كيف توظف إسرائيل هجوم سيدني لخدمة مصالحها؟

15 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 18:57 (توقيت القدس)
وضع أكاليل زهور عند نصب لضحايا الهجوم في سيدني، 15 ديسمبر 2025 (فرانس برس/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- استغلال سياسي وإعلامي: تسعى إسرائيل لاستثمار حادثة إطلاق النار في سيدني للترويج لرواية تربطها بتصاعد معاداة السامية، محملة حكومات العالم مسؤولية هذا التصاعد، ومهاجمة رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي.

- تحقيقات وتدخلات أمنية: تشارك إسرائيل في التحقيقات عبر مسؤولين أمنيين، وتروج لمزاعم إحباط هجمات مماثلة، وتسعى لزيادة نفوذها الأمني في أستراليا، مع عقد اجتماعات مع رؤساء المجتمعات اليهودية.

- تحليلات وردود فعل: تشير التحليلات الإسرائيلية إلى ارتباط تصاعد معاداة السامية بمواقف أستراليا تجاه القضية الفلسطينية، متهمة الحكومة الأسترالية بالتقصير في حماية الجالية اليهودية، بينما ترفض أستراليا هذه الاتهامات.

تحاول إسرائيل ربط الاعتراف بالدولة الفلسطينية والتظاهرات بالحادثة

تحمل إسرائيل حكومات العالم المسؤولية للسماح بالتظاهرات ضد حرب غزة

"يسرائيل هيوم": اليهود يواجهون خطراً ربما الأكبر منذ المحرقة

تحاول إسرائيل على المستوى السياسي والإعلامي استثمار حادثة إطلاق النار التي استهدف حشداً خلال احتفالات عيد "الحانوكا" اليهودي على شاطئ بوندي بمدينة سيدني في أستراليا، وأسفرت عن 16 قتيلاً، لتحقيق أكبر قد من المكاسب التي تخدم أجندتها، إذ تسعى للترويج لرواية تربط الحادثة بتصاعد معاداة السامية وإسرائيل، وتحميل حكومات العالم لا أستراليا وحدها، مسؤولية ذلك، بزعم سماحها بالتظاهر ضدّ حرب الإبادة في غزة، ودعم عدد منها إقامة دولة فلسطينية، ومنح مساحات لجهات إسلامية. 

يأتي ذلك فيما تتجاهل إسرائيل الرسمية وغير الرسمية، أن المظاهرات التي اجتاحت العالم، كانت موجهة بالأساس ضد حكومتها وتصريحات وزرائها الدموية لا ضدّ اليهود، ومركّزة أساساً على الإبادة في غزة، ومشاهد المجازر والتجويع وقتل الأبرياء بما فيهم الأطفال في القطاع.

كما تستغل إسرائيل الحدث للهجوم على رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، وتحميله المسؤولية، مثلما فعل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أمس ومن بعده عدد من الوزراء والمسؤولين الإسرائيليين. وتكثّف وسائل الاعلام العبرية منذ الأمس، لقاءات مع يهود أستراليين، بينهم إسرائيليون أيضاً حول ما حدث في سيدني، وعن شعورهم بالخوف وتحذيرهم السلطات الأسترالية مراراً في العامَين الأخيرَين من استهداف اليهود وتحميلها المسؤولية. هذا في وقت رفض فيه رئيس الوزراء الأسترالي اتهامات نظيره الإسرائيلي وربْطِ ما حدث باعتراف أستراليا بدولة فلسطينية.

من المقرّر أن يجتمع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قريباً، في القدس المحتلة، برؤساء المجتمعات والمنظمات اليهودية حول العالم

وقال نتنياهو أمس إنه راسل ألبانيزي قبل بضعة أشهر قائلاً إنّ "سياستهم تُؤجّج نار معاداة السامية، وتُشجّع على كراهية اليهود التي تجتاح شوارع أستراليا". وبعد إعلان أستراليا نيّتها الاعتراف بدولة فلسطينية في اجتماع قادة الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول، اتهم نتنياهو ألبانيزي في رسالته بأن دعوته إلى قيام دولة فلسطينية تُؤجّج معاداة السامية، كما وصف رئيس الوزراء الأسترالي بأنه "سياسي ضعيف خان إسرائيل وتخلى عن اليهود الأستراليين"، ما خلق أزمة وتوتراً بين البلدَين.

شهادات ضدّ أستراليا وتمكين أمني

في الوقت الذي تستمر فيه التحقيقات بالواقعة، تنقل وسائل الإعلام العبرية شهادات متواترة من أستراليا، كما يبدو أن إسرائيل ستحاول استغلال ما جرى لزيادة نفوذها أمنياً فيها. فقد أفادت القناة I24 العبرية، أن مسؤولين أمنيين إسرائيليين، بمن فيهم الموساد، يشاركون في التحقيق، وأن التحقيقات الأولية تشير إلى دراسة جميع الاحتمالات، ولم يُعرف بعد ما إذا كانت الجهة المنفّذة منظمة محلية، أو ما إذا كانت إيران وحزب الله وراء الهجوم. في هذا السياق، يذكر أن إسرائيل كثيراً ما تروّج لمزاعم تمكّن أجهزتها الأمنية من إحباط هجمات إيرانية أو تابعة لحزب الله أو حماس أو جهات إسلامية حول العالم. 

وفي ظل ترويج إسرائيل لتصاعد موجة معاداة السامية، من المقرر أن يجتمع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قريباً، في القدس المحتلة، برؤساء المجتمعات والمنظمات اليهودية حول العالم.

إلى ذلك، ينقل موقع القناة 12 العبرية عن شيري شيلدكراوت، من جمعية إسرائيلية للدعم النفسي تعمل في أستراليا، أن "الشعور السائد هو الغضب وخيبة الأمل، يجب على أي دولة حماية مواطنيها حتى لو كانوا أقلية".

واتهمت شيلدكراوت الأستراليين باللامبالاة، و"التحرك فقط عن حدوث شيء"، كما زعمت وجود جماعات إسلامية معادية لليهود وإسرائيل، وأن الأستراليين "عامّة، يصعب عليهم التصريح بذلك علناً. إنهم لا يريدون الاعتراف بوجود جماعة من الإسلاميين المتطرفين الذين يسعون لإيذاء اليهود". ونقل ذات الموقع عن جيلا روزا، المقيمة في سيدني، قولها "عشنا في خوف لمدة عامَين، مع وجود إجراءات أمنية مشددة في الفعاليات بسبب معاداة السامية، والآن حدث هذا"، مشيرةً إلى أنها فوجئت بالمقابل بالتضامن مع يهود أستراليا بعد ما حدث، كما زعمت أن "هذه الأصوات كانت مُكمّمة لمدة عامين، إذ سيطرت الأصوات المتطرفة على الخطاب، وجرى إسكات أي شخص عبّر عن رأي معتدل. بعد الحادثة، فجأةً، عاد المعتدلون في أستراليا إلى الواجهة". وكانت معظم المقابلات التي طالعها "العربي الجديد" في وسائل إعلام إسرائيلية أخرى تصبّ في ذات الاتجاه.

"فلسطين حرة"

في التحليلات زعم أرئيل كهانا، محلل الشؤون الدولية في صحيفة يسرائيل هيوم، أن ألبانيزي "اتّخذ موقفاً تصالحياً تجاه العنف المستعر في بلاده منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول 2023). فبدلاً من حظر الشعارات العنيفة مثل انتفاضة عالمية وفلسطين حرة من البحر إلى النهر، اعترف بدولة فلسطينية، وبدلاً من منع دخول الإرهابيين المُثيرين للفتنة إلى بلاده، منع دخول إسرائيليين بينهم مسؤولون كبار"، بحسب زعمه.

ويضيف زاعماً أنّ "هذه هي تحديداً مشكلة الغرب التقدّمي. ومن المفارقات، أن في الدول العربية والصين وروسيا، تُحكم قبضة حديدية على بؤرة الإسلام الراديكالي. في الدول غير الديمقراطية تحديداً، يتضح أن هذا التيار يُغذي الشعارات المتطرفة والعنف نفسه. أما في الدول التي تُوصف بالليبرالية، فينتشر التحريض والعنف المصاحب له انتشاراً واسعاً، مع وجود قيود قليلة جداً".

من جهتها، ادّعت صحيفة هآرتس العبرية، أن "الحرب في غزة أدت إلى زيادة ملحوظة في حوادث معاداة السامية، وخلقت مناخاً جعل العديد من اليهود في أستراليا يشعرون بانعدام الأمان والخوف. وكان يُنظر إلى الجالية اليهودية في البلاد سابقاً على أنها معتدلة في توجهاتها السياسية، والمشاعر السلبية المحيطة بها لا تعكس طبيعتها. وفي الوقت نفسه، استثمرت الحكومة الأسترالية مبالغ طائلة منذ بداية الحرب فيما تسميه التماسك الاجتماعي، وتحديداً في دعم الجالية اليهودية"، ولفتت إلى أنه من بين أمور أخرى، بعد حريق كنيس في ملبورن أواخر العام الماضي، أعلنت حكومة ألبانيزي عن ميزانية إضافية تزيد عن 30 مليون دولار للمجلس التنفيذي لليهود الأستراليين، وهو المنظمة الجامعة للجالية اليهودية في البلاد.

وكتب المحلل العسكري في الصحيفة عاموس هارئيل، أنه سبق الهجوم المسلح الدامي على شاطئ سيدني، العديد من التحذيرات الاستخباراتية من إسرائيل إلى الحكومة المحلية. وادّعى بدوره أن أستراليا شهدت تصاعداً ملحوظاً في وتيرة أعمال العنف المعادية للسامية والمعادية لإسرائيل منذ السابع من أكتوبر "وقد اتخذت السلطات بالفعل تدابير أمنية واحترازية مختلفة، إلّا أن الانطباع السائد في إسرائيل هو أن هذه التحركات كانت محدودة النطاق، بدافع الحرص على تجنب المواجهة مع الجالية المسلمة الكبيرة في البلاد".

ويرى الكاتب أن في تحميل وزراء إسرائيليين الحكومةَ الأسترالية مسؤولية الهجوم، زاعمين أنها لم تتخذ أي إجراءات للحد من العنف المعادي للسامية في البلاد، "شيء من المنطق، ولكن لا يسع المرء إلّا أن يتساءل عن سهولة اتهام الحكومة الإسرائيلية دولاً أخرى بالمسؤولية عن الإرهاب، بينما تتملص من مسؤوليتها عن مجزرة 7 أكتوبر/تشرين الأول منذ عامَين ونصف العام، كما ينشغل الائتلاف الحكومي في إسرائيل بالترويج لمشروع قانون يهدف إلى منع إنشاء لجنة تحقيق رسمية".

نداف إيال: "جبن الحكومة الأسترالية وكراهيتها تجاه إسرائيل، وسعيها للتودّد لجمهور يتعاطف مع حماس، أدى إلى التخلي عن أمن المجتمع اليهودي"

وأشارت تحليلات استخباراتية أجريت في إسرائيل إلى اتجاهَين بارزين بشأن مزاعم تصاعد معاداة السامية حول العالم؛ يتمثل أحدهما بحسب الكاتب "في تورط ناشطين مؤيدين للفلسطينيين، بعضهم مهاجرون مسلمون وبعضهم يساريون أستراليون، ويجري ذلك بتشجيع من منظمات إرهابية مختلفة، مثل داعش والقاعدة. أما الاتجاه الثاني فيتعلق بتوجيه خارجي من عناصر فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني".

ولفت هارئيل إلى أنه "في أغسطس الماضي، وفي ضوء الأدلة التي قدّمتها إسرائيل على تورط إيران في تلك الأحداث، طردت أستراليا السفير الإيراني في خطوة غير مسبوقة. وفي الوقت نفسه، أعلنت الحكومة الأسترالية الحرس الثوري منظمةً إرهابية، وذلك بعد أن اتّضح تورطه في هجومين معاديين للسامية في البلاد. مع ذلك، كان هناك انطباع في إسرائيل بأن الحكومة الأسترالية ما زالت تخشى مواجهة هذه الظاهرة مباشرة، ولا سيّما مع مظاهر الاحتجاج التي يُفترض أنها تتمتع بحماية حرية التعبير". 

في يديعوت أحرونوت كتب الصحافي نداف إيال، إن "القوة السياسية لليهود في أستراليا محدودة، مقارنة مثلاً بأميركا"، وادّعى أنه "كان واضحاً تماماً أن الحكومة (الأسترالية) الحالية، من خلال انتقادها اللاذع لإسرائيل، وتجاهلها لتصاعد معاداة السامية، ومنحها دعماً لمواقف معادية لإسرائيل، تميل إلى ديموغرافيات أخرى، خصوصاً الأقليات، ومن بينها المجتمع المسلم، الذي يرى في إسرائيل أصل كل شر. ولهذا السبب، عندما تنشئ الحكومة مثلاً فريق عمل لمكافحة معاداة السامية، تشعر بأنها ملزمة أيضاً بإطلاق مبادرة ضدّ الإسلاموفوبيا".

واعتبر الكاتب أن "محاولة خلق مساواة هنا هي زائفة. ففي حين أن المجتمع اليهودي أصغر وأضعف بكثير، فإن عدد الحوادث المعادية للسامية وتعبيرات الكراهية عبر الإنترنت ضد اليهود أعلى على نحوٍ ملحوظ. وإضافة إلى ذلك، لا حاجة لتأكيد أنه في المناسبات الدينية الإسلامية لا توجد حاجة لحراسة مسلّحة كما هو الحال في المجتمع اليهودي. الإسرائيليون الذين زاروا أستراليا لنشاطات في المجتمع اليهودي، واجهوا مشكلات في مراقبة الحدود في الماضي، فمستوى العداء لدى الحكومة بلغ حداً جعل المؤسسات اليهودية تطلب من الضيوف الإسرائيليين عدم الكشف عن وصولهم حتّى مغادرتهم البلاد".

ويرى الكاتب أن "المجتمع اليهودي في أستراليا يعيش حياة كاملة، يدير مدارس ومراكز جماهيرية، وكما رأينا، يتجمّع أيضاً في احتفالات علنية بعيد الحانوكا على شاطئ بوندي"، لكنه زعم في ذات الوقت، أنّ "جبن الحكومة الأسترالية وكراهيتها تجاه إسرائيل، وسعيها للتودّد لجمهور يتعاطف مع حماس، أدى إلى التخلي عن أمن المجتمع اليهودي. الآن سيكون من الضروري الاستثمار بشكل أكبر في الحماية"، ويرى أن "أول ما يجب على دولة إسرائيل فعله هو مساعدة المجتمع اليهودي وفقاً لطلباته. لا أن تُملي عليه شيئاً، ولا أن تستغل الهجوم لأغراض سياسية أو دعائية".

ويتابع "على مدى عامين، المجتمعات اليهودية حول العالم، القوية منها والأقل قوة، افتتحت كل مناسبة بالدعاء لسلامة جنود الجيش الإسرائيلي وبالدعاء لسلامة المخطوفين (الأسرى الإسرائيليين في غزة)، وجمعت التبرعات، وسافرت إلى إسرائيل مراراً وتكراراً، وأوقفت جزءاً من حياتها لمساعدة الإسرائيليين في محنتهم. هذه المجتمعات الآن في ضائقة، ومن واجبنا أن نساعدها. وهناك أمور عملية يمكن القيام بها، منها الضغط على الحكومات لتعزيز أمن المجتمع، وإذا لزم الأمر تمويل وإرسال حراس أمن إسرائيليين إضافيين مباشرة إلى هناك (مرة أخرى، إذا رغبت المجتمعات بذلك، وبالتنسيق مع الحكومة المحلية)، والأهم أن نسأل: ماذا يمكننا أن نفعل من أجلكم، بعد أن فعلتم الكثير من أجلنا".

بدوره، زعم الصحافي يوآف ليمور، في صحيفة يسرائيل هيوم، أن "يهود العالم (وبالطبع أيضاً الإسرائيليون في الشتات) يواجهون الآن خطراً غير مسبوق، ربما الأكبر منذ المحرقة. فالنقد المتصاعد ضد إسرائيل في دول عديدة أطلق العنان لمعاداة السامية على نطاق واسع، والتي، إلى جانب النفوذ الإسلامي المتزايد، تتجسد في ارتفاع حاد في أحداث العنف الجسدي واللفظي الموجهة ضد اليهود والإسرائيليين".

المساهمون