كورونا أوروبا: احتجاجات شعبية بدوافع نظرية المؤامرة على "الحريات"

25 أكتوبر 2020
الصورة
الصدامات شهدتها نابولي الإيطالية بين محتجين والشرطة (باولو مانزو/Getty)
+ الخط -

تشهد عدد من المدن الأوروبية احتجاجات شعبية، بعضها يعبر عنه عبر منصات التواصل، وأخرى في صدامات في الشارع، احتجاجا على إجراءات وقرارات حكومية للحد من انتشار كورونا

وتنظم بعض تلك الاحتجاجات بدعوات من مجموعات ذات توجه شعبوي، وأخرى مؤمنة بنظرية المؤامرة، وخصوصا بتبني النسخة الأميركية منها، والمعروفة باسم "كيوأنون" (QAnon)، وهو ما فصل فيه تقرير لـ"بوليتكو-أوروبا"، أول من أمس الجمعة. 

ومع استمرار أزمة كورونا منذ نحو 8 أشهر تتزايد حالة التململ الشعبي، مدعومة بتيارات وأحزاب سياسية، تتهم السلطات الحاكمة، في أكثر من دولة أوروبية، بأنها باتت تمارس سياسة سلطوية، وتفرض قرارات غير ديمقراطية، وبالأخص مع تشديدات جديدة فرضتها حكومات أوروبية خشية من موجة شتوية قوية لفيروس كورونا على مجتمعات القارة. 

في السياق نفسه، جاءت الصدامات التي شهدها إقليم ومدينة نابولي في إيطاليا، أمس السبت، لتشكل فصلا جديدا من تلك الاحتجاجات الشعبية على قرارات الإغلاق في مدينتهم والإقليم، بسياسات تعود لحكام الأقاليم، وفقا للسياسة الجديدة لرئيس الحكومة جيوزبي كونتي، بدل سياسة الإغلاق الشامل للبلد التي فرضت في بداية انتشار الوباء ربيع العام الحالي. 

وخشية فقدان السيطرة على الوباء، بعد تضاعفه 7 مرات منذ بداية أكتوبر/تشرين الأول الحالي، فرضت سلطات نابلولي وكامبانيا إجراءات صارمة وحظر تجوال ليلي من الحادية عشرة مساء. المحتجون يرون في الإجراءات الحكومية ضربا لمصالحهم الاقتصادية، وخصوصا أصحاب المقاهي والمطاعم، فيما آخرون يرون فيها "مؤامرة" تستهدف الحريات الشخصية للناس. 

توسع اتهامات السلطوية والتآمر

ومن المثير أن تفاوت الإجراءات الصارمة لم يؤثر على تنامي حدة الرفض الشعبي والحزبي، وبالأخص التقاء محتجي شوارع أوروبية في شهري أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول الماضيين على اعتبار فرض الكمامات إجراءات تمس "الحريات"، وهو أيضا ما تشهده التحركات الحالية على أبواب فصل الشتاء مع اتساع الموجة الثانية من الوباء، بحسب الحكومات الأوروبية.  

ويتسع مع الوقت نطاق الاحتجاج الأوروبي ليصل إلى بعض دول اسكندينافيا، كالسويد والدنمارك. فقد ظهر في كوبنهاغن خطاب يمين وسط غير مسبوق عن "ضرورة الحفاظ على الديمقراطية"، وهو يوجه اتهامات لحكومة يسار الوسط بانتهاج "سياسة بعيدا عن انخراط المشرعين والشعب فيها"، كما ذهب رئيس حزب "فينسترا"، الليبرالي، ياكوب المان يانسن، مساء الجمعة وأمس السبت. 

تقارب خطاب معسكر الرفض للإجراءات في أكثر من دولة أوروبية، مع اختلاف الأسباب المباشرة للاحتجاجات، يشير إلى تشكل رأي عام يتخذ من "الخشية على الديمقراطية" سببا للتمرد. 

وتمكن ملاحظة اتساع رقعة الاحتجاجات على الكمامات (كما حدث في لندن وبرلين وبروكسل وكوبنهاغن  في 29 أغسطس/آب الماضي)، مع خطابين سياسي وإعلامي مشكك بتصرفات الحكومات. 

تقارب خطاب معسكر الرفض للإجراءات في أكثر من دولة أوروبية، مع اختلاف الأسباب المباشرة للاحتجاجات، يشير إلى تشكل رأي عام يتخذ من "الخشية على الديمقراطية" سببا للتمرد

وكانت توقعات بعض الخبراء، ومن بينهم مختصون في العلوم، مثل الأيرلندي دافيد غريمز، تذهب نحو قراءة "المزيد من الاحتجاجات الشعبية، ففرض تشديد إجراءات سينظر إليه على أنه سياسي أكثر مما هو طبي".  

ويرى هؤلاء المختصون أن الشارع عرضة لحرب شائعات وتأثير خارجي. وذهب موقع "يورو أوبزرفر" في 24 سبتمبر/أيلول الماضي إلى تحذير خبراء أوروبيين من أن تشديد الإجراءات ربما ينتج مزيدا من حركات احتجاجية.  

وفي التقرير نفسه، أعاد بعض مسؤولي الاتحاد الأوروبي التحذير من "تأثير روسي وصيني" على الشارع الأوروبي "بموجات هائلة من الأكاذيب والمعلومات المضللة". واستحضر هؤلاء ما حصل في مايو/أيار الماضي بانتشار نظرية المؤامرة عن فيروس كورونا ومسؤولية الجيش الأميركي في ذلك "من خلال نشر مؤيدين للكرملين أخبارا زائفة، وفشل السلطات الأوروبية بمواجهة الجائحة، قبل انتشار الوباء في روسيا"، كما نقل "يورو أوبزرفر" عن أحد مسؤولي الاتحاد الأوروبي دون تسميته.  

ومنذ سبتمبر/أيلول الماضي، تحذر سلطات بعض الدول من انتشار نظرية المؤامرة، وتعالي الأصوات المحرضة على التمرد على القرارات السياسية والصحية في أوروبا.

اتساع تنظيرات (QAnon) 

وتلعب الحالة النفسية التي تعيشها المجتمعات دورا في شيوع نظرية المؤامرة، التي بدأت على أن الأمر يتعلق بصراع على لقاح وإلقاء المسؤولية على التغيرات المناخية، وتقنيات"5 جي"، وأخيرا نظرية "الدولة العميقة" التي خرجت بها جماعة "كيوأنون".

وبحسب تقرير متخصص في مجلة "بوليتكو-أوروبا"، ليوم أول من أمس الجمعة، فإن المؤمنين بنظرية المؤامرة، من جماعة "كيوأنون" الأميركية، باتوا جزءا رئيسا من مشهد الاحتجاجات في القارة الأوروبية. ورأى التقرير أن "كيوأنون" انتقلت من الضفة الأميركية عبر الأطلسي إلى أوروبا، لتصبح أرضية لحركات الاحتجاج والشعبويين، والمؤمنين عموما بنظرية المؤامرة.

 وكشفت "بوليتكو" عن وجود عشرات الآلاف ممن يناقشون بـ6 لغات كيفية تنسيق الحركات الاحتجاجية على امتداد القارة الأوروبية.  

ويؤمن المؤيدون لنظرية المؤامرة بخليط من الأفكار حول "أزمة فيروس كورونا". ويعتقد الباحث في شؤون الإنترنت بجامعة أكسفورد، جوناثان برايت، أن فترة فيروس كورونا "جعلت الناس يقضون وقتا أطول على الشبكة الإلكترونية، حيث تصادفهم محتويات معارضة للقاح ونظريات مؤامرة أخرى". 

 ورأى برايت، بحسب "بوليتكو"، أن أفكار "كيوأنون" تنتشر بشكل واسع على فيسبوك ويوتيوب، رغم إزالة الكثير من محتوياتها من قبل المنصتين. 

ويذهب المحتجون الأوروبيون إلى الاعتقاد بوجود "دولة عميقة"، على الطريقة الأميركية، تتحكم بالعالم، ويتهم هؤلاء المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، بأنها "دمية بيد النخبة العالمية"، وأن سياسات الإغلاق المنتهجة بسبب كورونا هي "عملية غير ديمقراطية"، وعليه تجري مهاجمة الحكومات والإدارات الأوروبية الحاكمة. 

ونظرية المؤامرة تلك باتت تنتشر من الشمال الأوروبي إلى بريطانيا وصولا إلى البرتغال. 

وذكر تقرير "بوليتكو" أن الاحتجاج على الإجراءات الحكومية الأوروبية لمواجهة الجائحة يرى مناصرو "كيوأنون" على أنها جزء من الاحتجاج على إجراءات الحكومة العالمية الخفية. 

وفي النسخة البريطانية لـ"كيوأنون"، بعنوان "استيقظوا، الأمر لا يتعلق بالفيروس، فإعادة الضبط العظيمة قادمة"، يذهبون إلى حد اعتبار الأمير تشارلز جزءا من مؤامرة تتعلق بالنظام العالمي. وتجد أفكار "كيوأنون" انتشارا ونموا بين مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية، حيث تُقدم نظريات مختلفة للاختيار بينها، وهو ما يعتبره الخبراء معلومات مضللة. 

وولدت مجموعة "كيوأنون" في الولايات المتحدة الأميركية في عام 2017، من خلال نشر أحدهم لنظريات باسم حرف "كيو" عن وجود مؤامرة ضد رئاسة دونالد ترامب من "الحكومة العالمية العميقة".