كيريلو بودانوف... الجنرال الصاعد الذي يريد زيلينسكي ضبط طموحاته
استمع إلى الملخص
- بودانوف، رئيس المخابرات العسكرية منذ 2020، يُعتبر شخصية بارزة في أوكرانيا، وقد يعزز دوره في مفاوضات السلام بفضل شعبيته وخبرته وعلاقاته القوية مع الغرب.
- يتمتع بودانوف بخلفية عسكرية قوية وسجل حافل، مما قد يشير إلى تحول في الاستراتيجية العسكرية الأوكرانية نحو الدفاع والأعمال التخريبية والحرب السيبرانية.
في إطار إجراء تغييرات كبيرة في عدد من المناصب الحكومية المفصلية، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي
، أول من أمس الجمعة، أنه اقترح على رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية كيريلو بودانوف منصب مدير مكتب الرئاسة، خلفاً لأندريه يرماك، الذي أعلن استقالته في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، على خلفية التحقيق معه في فضيحة فساد كبرى طاولت قطاع الطاقة في أوكرانيا في الأشهر الأخيرة. ووضع زيلينسكي اختيار كيريلو بودانوف في سياق "التركيز على الأمن القومي، وتطوير قدرات الدفاع، والشؤون الدبلوماسية في ظل المفاوضات الجارية". وأضاف زيلينسكي أنه أصدر تعليماته إلى بودانوف، وأمين مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني رستم أوميروف، ورؤساء الوكالات المعنية الأخرى، بتقديم نسخة جديدة من الإطار الاستراتيجي للدفاع والتنمية في أوكرانيا للموافقة عليها.تغييرات في كييف
وأكد بودانوف قبول عرض زيلينسكي، وكتب على قناته على منصة تليغرام: "أواصل خدمة أوكرانيا. أعتبر منصب رئيس مكتب الرئاسة مستوىً آخر من المسؤولية تجاه الوطن. إنه لشرف ومسؤولية لي، في هذه اللحظة التاريخية لأوكرانيا، أن أركز على قضايا بالغة الأهمية تتعلق بأمن دولتنا الاستراتيجي". وتولى كيريلو بودانوف رئاسة المخابرات العسكرية الأوكرانية منذ عام 2020، ويُعتبر أكثر رؤساء المخابرات العسكرية ظهوراً للعلن في تاريخ أوكرانيا. وبعد استقالة يرماك، شملت قائمة المرشحين أيضاً وزير الدفاع دينيس شميهال، ونائب وزير الخارجية سيرغي كيسليتسيا، ونائب رئيس مكتب الرئاسة بافلو باليسا، إضافة إلى بروز اسم ميخايلو فيدوروف، البالغ من العمر 34 عاماً، والذي شغل منصبي نائب رئيس الوزراء ووزير التحول الرقمي، لكن من المرجح أنه سيشغل منصب وزير الدفاع، خلفاً لشميهال، ليكون رابع وزير للدفاع منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 فبراير/ شباط 2022، بعد أوليكسي ريزنيكوف (2021 ـ 2023)، ورستم أوميروف (2023 ـ 2025)، وشميهال. وقال زيلينسكي إن شميهال حقق نتائج جيدة بصفته وزيراً، وإن هناك عرضاً أمامه في منصب حكومي جديد، من دون أن يكشف عنه. وأجّل زيلينسكي تعيين رئيس جديد لمكتب الرئاسة لانشغاله بالمفاوضات مع الولايات المتحدة والأوروبيين لإنهاء الحرب على أوكرانيا.
منذ صيف 2024، برز اسم كيريلو بودانوف كأكثر المرشحين للرئاسة
كان كيريلو بودانوف في البداية من بين المرشحين الأوفر حظاً لتولي رئاسة الإدارة الرئاسية، لكن تعيينه شكل مفاجأة نوعاً ما، نظراً لخلفيته العسكرية، ومنذ أشهر تدور شائعات في كييف عن أن زيلينسكي يتجه إلى استغلال شعبية بودانوف وترشيحه للانتخابات البرلمانية ضمن أول ثلاثة أسماء في قائمة حزبه "خادم الشعب"، الذي عانى كثيراً من خلافات وفصل لبعض أعضائه البرلمانيين. ويشير وصول جنرال، وضابط استخبارات رفيع المستوى ذي خبرة في التعامل مع الروس، ليس لكونه مفاوضاً فقط، إلى رئاسة مكتب زيلينسكي، بوضوح إلى تغييرات كبيرة يمكن أن تحصل في المسيرة السياسية لزيلينسكي، الذي تحوّل من ممثل كوميدي، إلى رئيس للبلاد بعد عرض مسلسل "خادم الشعب" (2015 ـ 2019) بقصة عن إعادة بناء أوكرانيا من جديد، بعد تقاسم أراضيها بين جيرانها بسبب فساد السياسيين فيها. واللافت أنه اعتمد على أصدقاء وشركاء فنيين له في الإنتاج في الحكم، ومن ضمنهم يرماك.
وتبرز أسئلة عن استمرار بودانوف في ممارسة ذات الصلاحيات الواسعة التي مُنحت لسلفه يرماك في قضايا السياسة الداخلية والخارجية في البلاد. كذلك تثار تساؤلات عن دور كيريلو بودانوف المستقبلي في مفاوضات السلام الحالية، علماً أن يرماك كان مشرفاً عليها حتى الأيام الأخيرة من إقالته. ومن الأسئلة المهمة، إمكانية تحول أوكرانيا إلى نظام عسكري مع صعود جنرال إلى هذا المنصب المدني، أم أن بودانوف سيستبدل بزته العسكرية ببدلة رسمية؟ وتشي التعديلات الحكومية التي أعلنها زيلينسكي عن توجهات إلى تغييرات في سياسة الدولة في مجالات عدة، من المجمع الصناعي العسكري إلى سياسة الإعلام. وفي خلاصتين متناقضتين، يمكن أن يمثل اختيار كيريلو بودانوف استبعاداً عن المنافسة في أي انتخابات رئاسية مقبلة، وينظر إلى رجل الاستخبارات القوي على أنه ضمن أقوى ثلاثة مرشحين للرئاسة إلى جوار زيلينسكي وقائد الجيش السابق فاليري زالوجني والسفير الحالي في بريطانيا. في المقابل، لا يمكن استبعاد أن الاختيار يعدّ تلميحاً إلى أن بودانوف يمكن أن يخلف زيلينسكي مستقبلاً.
ومنذ صيف 2024، برز اسم كيريلو بودانوف أكثر المرشحين للرئاسة، خصوصاً أن نسبة الثقة به تجاوزت الثقة بزيلينسكي ذاته، والجنرال زالوجني. ويمثل بودانوف جيلاً جديداً من رجال الأمن الأوكرانيين المنفصلين عن التجربة السوفييتية. وارتبطت حياته بالاستخبارات، فبعد تخرجه من الأكاديمية العسكرية انضم مباشرة إلى جهاز الاستخبارات، وسرعان ما كان من بين الضباط المختارين للدراسة في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه). وجذب كيريلو بودانوف اهتمام الأميركيين لحداثة سنه من جهة، واختلاف طريقة تفكيره وعمله عن كبار الضباط والمسؤولين الأمنيين الأوكرانيين الذين تعلموا وخدموا في الأجهزة السوفييتية، ويتقاسمون مع الروس طريقة التفكير والأساليب ذاتها من جهة أخرى.
أظهرت استطلاعات أخيرة ارتفاع نسبة الثقة الشعبية ببودانوف
ويعد كيريلو بودانوف، أصغر رئيس للاستخبارات العسكرية الأوكرانية منذ تأسيسها في عام 1992، ويتزامن تعيينه في منصبه الجديد مع بلوغه سن الـ40 اليوم الأحد، وهو من مواليد الرابع من يناير/ كانون الثاني 1986. لكن سيرته الذاتية تتضمن سجلاً غنياً وحافلاً بالأحداث. ولا يزال جزء كبير من مسيرة كيريلو بودانوف المهنية سرياً، لكن من المعروف، على سبيل المثال، مشاركته عام 2016 في عملية جريئة داخل شبه جزيرة القرم الأوكرانية التي ضمتها روسيا في عام 2014، حيث خاضت مجموعة أوكرانية اشتباكاً مع القوات الخاصة الروسية. وترقى كيريل بودانوف إلى المناصب القيادية العليا قبل اندلاع الحرب في عام 2022، بعد فضيحة عرفت بـ"فاغنر غيت". في صيف 2020، حاولت الأجهزة الأمنية الأوكرانية استدراج مجموعة من مرتزقة "فاغنر" عبر بيلاروسيا إلى أوكرانيا، لكن العملية فشلت. اتهم رئيس إدارة الاستخبارات العسكرية وقتها، فاسيلي بوربا، القيادة العليا في البلاد، تحديداً رئيس المكتب الرئاسي أندريه يرماك، بإفشال العملية. رداً على ذلك، أُقيل بوربا وحل محله بودانوف في أغسطس/ آب 2020. لاحقاً، اتهم أحد المتورطين في "فاغنر غيت"، العقيد رومان تشيرفينسكي، بودانوف بإخفاء مواد تُعرّض يرماك للخطر. وتشيرفينسكي متهم بالتورط في تفجير أنابيب نوردستريم في سبتمبر/ أيلول 2022.
يُرجَّح أن تقدم بودانوف مدعوم من رومان ماشوفيتس، قائده الذي شغل منصب نائب رئيس المكتب الرئاسي في الفترة من عام 2020 إلى عام 2024. ورأى يرماك في تعيين بودانوف فرصة لتعزيز نفوذه على جهاز الاستخبارات، لكن بودانوف تصرف بشكل مستقل، مدعوماً على الأرجح بعلاقاته الوثيقة مع الغرب. فرضت الحرب وجود بودانوف في مراكز القيادة الأولى. وقاد دفاع كييف ضد محاولات اقتحام مجموعات تخريبية، وشارك في تحرير أجزاء من مقاطعة كييف وخاركيف، وخطط لعمليات لاستعادة السيطرة الأوكرانية على الجزء الغربي من البحر الأسود. وبفضل هذه الإنجازات، رُقّي إلى رتبة فريق أول، ونال لقب بطل أوكرانيا.
ورغم عمله في الأجهزة الأمنية، استجاب بودانوف للمقابلات الإعلامية مع وسائل الإعلام الأوكرانية والغربية، وظهر أمام الكاميرات، ولم يتردد في الإدلاء بتصريحات حادة حول مختلف الأحداث. كان من مواضيعه المفضلة الحديث عن الحتمية المفترضة لهزيمة روسيا وتفككها، التي وصفها غالباً بأكثر العبارات بلاغةً، ما أثار غضباً في موسكو. وأصدرت محكمة باسماني الروسية (في ديسمبر/ كانون الأول 2023) مذكرة توقيف غيابية بحقه بتهمة تنظيم 104 عمليات إرهابية، وفي 28 نوفمبر 2023، كُشف عن تسمم زوجة بودانوف بالمعادن الثقيلة في محاولة اغتيال استهدفت زوجها. وطُرح اسم بودانوف لمنصب وزير الدفاع في فبراير 2023 بكونه أحد المرشحين المحتملين لمنصب وزير الدفاع بعد إقالة أوليكسي ريزنيكوف. ومنذ 2023، ظهر بودانوف في التصنيفات الوطنية للثقة في مواقع متقدمة، وفي 2024، وصل إلى مستوى يضاهي ويتجاوز زيلينسكي في بعض الاستطلاعات. أظهرت استطلاعات أخيرة أن نسبة الثقة به بلغت 47% مقابل 41% للرئيس، بينما يتصدر زالوجني القائمة بثقة 72% من الأوكرانيين.
وأدى ارتفاع شعبية بودانوف إلى احتكاكات مع مكتب الرئيس، وفي نهاية 2024، تداولت وسائل الإعلام الأوكرانية عدة موجات من الشائعات حول خلاف بين يرماك وبودانوف، واحتمال استقالة الأخير بسبب استياء رئيس المكتب الذي يعود إلى النشاط الإعلامي المكثف لرئيس الاستخبارات. في البداية، اعتُبر بودانوف بمثابة تلميذ ليرماك، لكن مع مرور الوقت تطورت علاقتهما بشكل معقد. كثيراً ما يُشار إلى بودانوف بأنه "قناة بديلة ليرماك للتواصل المباشر مع الرئيس"، وله علاقات جيدة مع مراكز نفوذ أخرى ضمن فريق الرئيس. وفي الوقت ذاته، عملت زوجة بودانوف مستشارة لرئيس بلدية كييف فيتالي كليتشكو، وترشحت للانتخابات في مجلس مدينة كييف عن حزب أودار التابع له. في المقابل، فإن تحليلات خبراء وكالة rating group ومركز Socis أخيراً، بعد استبعاده عن الاستطلاعات حول ثقة الأوكرانيين، أكدت أن أنصار كيريلو بودانوف يتحولون في غيابه إلى دعم زيلينسكي وليس إلى قوى المعارضة، وأن الأوكرانيين ينظرون إلى رئيس الاستخبارات على أنه جزء من فريق الرئيس ومحترف عسكري، لا قوة سياسية مستقلة.
توقع بودانوف في 2021 شن روسيا حرباً على بلاده وقدم وصفاً دقيقاً لما حدث لاحقاً على الأرض
نجاحات كيريلو بودانوف
ويُعد نجاح بودانوف في السياسة الأوكرانية غير مسبوق وذا دلالة كبيرة. في الماضي، لم يكن لأفراد الأجهزة الأمنية آفاق سياسية واسعة في أوكرانيا، نظراً للوصمة السلبية التي ورثتها هذه الأجهزة عن الحقبة السوفييتية، لكن بعد ضم روسيا شبه جزيرة القرم بالقوة في عام 2014، والحرب في 2022، بدا أن الموقف تجاه موظفي الأجهزة الأمنية في المجتمع الأوكراني تغير جذرياً. وربما شكّل اختيار بودانوف لرئاسة مكتب زيلينسكي رمزاً لمرحلة جديدة، وخصوصاً في حال ربطها مع التعيينات الجديدة في وزارة الدفاع. والأرجح أن الاستراتيجية العسكرية الأوكرانية المقبلة ستتحول إلى الدفاع، مع التركيز على الأعمال التخريبية خلف خطوط العدو، وهجمات مجموعات صغيرة على أهداف معينة، إضافة إلى الحرب السيبرانية.
واختلف كيريلو بودانوف عن أسلافه في قيادة الاستخبارات في أنه يجري مقابلات بانتظام ويدلي بتصريحات مدوية. على سبيل المثال قوله: "لقد قتلنا وسنقتل الروس في أي مكان في العالم". وفي 21 نوفمبر 2021، توقع في حوار مع مجلة Military Times شنّ روسيا حرباً على بلاده، وقدم وصفاً دقيقاً لما حدث لاحقاً على الأرض. وفي الحوار توقع أن تشنّ روسيا الحرب نهاية الشهر الأول من 2022. وكشفت تقارير صحافية لاحقاً أنه جنّد مصرفياً أوكرانياً للعمل مع أجهزة الاستخبارات الروسية والأوكرانيين المقرّبين من موسكو، وفي مقابل تقديم معلومات وخدمات لهم بالتنسيق مع الاستخبارات العسكرية الأوكرانية، حصل على معلومات عن عملية احتلال مطار غوستوميل قرب كييف في بدايات غزو فبراير 2022. وبناءً على المعلومات، أحبطت أوكرانيا مخطط روسيا لاحتلال المدينة، وإطاحة زيلينسكي في الساعات الأولى للحرب في فبراير 2022.