قمة تركية يونانية الأربعاء في أنقرة وسط استمرار خلافات ترسيم الحدود
استمع إلى الملخص
- تسعى تركيا لتعزيز علاقاتها الإقليمية من خلال جولة أردوغان في السعودية ومصر، مع التركيز على ترسيم الحدود البحرية في اتفاق ثلاثي مع مصر وليبيا، وسط توتر غير معلن بين مصر واليونان.
- تهدف القمة إلى تحسين العلاقات التركية اليونانية وتطوير التعاون، مع التركيز على جزر بحر إيجة وملف قبرص، وتعزيز النشاط الدبلوماسي والتجاري في المنطقة.
تستضيف العاصمة أنقرة الأربعاء المقبل قمة تركية يونانية جديدة تجمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، خلال انعقاد الاجتماع السادس لمجلس التعاون رفيع المستوى بين البلدَين في ظل استمرار الخلافات على السيادة البحرية وترسيم الحدود في بحر إيجة وهو ما ينعكس مباشرةً على جميع الملفات العالقة بين الدولتَين.
وتتعلق الخلافات العديدة المتجذرة بين البلدين منذ عقود وبعضها يمتد إلى قرون، بالسيادة على الجزر وبحر إيجة وترسيم الحدود وما يتبع ذلك من قضايا خلافية في جزيرة قبرص، وترسيم مناطق النفوذ الخالصة شرق المتوسط، وحقوق الأقليات والأديان مع وجود أقليات تركية في اليونان ورومية في تركيا، إضافة إلى سباق التسلّح والتهديد المتواصل بين الدولتَين العضوَين في حلف الشمال الأطلسي (ناتو).
وانعكست الخلافات على عرقلة اليونان وقبرص لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وتشكيل تحالفات في المنطقة من كل دولة لمناكفة الطرف الآخر، ولتحقيق مكاسب في اقتسام ثروات شرق المتوسط، إذ تتحرك اليونان مع إسرائيل وقبرص وتحاول استمالة مصر وقوى شرق ليبيا، فيما تعمل تركيا مع الحكومة الليبية في طرابلس، وحسّنت علاقاتها مع مصر كثيراً ومع الشرق الليبي، ولديها علاقات قوية مع الحكم الجديد في سورية.
وأجرى أردوغان قبل لقائه مع رئيس الوزراء اليوناني جولة شملت السعودية ومصر، واكتسبت الزيارة للقاهرة أهمية كبيرة لمستقبل شرق المتوسط. وقال مصدر دبلوماسي مصري رفيع المستوى مطلع على ملف العلاقات بين مصر وتركيا لـ"العربي الجديد"، إنّ أجندة اجتماعات مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، الذي انعقد خلال قمة السيسي وأردوغان تصدرتها المفاوضات المتعلقة بترسيم الحدود البحرية، في إطار اتفاق ثلاثي يضم مصر وتركيا وليبيا، في تطور يُعد تحولاً جوهرياً في مقاربة القاهرة لهذا الملف الحساس.
وأوضح المصدر أنّ الوفد التركي المرافق لأردوغان ضم مسؤولاً مباشراً عن ملف ترسيم الحدود البحرية، في إشارة واضحة إلى جدية أنقرة في الدفع نحو حسم هذا المسار، وأكد المصدر أن المفاوضات الثلاثية انطلقت منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وقطعت شوطاً كبيراً على المستويين الفني والسياسي، مضيفاً أن "الملف بات قريباً من الحسم".
وكشف المصدر الدبلوماسي عن وجود توتر غير معلن في العلاقات بين مصر واليونان على خلفية هذا الملف، بعد أن رصدت القاهرة تفاهمات جرت أخيراً بين أثينا وتل أبيب تمس المصالح المصرية في شرق المتوسط، سواء على صعيد الطاقة أو الترتيبات البحرية، معتبراً أن هذه التحركات أسهمت في تسريع توجه القاهرة نحو المضي قدماً في ترسيم الحدود مع تركيا، في ملف يتقاطع مباشرة مع المصالح اليونانية.
وتسعى تركيا للاستفادة من هذه الأجواء خلال استقبالها رئيس الوزراء اليوناني. وقال رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية برهان الدين دوران الخميس الماضي إنّ الاجتماع سيراجع العلاقات التركية اليونانية بجميع أبعادها، ويبحث إمكانات تطوير التعاون بين البلدين الجارين، مضيفاً أنه من المتوقع خلال المحادثات تبادل وجهات النظر بشأن التطورات الإقليمية والعالمية، إلى جانب العلاقات الثنائية.
وفي نفس اليوم، صرح وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس، أن تركيا حققت نجاحات في السياسة الخارجية بالمنطقة، داعياً الولايات المتحدة للاختيار بين تركيا وإسرائيل، موضحاً في كلمة خلال منتدى دلفي الاقتصادي في واشنطن، أن تركيا لها وجود عسكري في غرب ليبيا وأنها طورت تفاهمات جديدة مع الإدارة في شرق ليبيا، وهو وجود واضح في كل مكان بالقارة الأفريقية، فيما انتقد تركيا والرئيس أردوغان، داعياً أنقرة إلى التخلي عن فكرة "الوطن الأزرق"، وهو مصطلح يشير إلى السيادة التركية على البحار في شرق المتوسط.
وفي 21 يناير/كانون الأول الماضي استضافت العاصمة اليونانية أثينا، الجولة التاسعة من محادثات خطة العمل المشتركة للأجندة الإيجابية بين تركيا واليونان، التي اختتمت بإصدار بيان مشترك بين الطرفين. واستعرضت المحادثات التي ترأسها نائب وزير الخارجية التركي ورئيس الشؤون الأوروبية محمد كمال بوزاي، ونائب وزير الخارجية اليوناني هاريس ثيوخاريس، التقدم الذي أحرز في تنفيذ خطة العمل المشتركة منذ الاجتماع السابق الذي عُقد في أنقرة، بالإضافة إلى التشاور حول مجالات تعاون جديدة يمكن إدراجها ضمن هذا المسار المشترك. ويُذكر أن تركيا واليونان، ومنذ عام 1999، بدأتا تطوير عدة آليات للتواصل ومعالجة مختلف التطورات في علاقاتهما عبر الحوار، منها مجلس التعاون رفيع المستوى، والحوار السياسي، والمشاورات الاستكشافية، ومبادرة الأجندة الإيجابية أو خطة العمل المشتركة، إضافة إلى تدابير بناء الثقة.
وعن أهمية الزيارة وأجندتها الرئيسية والتوافقات المتوقع الخروج منها، قال الكاتب والصحافي إلياس كلج أصلان لـ"العربي الجديد"، إن "هناك تحولاً هاماً في العلاقات عموماً في الشرق الأوسط، وتحديداً في سياق العلاقات التركية السعودية، ومن هذا المنطلق سيكون لها بالطبع تأثير غير مباشر على العلاقات التركية اليونانية".
وأضاف "هناك قضايا عالقة بين تركيا واليونان مثل جزر بحر إيجة، وحدود الـ12 ميلاً بحرياً، وملف قبرص، وأضيفت مؤخراً قضايا المنطقة الاقتصادية الخالصة في شرق المتوسط إلى هذه القضايا، وستناقش كل هذه القضايا ضمن جدول الأعمال، ولا يتوقع حصول اتفاق خاص ومستقل، بل ستناقش الاتفاقات العامة، وسيجري مجدداً تأكيد أهمية استمرار المفاوضات، كما ستناقش القضايا المتعلقة بتطوير التجارة الثنائية".
وفي ما يخص محاور النفوذ شرق المتوسط، قال كلج أصلان "تشعر اليونان بطبيعة الحال، بالقلق إزاء تقارب تركيا مع ليبيا ومصر، وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة لليونان، سواء في ما يتعلق بالمناطق المتنازع عليها في شرق المتوسط عموماً، أو في ما يخص قبرص والقضايا ذات الصلة، وهذا هو السبب الرئيسي وراء التقارب بين إسرائيل واليونان، كما ستقيم الإدارة السورية الجديدة علاقات جيدة مع تركيا، وفي هذه الحالة فإن شركاء اليونان الوحيدين في شرق المتوسط هما إسرائيل وجنوب قبرص".
من ناحيته، قال الصحافي إبراهيم آباك لـ"العربي الجديد" عن اللقاء وأهميته إنّ "زيارات أردوغان الأخيرة إلى السعودية ومصر تظهر تحسناً ملحوظاً في العلاقات مع هذين البلدين"، مضيفاً أن تركيا انضمت إلى "اقتصادَين رئيسيَين يدعمان بعضهما البعض تجارياً، وفي ظل هذا الوضع لم يعد بإمكان اليونان البقاء بعيدة عن أنقرة".
وأضاف "تتمحور الأجندة الرئيسية (للزيارة) بطبيعة الحال، حول تعزيز النشاط الدبلوماسي، وزيادة التعاون التجاري، ومعالجة الأوضاع المتأزمة في قبرص". واعتبر أنّ استقرار الحكومة في تركيا على مدى عقدين ونصف العقد وترسيخ دورها في المنطقة، إلى جانب تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، أضعف موقف اليونان. وقال إنّ الأخيرة ملزمة حالياً بإقامة علاقات حسن جوار مع تركيا. وختم بالقول إن "التحركات الاستراتيجية مهمة لجميع الدول بما فيها اليونان، لكن تركيا التزمت بالقوانين الدولية والحقوق في شؤونها البحرية في كل خطوة اتخذتها وكل عملية استكشاف للطاقة قامت بها، ولهذا ينبغي على اليونان عدم القلق وبدلاً من ذلك تعزيز علاقاتها مع تركيا".