كاسبار فيلدكامب... استقالة تفضح تواطؤ حكومة هولندا
استمع إلى الملخص
- أثرت الحرب على السياسة الأمريكية، حيث استقال موظفون في الخارجية وحدث انقسام داخل الحزب الديمقراطي، بينما في أوروبا يتزايد الجدل حول الرد على حرب التجويع الإسرائيلية.
- تواجه الحكومة الهولندية دعاوى لعدم فرض عقوبات على إسرائيل، بينما تستمر إسبانيا في التعاون الاقتصادي والاستراتيجي مع إسرائيل رغم الانتقادات.
أصبح وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال الهولندية، كاسبار فيلدكامب، أول من أمس الجمعة، أول وزير يستقيل في حكومة غربية، بسبب حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، وأول وزير غربي تكون إسرائيل، علناً، السبب وراء تركه منصبه مع وزراء آخرين من حزبه، ما أدخل الحكومة الهولندية بأسرها، في أزمة، بانتظار موعد الانتخابات. وبينما هناك من يرى أن الغرب فاقد الحيلة أمام بطش إسرائيل، تعيد استقالة فيلدكامب إظهار حجم التواطؤ الرسمي الغربي مع الإبادة، وما كان من الممكن أن يكون الوضع عليه، لو كانت حكومات الغرب منذ بداية الحرب، اتخذت موقفاً حاسماً وعاجلاً وموحداً لتفادي استشهاد أكثر من 62 ألف غزّي حتى اليوم. تواطؤ تتداخل فيه المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية، ما يجعل من استقالة فيلدكامب الأخلاقية، رمزية، لكنها تضاف رغم ذلك إلى ما يُمكن البناء عليه من تصاعد التململ والغضب في الغرب من غطرسة الاحتلال ورئيس حكومته بنيامين نتنياهو، وتبدل الصورة بشكل جذري عن إسرائيل.
دفعت حرب غزة إلى استقالة موظفين رفيعين في الخارجية الأميركية
وأدت غزة دوراً في خسارة الديمقراطيين المعركة الرئاسية الأميركية العام الماضي، ودفعت إلى استقالة موظفين رفيعين في الخارجية الأميركية بقيادة الوزير السابق أنتوني بلينكن، وأدّت إلى شرخ داخل الحزب الديمقراطي الأميركي بما يتعلّق بدعم إسرائيل، وكان ذلك أول الاستقالات والخسارات السياسية وأبرزها التي تسبّبها حرب الإبادة في غزة. أما في القارة الأوروبية، فيتصاعد الجدل داخل الحكومات في أكثر من بلد، حول الطريقة الأكثر ملاءمة للردّ على حرب التجويع الإسرائيلية، حيث الانقسام عمودي وأفقي، إذ يبدو جلّياً بين دول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً، في كيفية مقاربة القضية من منظور استراتيجي، وبين الحكومات والرأي العام الشعبي، حيث قدّم الشارع مشاهد راقية من الدعم والضغط والتعاطف مع الفلسطينيين، فيما بقيت الاستجابة لصوت الشارع، تُعادل الصفر.
التفافات متشابهة
وفي هولندا، يتصاعد الجدل داخل حكومة تصريف الأعمال التي يقودها ديك شوف، حول مسألة فرض عقوبات على إسرائيل، علماً أن الحكومة الهولندية الحالية كانت وراء الدفع في الاتحاد الأوروبي، لمراجعة اتفاق التجارة مع دولة الاحتلال، وهي مراجعة لم تؤد إلى تعليق هذا الاتفاق، بعد، مع مناورات إسرائيلية – أوروبية، يقودها الجناح الواسع الداعم لدولة الاحتلال داخل الاتحاد، للالتفاف على أي حراك من شأنه إلحاق ضرر كبير بالعلاقات. هذا الالتفاف، ينطبق تماماً، على الحالة الهولندية، وهو شبيه إلى حدّ كبير بما يجري في إسبانيا، حيث لم تنجح حكومة بيدرو سانشيز، في وقف التعاون العسكري مع إسرائيل، رغم موقف سانشيز نفسه، وعدد من وزرائه، ونائبته الثانية يولاندا دياز.
وللمفارقة، فإن الوزير الهولندي المستقيل فيلدكامب، شغل في السابق منصب سفير بلاده لدى دولته الاحتلال، وأكد أول من أمس، أنه استقال من حكومة تصريف الأعمال بسبب موقفها من العدوان على غزة، وفشله في فرض تدابير إضافية ضد إسرائيل. وأوضح فيلدكامب، أن حكومة شوف الائتلافية، لا تؤيد اتخاذ إجراءات إضافية ضد دول الاحتلال بسبب حرب غزة وخطط حكومة بنيامين نتنياهو في الضفة الغربية المحتلة. وقال للصحافيين: "شعرت بمقاومة داخل مجلس الوزراء لاتخاذ تدابير إضافية". وكانت حكومة هوف قد انهارت في يونيو/حزيران الماضي، مع استقالة وزراء من اليمين المتطرف فيها، ومن المتوقع أن تبقى إلى حين تشكيل حكومة بعد انتخابات أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وهو أمر قد يستغرق شهوراً.
وينتمي فيلدكامب إلى حزب العقد الاجتماعي الجديد، وقد استقال بقية وزراء الحزب في الحكومة عقب قرار وزير الخارجية. ويضم حزب العقد الاجتماعي الجديد في الحكومة الهولندية إلى جانب فيلدكامب، نائباً لرئيس الوزراء، وثلاثة وزراء، وأربعة وزراء دولة. وسبق أن دعا فيلدكامب في اجتماعات البرلمان، الخميس الماضي، إلى فرض مزيد من التدابير والعقوبات على إسرائيل. إلا أن أحزاباً أخرى في الحكومة الائتلافية، مثل حزبي الشعب من أجل الحرية والديمقراطية، وحركة المزارعين والمواطنين، نفت أن تكون قد طرحت عليها خطوة من هذا النوع. ونقلت بعض وسائل الإعلام المحلية، عن شوف، قوله، إثر الاستقالة، إنه "يأسف" لها، دون تقديم المزيد من التفاصيل.
وبكل الأحوال، لا يتناسق إعلان الأمم المتحدة، أخيراً، ورسمياً، عن تفشي المجاعة في محافظة غزة، من ضمن حرب الإبادة الإسرائيلية التي يعيشها القطاع منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع ردّة فعل الحكومات الغربية تجاه الإعلان. إذ بينما تواصل إسرائيل عدوانها في القطاع والضفة، وتتعامل مع الدول التي تحاول معاقبتها بالحدّ الأدنى، بمنطق المعاملة بالمثل (منع رئيس بلدية برشلونة من دخول البلاد، ومعاقبة دبلوماسيين أستراليين)، كما تردّ على عزم دول غربية الاعتراف بدولة فلسطين، بتوسيع الاستيطان بالضفة والتخطيط لفصلها عن القدس المحتلة بمشروع استيطاني ضخم، لا يزال الردّ الغربي على فظائع الاحتلال خجولاً، واستعراضياً أكثر منه فاعلاً، لا سيما في القارة الأوروبية، بسبب حدة الانقسام، والمصالح الاستراتيجية مع دولة الاحتلال.
دعاوى ضد الحكومة الهولندية
وفي هولندا، تواجه الحكومة دعاوى محلية عدة، بسبب عدم فرض عقوبات على إسرائيل. ففي 3 سبتمبر/أيلول الماضي، من المقرّر أن تستمع محكمة الاستئناف الهولندية، لدعوى مرفوعة ضد الحكومة، من مركز "سومو" الحقوقي (مركز الأبحاث حول الشركات المتعددة الجنسية) وتسع منظمات فلسطينية وهولندية، حيث تطالب الدعوى بإنهاء دور هولندا في تمكين الاحتلال من الاستمرار في حرب إبادته.
استحواذ إسبانيا على معدات دفاعية وأمنية من إسرائيل واسع جداً
وفي تقرير له نشره في 28 يوليو/تموز الماضي، يشرح "سومو" بالتفصيل، كيفية التفاف الحكومة الهولندية على القانون الإنساني الدولي، والمساهمة في حرب الإبادة، مذكّراً بعلاقات التجارة والاستخبارات القوية بين هولندا وإسرائيل، لافتاً إلى أن الحكومة الهولندية الحالية تواصل الاعتماد في علاقاتها مع دولة الاحتلال، على نظام آليات مقوننة، مصممة خصيصاً للهروب من المساءلة. ووفق "سومو"، لا يتعلق الأمر بمسألة "اقتصادية"، بل بـ"اقتصاد سياسي يدعم ويستفيد من فظائع" إسرائيل.
ينطبق الأمر ذاته، على إسبانيا، حيث يكثر الكلام داخل حكومة بيدرو سانشيز، بينما تقلّ الأفعال. اليونان، مثال آخر عن انفصام الحكومة عن الشارع، خصوصاً إذا ما قورن الدعم اليوناني الرسمي اليوم لدولة الاحتلال، بالموقف التاريخي لليونان من القضية الفلسطينية، حيث كان هذا البلد من آخر الدول الأوروبية التي اعترفت بإسرائيل. أما دول شرق أوروبا، وألمانيا، فتميل بشكل لا لبس فيه لدولة الاحتلال.
وأكد موقع "موديرن دبلوماسي"، في 22 يونيو/حزيران الماضي، أنه "وراء السطور، فإنّ هناك تعاوناً اقتصادياً واستراتيجياً عميقاً بين دولة الاحتلال وإسبانيا". وبحسب الموقع، فإن استحواذ إسبانيا على معدات دفاعية وأمنية من إسرائيل واسع جداً، وتقول معطيات الموقع أنه منذ حرب غزة، فإن هذه الواردات وصلت إلى مليار يورو. وذكّر الموقع بما أكده جنرال إسباني رفض الكشف عن اسمه لصحيفة إل موندو، بأنه "من المستحيل وقف شراء التكنولوجيا الإسرائيلية، هذا الأمر يجعلنا ضعفاء ومكشوفين".