كمبوديا ساحة تنافس بين الولايات المتحدة والصين

08 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:03 (توقيت القدس)
جنود صينيون في قاعدة ريام الكمبودية، 5 إبريل 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد العلاقات بين كمبوديا والولايات المتحدة تحسنًا ملحوظًا مع استئناف مناورات "أنجكور سنتينال" وزيارة سفينة البحرية الأميركية، مما يعكس اهتمامًا أميركيًا متجددًا بالمنطقة.
- تتمتع الصين بنفوذ كبير في كمبوديا، حيث ساهمت في تحديث الجيش وبناء مرافق جديدة، بينما تؤكد كمبوديا على انفتاحها على جميع القوات البحرية الصديقة.
- تسعى الولايات المتحدة لتعزيز نفوذها في المنطقة ومزاحمة الصين، بينما تحاول كمبوديا تحقيق مكاسب بعيدة عن الاستقطاب، مما يعكس استقلالية في سياستها الخارجية.

يبدو أنّ الصين باتت تشعر بالقلق إزاء العلاقات المتنامية بين كمبوديا والولايات المتحدة، في ظلّ الحديث عن إعادة إحياء التدريبات العسكرية بين البلدين، وهي الخطوة التي اعتبرها مراقبون تشير إلى تجدد الاهتمام الأميركي بالمنطقة وتسمح لكمبوديا بإعادة تقييم علاقاتها الاستراتيجية خارج الصين.

ومن المقرر استئناف مناورات "أنجكور سنتينال" المجمدة منذ فترة طويلة، عقب اجتماع بين وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ونظيره الكمبودي تاي سيها، على هامش قمة الأمن الإقليمي التي عقدت في ماليزيا الأسبوع الماضي. وذكرت تقارير غربية أن إحدى القضايا الرئيسية في اجتماع الوزيرين، كانت قاعدة ريام البحرية التي جرى تحديثها بمساعدة الصين، ما أثار مخاوف أميركية من أن بكين قد تحول القاعدة إلى موقع بحري تابع لها على غرار قاعدة جيبوتي، وأشارت إلى أنه جرت مناقشة إمكانية انضمام هيغسيث لزيارة مستقبلية لسفينة حربية أميركية إلى قاعدة ريام.

وكانت الولايات المتحدة قد جمّدت مناورات "أنجكور سنتينال" عام 2017، بعد أن أثارت واشنطن مخاوف بشأن تراجع الديمقراطية في كمبوديا، إذ حلّت المحكمة العليا آنذاك حزب "الإنقاذ الوطني الكمبودي" المعارض الرئيسي، واعتقلت زعيمه بتهمة الخيانة، ومنعت أكثر من 100 شخصية معارضة بارزة من ممارسة السياسة.

تحسن العلاقات بين كمبوديا وأميركا

وشهدت العلاقات الثنائية بين كمبوديا وأميركا تحسناً خلال الأشهر القليلة الماضية في جوانب تجارية ودفاعية، إذ عقد الجيشان في يوليو/تموز الماضي أول حوار دفاعي ثنائي رسمي منذ ثماني سنوات. جاء ذلك في أعقاب زيارة للميناء قامت بها سفينة البحرية الأميركية "يو إس إس سافانا"، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، كما توسطت واشنطن أخيراً بين كمبوديا وتايلاند بشأن نزاعهما الحدودي.


ياو بين: تعزيز العلاقات مع كمبوديا يشير إلى رغبة أميركية في مزاحمة الصين وخنقها


من جهتها، تتمتع الصين بنفوذ واسع النطاق في كمبوديا، بما في ذلك العلاقات العسكرية القوية التي تتميز بالمناورات المشتركة والمساعدات العسكرية والتعاون في مجال التدريب، وقد ساهمت كثيراً في تحديث الجيش الكمبودي، وقامت بتمويل وبناء مرافق جديدة في قاعدة ريام، بما في ذلك رصيف كبير قادر على استضافة السفن الحربية، مثل حاملات الطائرات، بالإضافة إلى بناء مكتب لوجستي لتقديم الخدمات الفنية. ومع ذلك أكدت بنوم بنه مراراً أن بكين لا تتمتع بحق الوصول الحصري إلى القاعدة، التي هي مفتوحة أمام جميع القوات البحرية الأجنبية الصديقة، وشدّدت على لسان مسؤوليها أنها لا ترغب في الوقوع في فخ التنافس والاستقطاب القائم بين قوتَين عظيمتَين بحجم الصين والولايات المتحدة.

وفي تعليقه على التقارب الأميركي الكمبودي، قال أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جنوب الصين، ياو بين، في حديث لـ"العربي الجديد"، إنّ الصين لا تمارس الحجر على حلفائها وشركائها في المنطقة، ولا تتدخل في شؤون الدول الأخرى والطريقة التي يديرون فيها علاقاتهم الدولية، ما دام ذلك قائماً على أساس من التعاون الاحترام المتبادل وتحقيق المصالح المشتركة. وأضاف أن المزاعم الغربية بشأن هيمنة بكين على قاعدة ريام البحرية، لا أساس لها من الصحة، لأنّ العمليات الصينية تندرج ضمن اتفاقيات ثنائية واضحة ومعلنة، لكنّه اعتبر أن الولايات المتحدة، تستخدم هذه المزاعم لتوسيع مظلتها الأمنية في المنطقة، عبر تسويق ما بات يعرف باسم فزاعة التهديد الصيني.

رغبة أميركية بمزاحمة الصين

وعن مخاوف بكين بشأن تنامي العلاقات بين واشنطن وبنوم بنه، أوضح ياو بين أن الصين تتابع عن كثب هذه التطورات، وترصد جميع ما يصدر من أقوال وأفعال تتعلق بالأنشطة الأميركية في منطقة المحيطَين الهندي والهادئ، لافتاً إلى أن تعزيز العلاقات الذي بدأ في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يشير إلى رغبة أميركية في مزاحمة الصين وخنقها ومحاولة التأثير على مصالحها في منطقة استراتيجية، فضلاً عن توجه الإدارة الجديدة لاستعادة النفوذ بعد فترة من الفتور الذي تسبب في أزمة ثقة بين الولايات المتحدة وشركائها التقليديين.


تشاو يين لونغ: الدخول الأميركي في كمبوديا يمنح شعوراً بالأمن لدول المنطقة الصغيرة نسبياً


في المقابل، رأى الباحث في العلاقات الدولية المقيم في هونغ كونغ، تشاو يين لونغ، في حديث مع "العربي الجديد"، أن الخطوة الأميركية تهدف إلى طمأنة الحلفاء، وتأكيد الدور الأميركي الرادع للأنشطة الصينية التي عادة ما تتخفى وراء سواتر اقتصادية لفرض النفوذ والهيمنة. وقال إنّ واشنطن لطالما أعربت عن مخاوفها من منح بكين حق الانتشار العسكري في قاعدة ريام، ضمن اتفاقيات ثنائية ربما تكون مجحفة، لأنها تقوم بالأساس على استغلال التردي الأمني والاقتصادي الذي عاشته كمبوديا خلال السنوات الأخيرة.

ولفت إلى أن الدخول الأميركي على هذا الخط يمنح شعوراً بالأمن لدول المنطقة الصغيرة نسبياً التي لديها نزاعات مع الصين، مثل تايوان، ويظهر أن واشنطن لن تسمح لبكين بممارسة الترهيب واستخدام الاقتصاد جزرةً في نسج العلاقات ومحاولة التأثير على صناعة القرار في هذه الدول، كما أن قبول كمبوديا، وسعيها إلى تعزيز العلاقات الدفاعية مع واشنطن، على الرغم من علاقتها الجيدة مع بكين، يشير إلى هامش من الاستقلالية والحرية في تحقيق المكاسب والمصالح بعيداً عن حالة الاستقطاب.

يشار إلى أن رئيس الوزراء الكمبودي هون مانيت، كان من ضمن القادة القلائل الذين رشحوا ترامب لجائزة نوبل للسلام في أغسطس/آب الماضي. جاء ذلك، بعد أن توسط ترامب عبر مكالمة هاتفية مع زعيمَي كمبوديا وتايلاند في يوليو/تموز الماضي، في وقف إطلاق النار بين الجارتَين المتناحرتَين في جنوب شرق آسيا، قبل أن يشهد توقيع الاتفاق في أكتوبر/تشرين الأول وينسب الفضل في ذلك لنفسه. لكن الصين نفت ذلك، وقالت على لسان رئيسها شي جين بينغ، خلال قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا أخيراً، إنها شاركت في خفض التصعيد بطريقتها الخاصة، ما يشير إلى حجم التنافس في المنطقة بين بكين وواشنطن.