.
حزب فوكس اليميني المتطرف هاجم المغرب بوضوح، واتهمه باستخدام الهجرة سلاحاً ضد إسبانيا
صحيح أن حزب اليمين المحافظ، الحزب الشعبي، حمّل المسؤولية لحكومة بيدرو سانشيز
اليسارية، لكنه بدا متناقضاً في تفسيراته، خصوصاً أنه تجنب توجيه أية انتقادات علنية للحكومة المغربية، رغم أن زعيم الحزب الوطني ألبرتو نونييث فيخو، قال خلال زيارته لمدينة سبتة إنه "احتلال مخطط له مسبقاً"، ووجه انتقادات مباشرة لسانشيز قائلاً لوسائل إعلام محلية: "حين لا تحترم الحكومة نفسها، يصعب أن تحظى باحترام الدول الأخرى". وذهب الحزب الشعبي إلى أبعد من ذلك ليتهم الحكومة بعدم توقع الأزمة، معتبراً أن أجهزة الاستخبارات كان يفترض أن ترصد التحركات مسبقاً. في هذا السياق، غاب أي انتقاد للمغرب، بل أكد الحزب على ضرورة الحفاظ على علاقات "متينة" مع الرباط، على اعتبار أنه شريك اقتصادي وأمني مهم، ليستثمر بذلك الأزمة بشكل كبير ويوجّه كل الانتقادات لحكومة سانشيز، رغم أن أصواتاً داخل الحزب الشعبي، مثل خوان خيسوس فيفاس، رئيس حكومة سبتة، وصف المغرب بـ"الشريك غير الموثوق"، إلا أن الرسالة العامة كانت ضد حكومة سانشيز.وإذا كان الحزب الشعبي لم يدخل في مواجهة سياسية مع المغرب، فإن حزب فوكس اليميني المتطرف هاجم المغرب بوضوح، واتهمه باستخدام الهجرة سلاحاً ضد إسبانيا. لكن هذا الهجوم، بالنسبة لزعيم الحزب سانتياغو أباسكال، لم يكن ممكناً لولا ضعف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الذي حول إسبانيا إلى بلدٍ خاضغ للرباط، معتبراً أن ما حدث هو "غزو"، مطالباً بعسكرة الحدود، وتشديد الرقابة، وتغيير القوانين الذي يقول الحزب إنها تشجع على مثل هذه التدفقات. وإذا كان اليمين المحافظ لم يشر إلى المغرب، واليمين المتطرف قد أشار إليه، فإنه يبدو واضحاً أن تكتل اليمين بشكل عام استطاع أن يسخر هذه الأزمة لحصد مكاسب انتخابية، مركزاً في رسالته على ضعف حكومة سانشيز التي لولاها لما حدث ما حدث.
حزب بوديموس اليساري اعتبر أن إغلاق الحدود وعسكرتها لن يحل الأزمة
"الدكتاتورية المغربية، التي تعمل على خدمة الولايات المتحدة وإسرائيل تبتز إسبانيا وأوروبا، وتحوّل شعبها نفسه إلى وقود بشري"، هذه هي التغريدة التي كتبها غابرييل روفيان، السياسي الإسباني، الناطق باسم الكتلة الجمهورية اليسارية الكتالونية في مجلس النواب الإسباني، والتي تلخص إلى حد كبير قراءة اليسار، بشكل عام، لأزمة سبتة مع اختلاف في الدرجات. وإذا كان اليمين قد حمّل حكومة سانشيز أزمة تدفق المهاجرين، فإن قطاعات واسعة من اليسار بشكل عام، حمّلت الحكومة المغربية مسؤولية ما جرى عبر استخدامها المهاجرين ورقةَ ضغط سياسية، مع بقاء ملف الصحراء الغربية مفتوحاً، كما كشفت أزمة سبتة بالنسبة لهم فشل نموذج سياسة الهجرة التي تعتمدها دول الاتحاد الأوروبي.
كيف تباينت مواقف اليسار الإسباني؟
غير أن مواقف اليسار نفسها تباينت، فـ"سومار" شريك الحزب الاشتراكي العمالي في الائتلاف الحكومي، دعا إلى محاسبة المتورطين وانتقد الحكومة المغربية. وشدّد على ضرورة محاسبة كل الأطراف، بما في ذلك السلطات المغربية، غير أن تركيزه الأساس كان على البعد الإنساني للأزمة، وضرورة عدم تحويل المهاجرين إلى أدوات ووسائل للصراع السياسي. كما حذّر من تداعيات تحميل مهمات ضبط الحدود إلى دول مثل المغرب.
حزب بوديموس اليساري، والذي يعد أكثر راديكالية، اعتبر أن إغلاق الحدود وعسكرتها لن يحل الأزمة. وقد ذهبت أوساط في هذا الحزب وفي تكتل اليسار الموحد إلى أبعد من ذلك، حين ذكّرت بردات فعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب وبعض المسؤولين الإسرائيليين حول الأزمة، رابطة بذلك بينها وبين موقف الحكومة الإسبانية من حرب غزة، ومن موقفها من إسرائيل بشكل عام، ومن رفضها للحرب الِأميركية على إيران. كذلك ربطت بعض أوساط اليسار ما حدث بالتنسيق بين إسرائيل والمغرب، وذكّرت بحادثة التجسس التي تعرض لها رئيس الحكومة الإٍسبانية بواسطة برنامج بيغاسوس الإسرائيلي، والذي استخدمه المغرب ضده. وأمام كل هذه السوابق، رأت أن تفسير الحكومة الإسبانية وإلقاءها اللوم على شبكات الاتجار يبدو مضحكاً وغير منطقي، إذ من غير الممكن أن تكون هذه الموجة من التدفق قد حدثت من دون علم السلطات المغربية.