كالين جورجيسكو شعبوي مؤيد للانسحاب من ناتو يتقدم في رئاسيات رومانيا

26 نوفمبر 2024   |  آخر تحديث: 15:03 (توقيت القدس)
المرشح الرئاسي كالين جورجيسكو في محطة التلفزيون الرومانية، 13 نوفمبر 2024 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- كالين جورجيسكو، المرشح المستقل واليميني الشعبوي، حقق تقدمًا مفاجئًا في الانتخابات الرئاسية الرومانية بحصوله على 22% من الأصوات، مما يستدعي جولة ثانية في ديسمبر.
- جورجيسكو يثير الجدل بمواقفه المناهضة للاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وجذب شريحة كبيرة من الشباب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، رغم ملاحقته قانونيًا بسبب مواقفه المتطرفة.
- فوز جورجيسكو قد يؤدي إلى تغييرات جذرية في السياسة الخارجية لرومانيا، مما يثير مخاوف بشأن استقرار العلاقات الغربية-الرومانية، ويعكس صعود التيارات اليمينية الشعبوية في أوروبا.

حقق المرشح "المستقل" في رومانيا كالين جورجيسكو، الأحد، تقدما على المرشحين الآخرين نحو الرئاسة، بينهم رئيس الوزراء مارسيل سيولاكو، وذلك بحصوله على نحو نسبة 22%، ما يضطر البلاد إلى الذهاب نحو جولة ثانية في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول المقبل.

النتيجة كانت مفاجئة لأوروبا وللطبقة السياسية، التي استهترت بجورجيسكو، الذي واصل إطلاق مواقف سياسية ضد الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفتحه النار على النخبة في بلده. ويصنف جورجيسكو (62 سنة)، الآتي من خارج التوليفات الحزبية، وهو أستاذ جامعي في كلية الطب البيطري في بوخارست، وعمل موظفاً في وزارة البيئة، بأنه يميني شعبوي. تعهد هذا الأخير في حملته بمراجعة عضوية بلده في الحلف الأطلسي، كما ردد ذلك في مقاطع الفيديو التي بثها على المنصة الصينية "تيك توك"، حيث يتابعه ما لا يقل عن 280 ألفاً من مراهقي وشباب رومانيا، ويحصد ملايين المشاهدات.

حاول الحزب الشعبوي "تحالف اتحاد الرومانيين"، بين 2020 و2021، ترشيحه إلى منصب رئاسة الحكومة، لكنه تراجع عن الفكرة بعدما ذهب جورجيسكو بعيداً بشعبويته المتطرفة. ففي غضون السنوات الأخيرة أبدى تعاطفاً مع الديكتاتور السابق نيكولاي تشاوتشيسكو، الذي حكم البلاد منذ 1967 إلى أن أعدم مع زوجته إيلينا في ثورة شعبية وانقلاب أمني في ديسمبر/ كانون الأول 1989. ليس ذلك فحسب، بل ذهب إلى إبداء تعاطفه مع النازيين، وبصورة خاصة مع قائد الجيش ورئيس حكومة التحالف الروماني مع النازيين أيون أنتونيسكو (توفي عام 1946).

ملاحقة المدعي العام الروماني له بحجة إبداء مواقف مؤيدة لأشخاص ارتكبوا أعمال إبادة جماعية لم تقلص شعبيته، كما أظهرت نتائج تصويت الأحد.

بوتين "البطل"... أوربان "الماهر"

حال فوزه سيخلف جورجيسكو الرئيس الحالي كلاوس يوهانيس، المؤيد لاستمرار عضوية بلده في الناديين الغربيين، الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي. وذلك أمر يثير مخاوف وضبابية حول مستقبل العلاقة الغربية-الرومانية خلال سنوات خمس من رئاسته، لكونه يحمل لقب القائد العام للقوات المسلحة، ويمثل رومانيا في اجتماعات "الأوروبي" و"الأطلسي".

وفي السياق الأوروبي الأوسع، يمثل تقدم جورجيسكو "باروميتراً" لقياس ما يمكن أن تصير عليه الخريطة الحزبية-السياسية في القارة العجوز إذا ما حققت الأحزاب اليمينية-الشعبوية المزيد من الشعبية على المستوى القاري. في موقفه من الحرب الروسية على أوكرانيا لا يختلف كثيراً عن مواقف ذلك التيار الأوروبي المتذمر من استمرار انخراط دوله في الحرب، لانعكاساتها على جيوب الأوروبيين واقتصاداتهم، وخصوصاً أن رومانيا نفسها تعد واحدة من الدول الأوروبية الفقيرة. ومن وجهة نظره تساهم مشاركة أوروبا في الحرب إلى جانب أوكرانيا بمزيد من التضخم وأزمات الطاقة والاقتصاد في دولها، وهي نظرة يتفق عليها اليمين القومي المحافظ والشعبويون في القارة.

وقوفه ضد الحلف الأطلسي، خصوصاً مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بمواقف مقلقة حول التزامه الحقيقي بالتحالف والدفاع عن أوروبا، يعني أن ناتو يمكن أن يعاني في جبهته الجنوب شرقية. فقد ضُبط هذا المنافس على رئاسة رومانيا وهو يمتدح في 2022 الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، واصفاً إياه بأنه بطل وأنه "احد قادة العالم الحقيقيين"، وبالطبع دون أن ينسى إعجابه بـ"المهارات التفاوضية" لمثله الأعلى في الشعبوية القومية رئيس حكومة المجر فيكتور أوربان، ويقصد هنا ضغوط أوربان على الاتحاد الأوروبي لتحقيق بعض المصالح القومية لبلده. ولا يعتقد جورجيسكو أن رومانيا بحاجة لعضوية شمال الأطلسي، باعتبار أنه لا يمكن الاعتماد عليه إذا ما تعرض بلده لهجوم.

وبافتراض أن كالين جورجيسكو سيحقق بالفعل نتيجة أكثر من 50% في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في الثامن من الشهر المقبل، فإن مخاطر تطبيق تعهده بالانسحاب من ناتو، وتعكير إضافي لوحدة موقف القارة، تبقى ماثلة أمام هذا الحلف الذي يعيش أوضاعاً صعبة في جبهته الأوروبية، وذلك مع احتدام وتوسع المواجهة مع روسيا، والخشية من تطاير شرر الحرب الأوكرانية نحوها، إلى جانب أن حلف ناتو وسّع في السنوات الأخيرة انتشاره العسكري في رومانيا، فإنه باشر، من بين أمور أخرى، في إنشاء قاعدته الأكبر في القارة الأوروبية، وهي قاعدة ميهاي كوجالنتيسا، على بعد نحو 300 كيلومتر من أوديسا الأوكرانية و400 كيلومتر من قاعدة سيفاستوبول في شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا في 2014. وقاعدة ميهاي مقرر لها أن تكون أكبر من رامشتاين في ألمانيا، ويعول عليها لتكون إحدى بوابات حصون الحلف الذي يجهد لتعزيزها بعد 2022. وينتقد المرشح جورجيسكو احتضان بلده لهذه القاعدة ونشر قوات 32 دولة من ناتو فيها، باعتباره نوعاً من الاستفزاز لروسيا.

في كل الأحوال، مهما كانت نتيجة الجولة الثانية المقبلة، فإن وصول جورجيسكو إليها يعكس نوعاً من التذمر بين الرومانيين ونظرتهم إلى الاتحاد الأوروبي والأطلسي. فنغمة إلقاء اللائمة على حرب أوكرانيا ومساهمتها في استنزاف خزائن الأوروبيين، تحت مظلتي الحلفين الغربيين، لا تخص هذا البلد الأوروبي الفقير فحسب. هي نغمة تنتشر في معسكرات أوروبية قومية محافظة وشعبوية، بعضها بصوت مسموع كما في حالة المجري أوربان، وأخرى خافتة في جنوب القارة وبين أحزاب في غربها ممن لا ينظرون إلى "الخطر الروسي" بمستوى نظرة بعض شرق وشمال القارة.

أضف إلى ذلك أن هذا التيار الأوروبي ربما يشعر بمواتاة رياح عودة ترامب إلى البيت الأبيض. فهو جرب في فترته السابقة تحفيز تيار اليمين الشعبوي الأوروبي على رفع عيار خطابه المتشدد، من خلال محاولة تنسيق وتوحيد أطرافه عبر مستشاره السابق ستيف بانون.

مع ذلك، وإذا كان لا شيء مستبعداً في السياسة فإنه ليس من المستبعد أن يكون تصويت الرومانيين في الجولة الأولى، الأحد الماضي، تصويتاً احتجاجياً من الشعب (نحو 20 مليون نسمة)، ضد النخب السياسية وأحزابها التقليدية وعلى خلفية تأثر بلدهم بحرب أوكرانيا، وخصوصاً قطاع الزراعة والطاقة في رومانيا بعد توقف الغاز الروسي الرخيص، حيث سرعان ما يعود الناخبون بعد إيصال رسالتهم الاحتجاجية إلى اختيار مرشح أكثر واقعية.

المساهمون