"قضية مينديتش"... فضيحة فساد تهز أوكرانيا وتضعف زيلينسكي

30 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
قضية مينديتش تظاهرة ضد الفساد في كييف، 31 يوليو 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- فضيحة "قضية مينديتش" تورط شخصيات مقربة من زيلينسكي، مما أدى إلى إقالة مدير مكتبه أندريه يرماك وأثر على شعبيته، وزاد من الضغوط الداخلية والخارجية عليه.

- أثرت الفضيحة على الدعم الخارجي لأوكرانيا، حيث تراجعت بعض الدول الأوروبية في دعمها، بينما استمرت الولايات المتحدة في الضغط على زيلينسكي، مما قد يؤدي إلى تغييرات في المشهد السياسي الأوكراني.

- اتخذت السلطات الأوكرانية إجراءات للحد من تداعيات الفضيحة، مثل إقالة وزراء ودعم جهود مكافحة الفساد، لكن الصراع الداخلي بين أجنحة السلطة قد يؤثر على مستقبل زيلينسكي السياسي.

قبل انتخابه رئيساً لأوكرانيا في عام 2019، نال الرئيس الأوكراني الحالي فولوديمير زيلينسكي

شهرة كبيرة بأدائه الدور الرئيسي في المسلسل السياسي الساخر "خادم الشعب"، الذي يتناول قصة معلم بسيط انتخب رئيساً واصطدم بعناد النخب الحاكمة الفاسدة حتى النخاع. بعد مرور ست سنوات، يتحقق هذا المشهد على أرض الواقع إثر فضيحة فساد تعرف إعلامياً بـ"قضية مينديتش"، وضلوع شخصيات مقربة من زيلينسكي فيها، ما يزيد تعرضه للضغوط الداخلية والخارجية. هكذا تواجه السلطات الأوكرانية وزيلينسكي بشخصه ضربتين قويتين في آن معاً، إحداهما خارجية متمثلة بخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب بشروط تلبي أغلب المطالب الروسية، والثانية داخلية بعد انفجار فضيحة الفساد بشركة "إنيرغو آتوم" للطاقة (حكومية)، التي تتعلق بضلوع رجال أعمال ومسؤولين من فريق زيلينسكي.

وفي أحدث تطورات الحملة على الفساد في أوكرانيا، وقّع زيلينسكي، أول من أمس الجمعة، مرسوم إقالة مدير مكتبه، أندريه يرماك، وهو أعلى مسؤول أوكراني يُطاح بعد انفجار فضيحة الفساد في شركة "إنيرغو آتوم". وتولى يرماك (54 عاماً) رئاسة الوفد الأوكراني في المحادثات بين أوكرانيا والولايات المتحدة شأن خطة لإنهاء الحرب بين أوكرانيا وروسيا. وقال زيلينسكي في كلمته المصورة اليومية قبيل إقاله يرماك: "سيتم إعادة تنظيم مكتب رئيس أوكرانيا. وقد قدّم مدير المكتب أندريه يرماك استقالته"، شاكراً الأخير على "تمثيله الدائم لموقف أوكرانيا" و"تبنيه الدائم للموقف الوطني".

وجاءت إقالة يرماك بعد ساعات على مداهمة منزله في إطار قضية مينديتش، إذ داهم أفراد المكتب الوطني الأوكراني لمكافحة الفساد والنيابة الخاصة لمكافحة الفساد شقة يرماك، الذي أكد أن عمليات التفتيش تجري في منزله دون أن يعرقلها أحد. وكتب في منشور على قناته على "تليغرام": "سُمِح لهم بالوصول إلى شقتي، وأفراد دفاعي موجودون في الموقع، وأنا في حالة الهدوء التام". وفي رسالة إلى صحيفة "نيويورك بوست"، نُشرت أمس السبت، ذكر يرماك أنه سيتوجه إلى خطوط القتال، موضحاً بقوله: "أنا ذاهب إلى الجبهة ومستعد لأي تبعات. أنا شخص نزيه ومحترم". وأضاف: "أنا أشعر بالاشمئزاز مما يُوجَّه إليّ، ومشمئز أكثر من نقص الدعم من أولئك الذين يعرفون الحقيقة".

ومع ذلك، يشكك المحلل السياسي والصحافي المتخصص في الشأن الأوكراني المقيم في موسكو، ألكسندر تشالينكو، في حديث لـ"العربي الجديد"، في أن تكون إقالة يرماك تنبع من دوافع فقدان الثقة بين زيلينسكي ومدير مكتبه، معتبراً إياها خطوة ضرورية لإصدار رسالة إلى الخارج بأنه لا تهاون في قضايا مكافحة الفساد. ويقول تشالينكو الذي تعود أصوله إلى مدينة دونيتسك شرقي أوكرانيا، إنه "حتى إقالته، ظل يرماك فعلياً هو الرجل الثاني في أوكرانيا بعد زيلينسكي، وشارك مباشرةً في وضع الجدول اليومي للرئيس، وحتى خاض مفاوضات بالنيابة العامة مع شخصيات مؤثرة في الداخل والخارج وكبار رجال الأعمال الأوكرانيين". ويلفت إلى أن ذلك يعني "أن زيلينسكي ما كان له أن يقيله لولا توفر معلومات مؤكدة عن ضلوعه في قضية الفساد بصورة أو بأخرى".

وتشير رواية التحقيق (كشف عنه المكتب الوطني لمكافحة الفساد، والنيابة المتخصصة بمكافحة الفساد في أوكرانيا في العاشر من نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي)، إلى أن رجل الأعمال المقرب من زيلينسكي تيمور مينديتش، الذي تمكن من مغادرة أوكرانيا (أوردت وسائل إعلام، منها صحيفة بوليتيكو الأميركية، في 13 نوفمبر أنه غادر إلى إسرائيل)، قبل إدراج اسمه على قائمة المطلوبين، كان يفرض عمولات على الشركات المتعاملة مع "إنيرغو آتوم"، واتُهم بتدبير مخطط احتيالي أدى إلى اختلاس 100 مليون دولار من قطاع الطاقة والكهرباء.

وعلى أثر الفضيحة، اتخذت السلطات الأوكرانية مجموعة من الخطوات من شأنها الحد من تداعياتها، إذ أشهر زيلينسكي دعمه لجهات مكافحة الفساد وأقال وزيرة الطاقة سفيتلانا غرينشوك ووزير العدل هيرمان غالوشينكو، كما دعا الحكومة إلى فرض عقوبات على مينديتش، شريكه السابق الذي يملك حصة في الشركة الإعلامية "كفارتال-95"، التي أسسها زيلينسكي قبل ترشحه للرئاسة. إلا أن ذلك لم يحمِ السلطات الأوكرانية من ضغوط داخلية وخارجية، وسط تعالي أصوات في الاتحاد الأوروبي للمطالبة بتقليص الدعم لأوكرانيا.

تأثير "قضية مينديتش" على الدعم الخارجي

مع ذلك، لا يتوقع المحلل في مركز الاتصال الاستراتيجي والأمن المعلوماتي في كييف مكسيم يالي أن تفضي "قضية مينديتش" إلى وقف تدفق الدعم الخارجي لأوكرانيا تلقائياً، في ظل ما يعتبره إدراكاً أوروبياً لمخاطر هزيمة أوكرانيا. ويقر يالي في الوقت نفسه بأن الفضيحة حرّكت المياه الراكدة في المجتمع الأوكراني.

مكسيم يالي: لا مؤشرات واضحة أو استطلاعات رأي تظهر تراجع نسبة تأييد زيلينسكي

ويقول يالي في حديث لـ"العربي الجديد"، من كييف، إنه "حتى الآن لا مؤشرات واضحة أو استطلاعات رأي تظهر تراجع نسبة تأييد زيلينسكي، وإن كان يجب الإقرار بأن قضية مينديتش أثارت حركة المياه في المجتمع الأوكراني". وفي رأيه، فإنه من الواضح "أن هذه مجرد الحلقة الأولى من موسم جديد للمسلسل". وحول تداعيات قضية مينديتش على مسار التسوية الروسية الأوكرانية، يضيف يالي أن "القيادة الأوكرانية أصبحت تبدي مرونة أكبر في مسألة عقد المفاوضات مع روسيا، خصوصاً أن قضية مينديتش لا تخلو، على ما يبدو، من جوانب سياسية". تتعلق هذه الجوانب بـ"اختيار توقيت استهداف زيلينسكي عبر وقائع الفساد في قطاع الطاقة واستغلال استياء السكان من حالات انقطاع الكهرباء بشكل يومي". وبحسب يالي، قد تكون خلف بهذا الاستهداف "يد أميركية للضغط على زيلينسكي للقبول بتقديم تنازلات".

أما في معرض تعليقه على تأثير "قضية مينديتش" على الدعم الخارجي لأوكرانيا، فيرى يالي أن "الدعم الأوروبي أخذ في التراجع بصرف النظر عن قضية الفساد، ولكنه سيستمر بصورة أو بأخرى، إدراكاً من الدول الأوروبية لمخاطر هزيمة أوكرانيا على القارة كلها". ويوضح أنه "في حال كان للولايات المتحدة ضلوع في إثارة فضيحة الفساد، فهذا يعني أننا قد نشهد فضيحة جديدة بمشاركة زيلينسكي نفسه أو وقفاً نهائياً لإمدادات الأسلحة الأميركية لأوكرانيا حتى على نفقة الدول الأوروبية".  

ضربة لزيلينسكي

بدوره، يعتبر الباحث المتخصص في الشؤون الأوكرانية المتعاون مع مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (واشنطن)، قسطنطين سكوركين، هو الآخر، أن "قضية مينديتش" تشكل ضربة كبيرة لزيلينسكي، قائلاً في حديث لـ"العربي الجديد"، إنها "أشد أزمة سياسية تعصف بأوكرانيا". ويوضح أن "فضائح الفساد طاولت الدائرة الأولى من المقربين من زيلينسكي، ما ينسف شعبية النخبة الحاكمة، لا سيما في الظروف العصيبة التي تمر بها أوكرانيا أثناء الحرب".

 قسطنطين سكوركين: الكرملين يزداد عناداً أملاً في انهيار سلطة  كييف جراء الاضطرابات الداخلية

وبشأن موقف اللاعبين الخارجيين من فضائح الفساد في أوكرانيا، يضيف سكوركين أن "الكرملين (الرئاسة الروسية) يزداد عناداً ويرفض تقديم أي تنازلات، أملاً في انهيار السلطة في كييف جراء الاضطرابات الداخلية". في المقابل، تطالب واشنطن، وفق سكوركين، كييف "بتقديم تنازلات أليمة من أجل إنهاء الحرب وتبتزها بوقف الإمدادات العسكرية، مستثمرة ضعف موقف زيلينسكي".

مع ذلك، يتوقع سكوركين ألا تفضي فضيحة الفساد إلى إطاحة زيلينسكي أو قطع الدعم الخارجي عن أوكرانيا، قائلاً إنه "في وقت السلم، كانت مثل هذه الفضيحة لتتسبب في إقالة الحكومة وربما محاولة حجب الثقة عن الرئيس نفسه وإجراء انتخابات جديدة". ويتابع: "لكن منطقاً آخر يسود في زمن الحرب"، موضحاً أن " فضيحة الفساد صحيح أنها أدت إلى تشويه صورة زيلينسكي في الداخل والخارج، لكن الدعم لأوكرانيا سيستمر خشية من التهديد الروسي". يأتي ذلك "مع الاكتفاء بتشديد الرقابة الخارجية على إنفاق المساعدات ومطالبة كييف باتخاذ إجراءات جدية من أجل مكافحة الفساد بأعلى هرم السلطة".  

كيريل كوكتيش:   قد يسعى الخصوم في الداخل لاستثمار الوضع لإطاحة زيلينسكي

تداعيات طويلة الأمد

وفي موسكو، يتوقع الأستاذ المساعد بقسم النظرية السياسية بمعهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية كيريل كوكتيش أن تفضي "قضية مينديتش" إلى تداعيات طويلة الأجل في المشهد السياسي الأوكراني. ويقول في تعليق لـ"العربي الجديد"، إن هذه القضية "قد تؤدي إلى انكشاف شبكات فساد القيادة الأوكرانية ضالعة فيها، في أوروبا كلها، وهو وضع قد يستثمره ترامب لإخضاع زيلينسكي لإرادته وترويضه". ووفق كوكتيش، قد يسعى الخصوم في الداخل "لاستثمار الوضع الراهن لإطاحة زيلينسكي، لكن أوروبا ستسعى لتعويمه".

في مسعى من السلطات في كييف للحد من تداعيات فضيحة الفساد، أدرجت أوكرانيا،في 22 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، اسمي مينديتش ورجل أعمال آخر يدعى ألكسندر تسوكيرمان على قائمة المطلوبين، وكلاهما موجود في إسرائيل. ويعرف عن مينديتش، وهو المتهم الرئيسي في القضية التي فتحها المكتب الوطني الأوكراني لمكافحة الفساد في العاشر من نوفمبر الحالي، أنه الشريك باستديو "كفارتال-95". وقد حقق زيلينسكي من خلال هذا الاستديو الذي أسسه شهرة كبيرة بوصفه فناناً ساخراً قبل انخراطه في العمل السياسي وانتخابه رئيساً في عام 2019، بعد فوزه بجولة الإعادة أمام الرئيس الأوكراني السابق بيترو بوروشينكو. وإثر فضيحة الفساد هذه، أقرت الرادا العليا (البرلمان الأوكراني)، في الأسبوع الماضي، إقالة وزير العدل غيرمان غالوشينكو، ووزيرة الطاقة سفيتلانا غرينتشوك، وذلك بعد تقدمهما باستقالتيهما بناء على طلب زيلينسكي، الذي أعرب عن دعمه لأعمال الجهات المعنية بمكافحة الفساد رغم أنها طاولت عدداً من أنصاره وأعضاء فريقه. ومن بين المتهمين في القضية أليكسي تشيرنيشوف، نائب رئيس الوزراء الأوكراني سابقاً، الذي يعد واحداً من أعضاء فريق زيلينسكي أيضاً.

كما تشكل فضيحة الفساد مؤشراً إلى احتدام الصراع بين أجنحة السلطة في أوكرانيا، إذ سعى زيلينسكي في يوليو/ تموز الماضي، لتمرير قانون من شأنه إخضاع الجهاز الوطني لمكافحة الفساد والنيابة الخاصة بمكافحة الفساد، للمدعي العام الذي يعينه الرئيس. أثار ذلك حينها احتجاجات في عدد من المدن الأوكرانية وانتقادات أوروبية. وبعد تعرضه لضغوط داخلية وخارجية، أحال زيلينسكي إلى الرادا مشروع قانون آخر ألغى فعلياً الإصلاحات المراد إجراؤها سابقاً، دون أن يحميه ذلك من ملاحقة شخصيات مقربة منه.

المساهمون