قطر تنجح بالدفع لاتفاق سلام بين كولومبيا و"جيش غايتانيستا"

06 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 00:42 (توقيت القدس)
عملية للجيش الكولومبي ضد تجّار المخدرات بولاية غوافياري، 8 فبراير 2016 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- وقّعت الحكومة الكولومبية اتفاق سلام مع "جيش غايتانيستا" بوساطة قطرية، بهدف إنهاء النزاع المسلح وتعزيز الاستقرار، ويُعد خطوة مهمة لنزع سلاح الجماعة المسلحة المسيطرة على تجارة المخدرات.
- ينص الاتفاق على إطلاق مشروع تجريبي في 15 منطقة لتسهيل وصول مؤسسات الدولة وتوفير الخدمات الأساسية، مع تعهد الجماعة بمكافحة زراعة المخدرات والحد من الأنشطة غير المشروعة.
- لعبت قطر دوراً محورياً في الوساطة، حيث استضافت جولة مفاوضات، وحضر توقيع الاتفاق مسؤولون دوليون، مما يعكس الدعم الدولي لجهود السلام.

وقّعت حكومة كولومبيا، أمس الجمعة، في العاصمة القطرية الدوحة، اتفاق سلام مع "جيش غايتانيستا" المحلي، أو ما يعرف بـ"عائلة الخليج" (clan de golfo)، أو "أي جي سي"، وهي من أكبر العصابات المسلحة المحلية المسيطرة على تجارة المخدرات في البلاد، كما تنشط في تجارات أخرى غير مشروعة، مثل التنقيب عن الذهب، وتهمين على مناطق عدة في البلاد بقوة السلاح. ويأتي توقيع اتفاق السلام بين بوغوتا و"غايتانيستا" في وقت تتصاعد فيه التهديدات الأميركية العسكرية في منطقة الكاريبي ضد فنزويلا، ولكن أيضاً ضدّ كولومبيا برئاسة غوستافو بيترو، بذريعة محاربة تجّار المخدرات في هذين البلدين، وتلوّح إدارة الرئيس دونالد ترامب بالخيار العسكري في المنطقة، بحجة وقف الهجرة غير النظامية ووصول المخدرات من هذين البلدين وغيرهما في أميركا اللاتينية إلى الولايات المتحدة. لكن اتفاق السلام الموقّع يندرج خصوصاً في إطار سعي بيترو، منذ وصوله إلى السلطة في أغسطس/آب 2022، إلى معالجة ملف الجماعات والعصابات المسلحة في البلاد، في إطار ما أسماه "السلام الكامل"، وهو ما لا يمكن أن يعتبر ناجحاً دون التهدئة وإبرام صفقة مع "غايتانيستا".

اتفاق سلام في كولومبيا

ووقّعت الحكومة الكولومبية، في الدوحة، أمس الجمعة، "اتفاق الدوحة لنزع السلاح وترسيخ الالتزام بالسلام" مع "جيش غايتانيستا" المعلن ذاتياً، وذلك بعد مفاوضات أجريت برعاية قطرية أفضت إلى التوصل إلى هذا الاتفاق، في خطوة تُعدّ محطة مفصلية على طريق إنهاء النزاع المسلح وتعزيز الاستقرار في كولومبيا. وقال وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد الخليفي في كلمته أمس خلال حفل التوقيع إن "هذا الإعلان خطوة نحو نزع سلاح جماعة جيش غايتانيستا وبناء السلام"، مشيداً بالطرفين واستعدادهما للتوصل إلى تسويات في سعيهما إلى حل مستدام عبر الحوار. وأكد "مواصلة دورنا بوصفنا وسطاء لدفع الطرفين لاتخاذ تدابير للعمل نحو السلام وبناء الثقة بين الطرفين".

يبلغ تعداد "جيش غايتانيستا" الكولومبي حوالي 9 آلاف مقاتل

وحضر توقيع الاتفاق، فضلاً عن الخليفي وطرفي النزاع، مسؤولو دول الوساطة، وزير الدولة النرويجي أندرياس كارفاك، ومساعد وزير الخارجية السويسري تيم أندرلين، ومساعد وزير الخارجية الإسباني ألبرتو أوسيلاي. ويمثّل الاتفاق تحوّلاً مهماً في مسار النزاع الكولومبي، لأنها المرة الأولى التي يتم فيها التوصل إلى اتفاق بهذا المستوى مع أكبر تنظيم مسلح يسيطر على مناطق شاسعة في البلاد، ما قد يُسهم في تقليص رقعة العنف، وتعزيز الاستقرار، وفتح الباب أمام برامج نزع السلاح وإعادة دمج المسلحين في المجتمع. وتأتي هذه الخطوة تتويجاً للدور الذي تضطلع به دولة قطر في دعم مسارات الحوار والسلام على الصعيد الدولي، عبر توفير منصات آمنة للتفاوض، وجهود دبلوماسية هادئة أسهمت في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة، وفي مقدمِها "جيش غايتانيستا".

وينص الاتفاق على إطلاق مشروع تجريبي في 15 منطقة مرحلةً أولى لتطبيق بنوده، بما يسمح باختبار آليات التنفيذ وبناء الثقة بين الطرفين قبل تعميم التجربة لاحقاً. كما ينص على تسهيل وصول مؤسسات الدولة إلى المناطق الشاسعة التي كانت تسيطر عليها الجماعة المسلحة، بما يشمل بسط الحضور الإداري والأمني وتوفير الخدمات الأساسية للسكان. وتعهّدت الجماعة، بموجب الاتفاق، بمكافحة زراعة المخدرات والحد من الأنشطة المرتبطة بالاتجار غير المشروع، وعدم تجنيد المراهقين وحماية الأطفال من الانخراط في النزاع المسلحة، والمساهمة في مكافحة الهجرة غير الشرعية عبر المناطق التي كانت خاضعة لنفوذها.

وفي ما يُعرف بـ"المسار الثاني" من الاتفاق، تقرر اختيار ثلاث مناطق يتم تحديدها لاحقاً لتكون مناطق تجريبية نموذجية لتطبيق إجراءات متقدّمة تتصل بنزع السلاح، وتعزيز التنمية المحلية، وبسط سيطرة مؤسسات الدولة بصورة كاملة.
واستضافت الدوحة جولة من المفاوضات بين الحكومة الكولومبية و"جيش غايتانيستا" في الفترة من 14 إلى 18 سبتمبر/أيلول الماضي، بهدف تعزيز المصالحة وإيجاد حلول مستدامة للتحديات المزمنة التي تُمثلها الجماعات المسلحة في كولومبيا، بما في ذلك نزع السلاح وبناء السلام. وأعلنت دولة قطر عن وساطتها في عملية بناء السلام بين حكومة جمهورية كولومبيا، وحركة "جيش غايتانيستا" المتمردة، بناء على طلب الطرفين، مؤكدة التزامها الراسخ بحل النزاعات عبر الحوار بالوسائل السلمية، لتعزيز السلام والاستقرار على الصعيد الدولي.

وكان وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد الخليفي، أكد في تصريحات صحافية في سبتمبر الماضي، أن عملية بناء السلام في كولومبيا تسير وفق مراحل منظمة، تبدأ بتدابير بناء الثقة والحوار الشامل، مشدداً على أهمية صون كرامة الإنسان، واحترام حقوقه، والالتزام بأحكام القانون، وضمان مشاركة جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك المجتمعات المتضررة من النزاع. كما أكد التزام قطر بالحوار السلمي بين الأطراف المتنازعة، وتضامنها مع الشعب الكولومبي، ودعم جهود التنمية في البلاد، ووضع آليات للقضاء على الاقتصادات غير المشروعة، والمساهمة في احتكار الدولة للأسلحة، مضيفاً أن قطر، بصفتها شريكاً موثوقاً به في جهود الوساطة الإقليمية والدولية، ستواصل دعم الحوار السلمي بوصفه ركيزةً أساسية لحلّ النزاعات، وتوفير منصة محايدة للحوار، قائمة على الاحترام المتبادل والتفاهم والقانون الدولي.

وكان الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو قد زار الدوحة مرتين خلال العام الحالي، الأولى في فبراير/شباط الماضي، والثانية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حيث التقى أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. وتعمل الدوحة وبوغوتا على تعزيز العلاقات، لا سيما على الصعيد الاقتصادي، حيث تشكّل كولومبيا ثالث أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية. وإثر زيارته الثانية في نوفمبر، أكد بيترو في منشور على "إكس" أن اللقاء تناول جهود الوساطة لـ"تحقيق السلام الكاريبي"، كما اقترح الرئيس الكولومبي أن تتوسط الدوحة لنزع فتيل التوتر مع الولايات المتحدة وترامب.

تعمل الجماعة في تجارة المخدرات والتنقيب عن الذهب وتهريب المهاجرين غير النظاميين

"جيش غايتانيستا"

ويبلغ تعداد "جيش غايتانيستا" الكولومبي حوالي 9 آلاف مقاتل، ويشكّل أحد التحديات الأمنية الرئيسية التي تواجه حكومة بيترو، لأنه يعتبر أكبر جماعة لا تزال مسلحة وغير نظامية في البلاد، وأكبر تحدٍّ لعملية السلام الشاملة التي أطلقها بيترو، وذلك بعد توصل بوغوتا إلى اتفاق سلام تاريخي مع القوات المسّلحة الثورية الكولومبية "فارك" التي أعلن عن حلّها في عام 2016. وكانت هذه الجماعة المسلحة قد أكدت، في مارس/آذار 2024، استعدادها للتفاوض مع الحكومة الكولومبية، بعد أن دعاها بيترو للكفّ عن الاتجار بالمخدرات، وذلك بعد معاودة الجيش هجماته عليها، في 2023، بعدما فشلت جهود التهدئة بين الطرفين التي بدأت مع تولي بيترو الحكم. وبحسب بيان لها في مارس 2024، قالت "غايتانيستا" إنها "تقبل الدعوة للمفاوضات حول الظروف السياسية التي من شأنها أن تسمح بتحقيق الإصلاحات الاجتماعية التي نريدها للمناطق التي نعمل فيها".

وتعرف "غايتانيستا" أيضاً باسم "يورابينوس" urabenos، و"قوات الغايتانيين الكولومبيين للدفاع الذاتي"، وبحسب موقع "كرايم إنسايت" المتخصص، فإنها أصبحت القوة الإجرامية المهيمنة في كولومبيا اليوم بعدما خفت ضجيج الحركات المسلحة "الثورية"، حيث تنشط بشكل خاص في تجارة المخدرات، وتسيطر على أراض تدير فيها سوق إنتاج المخدرات وتحرس خطوط التجارة الحدودية. كما أن الجماعة متورطة في تجارات غير نظامية أخرى، مثل التنقيب عن الذهب.

وتستمد الجماعة اسمها من "يورابا"، وهي منطقة تقع شمال غربي كولومبيا قرب الحدود مع بنما، وشهيرة بتجارة المخدرات. تعود جذور الجماعة إلى زعيم الحرب المعروف فينسانتي كاستانو، الذي انشق عن "قوات الدفاع الذاتي المتحدة الكولومبية" التي دخلت في مفاوضات مع الحكومة بين عامي 2003 و2006. وأعاد كاستانو تسليح وحدة عسكرية، قبل أن يقتل في مارس/آذار 2007، ويخلفه دانيال راندون هيريرا (دون ماريو)، في 2007، الذي أصبح سريعاً في 2008 أغنى رجل مافيا وزعيم مخدرات وقائد عصابة في البلاد. بعد اعتقاله في 2009، ورثه "دون جوفاني" (خوان دي ديوس أوسوغا)، وشقيقه دايرو أنطونيو أوسوغا، اللذين كانا منخرطين سابقاً في "جيش التحرير الشعبي" (إي بي إل).

وجرت عمليات الخلافة متزامنة مع عمليات توسيع متواصلة لأنشطة المجموعة الإجرامية، علماً أن الحكومة أطلقت أولى حملاتها العسكرية عليها الواسعة في عام 2015، تحت عنوان عملية "أغانيمون". عملت الحملة على إضعاف الجماعة، التي عرضت في 2017 تسليم السلاح لكن الحكومة رفضت. في 2021، ألقي القبض على دايرو أنطونيو أوسوغا المعروف بـ"أوتونييل" وتمّ تسليمه للمحاكمة في الولايات المتحدة، حيث حكم عليه بالسجن 45 عاماً. خلف "أوتونييل" جوبانيس دي جيزوس آفيلا فيلادييغو، المعروف بـ"شيكيتو مالو"، الذي عرض التفاوض مع الرئيس بيترو، دون أن يحقّق ذلك أي تقدم بين 2022 و2023. بحسب "كرايم إنسايت"، فإن هذه العصابة الإجرامية تقوم على خلايا محلية مكتفية ذاتياً، مع انتقال بعضها إلى تجارات أخرى غير مشروعة، إلى جانب الاتجار بالمخدرات، ومن بينها أيضاً تهريب المهاجرين. كما أن هذه المجموعة تفرض غرامات على عصابات أخرى تنشط في مناطق سيطرتها. كما أنها سعت إلى السيطرة على اقتصادات إجرامية على الحدود مع فنزويلا، لكنها اصطدمت بنفوذ مافيا قدامى "فارك" و"جيش التحرير الوطني" (إي إل إن) الذي تقدر السلطات أنه يضم نحو ثلاثة آلاف مقاتل يتركزون في المناطق الجبلية الحدودية مع فنزويلا.

ورأت مجموعة الأزمات الدولية (إنترناشيونال كرايزس غروب)، في تقرير لها نشرته في مارس 2024، أنه ينبغي على بوغوتا فتح حوار مع "غايتانيستا" لعدم تعريض عملية السلام لخطر، مقدرة أن كل مشروع السلام معرض للانهيار إذا لم تنجح هذه المهمة، ومحذرة من الضغط الذي تمارسه هذه المجموعة على المجتمعات المحلية. ولفتت إلى أن عسكريين قدامى انضموا اليوم إلى هذه العصابة، وكذلك مقاتلين سابقين في "فارك". وقدّرت أرباح الجماعة بـ4.4 مليارات دولار سنوياً، مضيفة أنها تنشط بشكل قوي في ثلث مساحة البلاد على الأقل.