قناة بنما... الصين في قلب العاصفة الأميركية

05 فبراير 2025   |  آخر تحديث: 04:12 (توقيت القدس)
بنميون يشاهدون سفينة تعبر القناة، 22 يناير 2025 (مارتن بيرنيتي/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- التوترات حول قناة بنما: قدم رئيس بنما تنازلات لتهدئة المخاوف الأمريكية بشأن النفوذ الصيني في القناة، مما أثار غضب الصين. تعتبر القناة شرياناً حيوياً للتجارة العالمية، وتشارك الشركات الصينية في مشاريع البنية التحتية حولها، مما يقلق الولايات المتحدة.

- التحركات الدبلوماسية: زار وزير الخارجية الأمريكي بنما لتهدئة المخاوف، بينما أكدت الصين احترامها لسيادة بنما. أشار رئيس بنما إلى عدم تجديد مشاركة بلاده في مبادرة "الحزام والطريق"، مما اعتبرته الصين خطوة مؤسفة.

- الأبعاد الاقتصادية والسياسية: الصين شريك تجاري رئيسي في أمريكا اللاتينية، وتسعى لتعزيز وجودها الاقتصادي والسياسي عبر "الحزام والطريق"، مما يثير مخاوف واشنطن من تهديد أمنها القومي وتقويض نظام التجارة العالمي.

يبدو أن التنازلات التي قدمها رئيس بنما خوسيه راؤول مولينو لتهدئة مخاوف أميركا بشأن قناة بنما والدور الصيني بدأت تؤتي ثمارها، مع إعراب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عن اعتقاده بأن زيارته إلى العاصمة بنما سيتي، الأحد الماضي، "ستحقق على الأرجح أشياء جيدة تخفف من المخاوف التي تعترينا". لكن هذه التطمينات لأميركا أغضبت الصين، التي أسفت لانسحاب بنما من مبادرة "الحزام والطريق". وتعتبر قناة بنما التي تربط بين المحيطين الأطلسي والهادئ، شرياناً حيوياً للتجارة العالمية. وتعد الولايات المتحدة أكبر مستخدم للممر المائي، ولكن من بين المستخدمين الرئيسيين الآخرين هناك الصين وتشيلي واليابان وكوريا الجنوبية. وتدير شركة "سي كيه هاتشيسون هولدينغ" ومقرها في هونغ كونغ، موانئ على سواحل المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ منذ العام 1997، لكن لا يوجد دليل على سيطرة الحكومة الصينية على القناة، بحسب مجلس العلاقات الخارجية (وهو منظمة أميركية مستقلة غير حزبية). ومع ذلك، شاركت الشركات الصينية بشكل كبير في مشاريع البنية التحتية حول القناة في السنوات الأخيرة.

تهدئة "المخاوف" الأميركية بشأن قناة بنما

وبعد ساعات من تحذير روبيو في بنما سيتي، الأحد الماضي، من أن واشنطن ستتخذ الإجراءات اللازمة إذا لم تتخذ بنما خطوات فورية لإنهاء ما يراه الرئيس دونالد ترامب سيطرة الصين على قناة بنما، خفف وزير الخارجية الأميركي من حدة تصريحاته، مشيراً إلى أن الزيارة "ستخفف" من المخاوف الأميركية. وقال روبيو، لدى وصوله إلى السلفادور مساء أول من أمس الاثنين، بشأن المحادثات التي أجراها مع المسؤولين البنميين: "كانت زيارة جديرة بالاهتمام ومحترمة للغاية. أعتقد أنها ستحقق على الأرجح أشياء جيدة تخفف من المخاوف التي تعترينا". وأضاف: "سنرى مع الوقت، سنرى، لكن ينتابني شعور جيد حيال ذلك"، معتبراً أن إشارة مولينو إلى أن بلاده لن تجدد مشاركتها في مبادرة "الحزام والطريق" الصينية خطوة "جيدة". وكان روبيو، الذي قام بأولى رحلاته الخارجية منذ توليه منصبه، إلى بنما الواقعة في أميركا الوسطى، قد شدد على أن وجود الصين في منطقة قناة بنما ينتهك معاهدة وقعتها الولايات المتحدة وبنما في 1977 تضمن أن تكون القناة محايدة ومفتوحة لجميع الدول، محذراً من أن بنما يجب أن تتخذ إجراءات فورية للحد من نفوذ الصين على قناة بنما وإلا فإن الولايات المتحدة ستتدخل.

جيانغ لي: الصين ليست الطرف المطلوب منه تفنيد الادعاءات الأميركية

وكان مولينو قد قدم، الأحد الماضي، تنازلات لتهدئة السلطات الأميركية، مقترحاً إجراء محادثات "تقنية" لمعالجة هواجس واشنطن المتصلة بالقناة، ومشيراً إلى أنه اقترح على روبيو أن تستخدم واشنطن بنما جسراً لترحيل المهاجرين غير النظاميين. كما أبلغ الرئيس البنمي الوزير الأميركي بأن بلاده لن تجدد اتفاقية التفاهم التي وقّعتها مع الصين في 2017 ضمن مبادرة "الحزام والطريق"، والتي تنتهي صلاحيتها العام المقبل، إلى جانب إجراء تدقيق شامل في شركة "موانئ بنما" وهي جزء من "موانئ هاتشيسون" التابعة بدورها لمجموعة "سي كيه هاتشيسون هولدينغ" في هونغ كونغ، وتدير ميناءي بالبوا وكريستوبال على طرفي القناة، وتقديم النتائج إلى الولايات المتحدة.

وفي حين أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية تامي بروس في بيان، الأحد الماضي، أن روبيو نقل رسالة من ترامب مفادها أن وجود الصين، من خلال شركة مقرها هونغ كونغ تدير ميناءين بالقرب من مداخل قناة بنما يشكل تهديداً للممر المائي وانتهاكاً للمعاهدة بين الولايات المتحدة وبنما، أشادت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية ماو نينغ في إفادة صحافية، أول من أمس، بما قاله مولينو من أن سيادة بنما واستقلالها غير قابلين للتفاوض، وأن القناة لا تخضع لسيطرة أي قوة كبرى بشكل مباشر أو غير مباشر. وأضافت: لا تشارك الصين في إدارة وتشغيل قناة بنما ولا تتدخل مطلقاً في شؤونها، وتحترم دائماً سيادة بنما على أراضيها، وتعترف بالقناة باعتبارها ممراً مائياً دولياً محايداً بشكل دائم.

وفي نيويورك، شدد السفير الصيني لدى الأمم المتحدة فو كونغ في مؤتمر صحافي، مساء أول من أمس، بمناسبة تولي بلاده رئاسة مجلس الأمن لهذا الشهر، على ضرورة أن تتعاون الولايات المتحدة والصين بدلاً من زيادة الخلافات بينهما على الرغم من الاختلافات في الرأي والسياسات حول عدة قضايا. ورداً على سؤال حول تصريحات أميركية، بما فيها لترامب، عن سيطرة الصين على قناة بنما وإدارتها، قال فو كونغ "إن الاتهامات الأميركية الموجهة إلى الصين غير صحيحة"، ووصفها بـ"الباطلة"، مشدداً على أن بلاده "لم تشارك في إدارة وتشغيل قناة بنما ولم تتدخل قط في شؤون القناة، وتحترم سيادة بنما على القناة، وتعترف بالقناة بوابة دولية دائمة ومحايدة". وحول تصريحات مولينو بأن بلاده لن تجدد اتفاقية التفاهم بشأن مبادرة "الحزام والطريق"، أجاب الدبلوماسي الصيني: "إذا كان ما فهمناه صحيحاً وأنه يحاول عدم الاستمرار في مذكرة التفاهم، فإن ذلك مؤسف لأن مبادرة الحزام والطريق في المقام الأول مبادرة اقتصادية، والغرض منها هو بناء منصة للدول، وخاصة دول الجنوب العالمي، للتعاون الاقتصادي، وبالتالي لا علاقة لها بأي أجندة سياسية. لذا فإن التعاون الاقتصادي مفيد لجميع الأطراف".

شريك رئيسي للدول اللاتينية

واعتبر أستاذ العلاقات الدولية في مركز ونشوان للدراسات الاستراتيجية جيانغ لي، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الصين ليست الطرف المطلوب منه تفنيد الادعاءات الخاصة بموقف وخيارات بكين بشأن التحذيرات الأميركية من النشاط الصيني في قناة بنما، فهي شريك تجاري رئيسي في أميركا اللاتينية، وتعمل هناك، سواء في بنما أو دول أخرى، بموجب التعاقدات التي يجيزها القانون الدولي، مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي يصر على أن الصين تسيطر على قناة بنما في حين أن بنما تنفي هذا الادعاء، وتصر على أنها تدير القناة بشكل عادل لتسهيل حركة التجارة والنقل البحري. ولفت إلى أنه منذ أن بدأ ترامب الحديث عن استعادة القناة، سعى المسؤولون البنميون للحصول على توضيح من روبيو بشأن التنازلات التي قد ترضي واشنطن، وطالبوا بأدلة ملموسة على انتهاك المعاهدة المشتركة بين البلدين، لكن أياً من ذلك لم يحدث.

وأوضح جيانغ لي أن شركة "سي كيه هاتشيسون هولدينغ" ومقرها في هونغ كونغ، التي تتذرع بها الولايات المتحدة لاتهام الصين بالهيمنة على قناة بنما، تعتبر واحدة من أكبر شركات تشغيل الموانئ في العالم، وتدير أكثر من 50 ميناء في 23 دولة، بالإضافة إلى بنما، والعديد من هذه الدول حليفة للولايات المتحدة بما في ذلك بريطانيا وأستراليا وكندا. وبالتالي هذا يبرز، حسب جيانغ لي، الطبيعة العملياتية للشركة بعيداً عن المنظور السياسي الضيق الذي تقيّم من خلاله واشنطن الأنشطة والعمليات الصينية.

تطلعات سياسية

خون وانغ: التحذيرات الأميركية بشأن تدخلات الصين في قناة بنما نابعة من مخاوف تتعلق بالأمن القومي

في المقابل، رأى الباحث في معهد الدراسات الاستراتيجية في تايبيه خون وانغ، في حديث مع "العربي الجديد"، أن التحذيرات الأميركية بشأن تدخلات الصين في قناة بنما نابعة من مخاوف تتعلق بالأمن القومي، وذلك استناداً إلى تقارير سابقة تؤكد أن بكين تستخدم وسائل اقتصادية وغير اقتصادية لتوسيع نفوذها في نصف الكرة الغربي، وهو ما يثير مخاوف تتعلق بالأمن القومي الأميركي. وأضاف: كان لافتاً خلال السنوات الأخيرة الاستثمار الصيني المباشر في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وهناك العديد من دول المنطقة لديها بالفعل اتفاقيات للتجارة الحرة مع الصين، في إطار مبادرتها "الحزام والطريق" التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ منذ توليه السلطة في 2013.

وتابع: دون أدنى شك تسعى بكين من خلال أنشطتها التجارية في محيط الولايات المتحدة إلى تعزيز وجودها وتحقيق مكاسب سياسية، انظر إلى بنما، فقد تزامن انضمامها إلى مبادرة الحزام والطريق مع سحب اعترافها بتايوان وإقامة علاقات دبلوماسية مع الصين في العام 2017، وهذا يؤكد المخاوف الأميركية بشأن طموحات بكين المغلفة بالأنشطة التجارية والتي تهدف بطبيعة الحال إلى تقويض نظام التجارة العالمي القائم على القواعد لمصالحها الخاصة.

يشار إلى أنه بينما كان روبيو يلتقي مولينو، الأحد الماضي، تظاهر عشرات الأشخاص في بنما سيتي، رافعين أعلام بلادهم، مرددين شعارات مثل "ماركو روبيو خارج بنما" و"عاشت السيادة الوطنية". وأحرق بعضهم لافتة تحمل صور ترامب قبل أن توقفهم شرطة مكافحة الشغب. ووصف زعيم النقابات العمالية شاول مينديز، وقتها، وزير الخارجية الأميركي بأنه "الرسول الإمبراطوري". وقال: "نؤكد أنه لا يوجد شيء هنا على الإطلاق لصالح ترامب. بنما دولة حرة وذات سيادة".