قضية "التآمر" في تونس: أحمد نجيب الشابي يلتحق بالمعتقلين
استمع إلى الملخص
- تعود قضية "التآمر على أمن الدولة 1" إلى فبراير 2023، حيث اتهمت السلطات شخصيات بارزة بمحاولة المساس بالنظام العام، وأصدرت أحكاماً بالسجن تتراوح بين 10 و45 عاماً.
- اعتبرت المعارضة التونسية أن الاعتقالات تهدف إلى تجريم العمل السياسي، بينما أكد المحامي سمير ديلو أن المعركة سياسية وليست قضائية، مشيراً إلى أن السلطة تسعى لتأكيد سرديتها.
تصاعدت مجدداً وتيرة الاعتقالات السياسية في تونس، مباشرة بعد صدور الأحكام الاستئنافية في القضية المعروفة بـ"التآمر 1"، يوم الجمعة الماضي، حيث صدرت أحكام ثقيلة طاولت قيادات عدة من مختلف الانتماءات السياسية ونشطاء ومحامين بارزين. واعتقلت السلطات التونسية، أمس الخميس، رئيس جبهة الخلاص الوطني أحمد نجيب الشابي (81 عاماً) من منزله، بعدما تمّ إيقاف الناشطة السياسية شيماء عيسى، يوم السبت الماضي، خلال مسيرة شعبية في تونس العاصمة، واعتقال الناشط الحقوقي والمحامي العياشي الهمّامي يوم الثلاثاء الماضي، ما أثار موجة انتقادات واسعة نظراً لما يحظى به الهمّامي من مكانةٍ في الساحة السياسية التونسية. أما رئيس الجمهورية قيس سعيّد، فقد تحدث على هامش لقائه وزير الصحة مصطفى الفرجاني، الأربعاء، قائلاً: "لن نقبل أبداً إلا بالانتصار أو الاستشهاد حتى نقضي على كل هذه الأوضاع التي ورثها الشعب التونسي وحتى نحقق انتظارات الشعب في كل جهات البلاد بكل القطاعات. إنها لثورة حتى النصر".
تراوحت الأحكام السجنية الصادرة بحق الموقوفين بين 10 و45 عاماً
قضية "التآمر" في تونس
وتعود قضية "التآمر على أمن الدولة 1" إلى فبراير/ شباط 2023، حين أوقفت السلطات التونسية مجموعة من السياسيين المعارضين والمحامين وناشطي المجتمع المدني، ووجهت إليهم تهماً، بينها: محاولة المساس بالنظام العام وتقويض أمن الدولة، والتخابر مع جهات أجنبية، والتحريض على الفوضى أو العصيان. وينفي محامو المتهمين صحة الاتهامات الموجهة إلى موكليهم. ومن أبرز المشمولين بالقضية، القيادي في حركة النهضة نور الدين البحيري، ورئيس الديوان الرئاسي الأسبق رضا بلحاج، والأمين العام للحزب الجمهوري عصام الشابي، والوزير الأسبق غازي الشواشي، إضافة إلى شخصيات أخرى من جبهة الخلاص المعارضة، كجوهر بن مبارك وشيماء عيسى وأحمد نجيب الشابي.
ويوم الجمعة الماضي، أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب بمحكمة الاستئناف في تونس حكماً نهائياً في حق المتهمين في القضية، حيث تراوحت الأحكام السجنية الصادرة بحق الموقوفين منهم بين 10 سنوات و45 عاماً سجناً، في حين قُضي في شأن متهم موقوف بعدم سماع الدعوى، من دون توضيحات بخصوص أسماء المتهمين، وفق وكالة الأنباء التونسية الرسمية. أما المتهمون في حالة سراح، فقد تراوحت أحكامهم بين 5 سنوات و35 سنة سجناً، في حين حُكم على متهمين اثنين بعدم سماع الدعوى. وتم الحكم في حق بعض المتهمين بغرامات مالية متفاوتة. وتشمل القضية عشرات المعارضين، وكانت صدرت بحق من أودعوا السجن في الطور الابتدائي أحكام ثقيلة تراوحت بين 4 سنوات و66 سنة سجناً، وسط تنديد واسع من قبل المجتمعات الحقوقية وهيئات دفاع حيث تعتبر القضية سياسية بنظرهم.
وكان نجيب الشابي قد أكد في تصريح خاص لـ"العربي الجديد"، أول من أمس الأربعاء، استعداده للتعرّض للاعتقال في أي لحظة، وأن حاجياته جاهزة، وهو مستعد للذهاب إلى السجن، مشدداً على أن "القوة في يد السلطة، ولكن الحق إلى جانبنا". وأضاف الشابي أنه رغم كل ذلك "متفائل، والأزمة كلما اشتدت ستفرج، وتخبّط السلطة لن يطول"، مبيناً أن "الأوضاع الاجتماعية مهتزة والحركة النقابية بصدد استرجاع دورها". وأشار إلى أن "المعارضة تتآلف في ما بينها وسقفها السياسي يرتفع"، مضيفاً أن "تخبّط السلطة لم يقتصر على الداخل بل طاول حتى الخارج". وأشار إلى أن تصريحات الرئيس التونسي، الأربعاء، خلال لقائه مع وزير الصحة مصطفى الفرجاني، "لم تخل كالعادة من معارك وهمية، واتهامات، وكل هذا لن يغطي عجز السلطة ولا اضطرابها"، معرباً عن تفاؤله وثقته في التونسيين، لا سيما الشباب. وأشار الشابي إلى وجود أبرز وجوه الحركة السياسية والإعلامية وكذلك المدنية والحقوقية في تونس وراء القضبان في السجن، لافتاً إلى أن قرار تعليق نشاط الجمعيات المدنية "يهدف إلى مزيد من التصحر في العمل السياسي، ولكن الطبيعة لها قوانينها وهي لا تأبى الفراغ".
أحمد نجيب الشابي: تخبّط السلطة لم يقتصر على الداخل بل طاول حتى الخارج
دمقرطة الظلم
من جهته، قال المتحدث باسم حركة النهضة عماد الخميري، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن السلطة في تونس تعمل على تجريم العمل السياسي، واعتقال الفاعلين السياسيين، إذ شملت الاعتقالات أغلب قادة المعارضة السياسية ورموزها، مبيناً أن كل العائلات السياسية والفكرية تكاد تكون مشمولة بالاعتقالات والتوقيفات، وهذا بنظره لم يكن أمراً طارئاً أو جديداً، حيث عملت السلطة منذ 25 يوليو/تموز 2021 على سجن المعارضين، لافتاً إلى أنه "تقريباً، فإن أغلب القضايا التي شملت السياسيين أو المعارضين هي تحت عنوان التآمر، مشيراً إلى أن أغلب المحامين يؤكدون أنها ملفات فارغة وعلى المقاس والهدف منها تصحير المشهد السياسي والساحة التونسية من رموزها وقادتها.
وأضاف الخميري أن "حركة النهضة وجبهة الخلاص الوطني تدينان هذه الاعتقالات وخصوصاً نهج السلطة في معالجة أوضاع تونس السياسية، فهي بصدد إنكار الأزمة وإنكار أن لها معارضة، وتصفها بالخائنة، وتقريباً هي تتغذى من الخطاب نفسه، ولكن الرأي العام سيدرك أننا في قلب الأزمة السياسية، وأن مثل هذه الاعتقالات لا يمكن أن توفر ديمومة السلطة التي ينتفض من حولها الجميع، حيث أصبح هناك وعي بأننا أمام هجمة من قبل السلطة على الخصوم السياسيين".
وبيّن الخميري أن "السلطة تظن أنها بمثل هذه الاعتقالات تضعف المعارضة، ولكن ما يحصل هو العكس، لأن المعارضة تلتقي اليوم أكثر من أي وقت مضى، سواء لإدانة ما يحصل، أو ربما للتحرك الميداني، وهو ما يفسّر الهبّة الكبيرة في أغلب التحركات الأخيرة الرافضة الظلمَ".
وعن تدهور الحياة السياسية في تونس، ردّ الخميري بأن "السياسة لا تموت، وهذه الاعتقالات ستقوّي المعارضة السياسية في تونس باتجاه رفض الظلم، والبحث عمّا يوحد الجميع من أجل الوصول إلى خريطة طريق تخرج البلاد من الأزمة ومن الوضع الناتج عن القرارات الخاطئة وعن الابتعاد عن المسار الديمقراطي". وبيّن أن "المعارضة مسؤولة وستبقى رغم كل الاعتقالات من أجل رفض هذه المحاكمات الجائرة والوقوف على الحد الأدنى من القواسم المشتركة للالتقاء بين مختلف العائلات السياسية الإسلامية واليسارية والدستورية والليبرالية ورفض الظلم".
من جهته، أكد المتحدث باسم الحزب الجمهوري وسام الصغير، لـ"العربي الجديد"، أن "أغلب القادة السياسيين والمعارضين ممن اعتقلوا ليسوا داخل السجن ما دامت ضمائرهم وأفكارهم حرّة"، مضيفاً أن "من يُنكّل بالمعارضة ومن يُؤزم المشهد العام هو المرتبك في الحقيقة". وأشار إلى أن "ابتسامة العياشي الهمّامي وهو يعتقل، ورفض أحمد نجيب الشابي تقديم تعقيب على الحكم الاستئنافي الصادر واستعداده للسجن، وإصرار شيماء عيسى على مواصلة النضال والخروج في مسيرة ضد الظلم قبيل اعتقالها، ورسائل جوهر بن مبارك وعصام الشابي التي لا تخلو من التحدي والإصرار على تطبيق العدالة وإضرابات الجوع التي خاضوها ويخوضها السياسيون، كل هذا رسائل تؤكد أن المعتقلين ليسوا مسجونين بل هم أحرار وهم في موقع قوة، وسجّانهم الذي أعطى قرار سلب حريتهم هو السجين حيث لا يزال في مربع واحد".
عماد الخميري: الاعتقالات ستقوّي المعارضة للبحث عمّا يوحدها
وأضاف الصغير أن "تسارع وتيرة الاعتقالات واشتداد الحملة هما مواصلة لحملة طويلة من الاعتقالات التعسفية التي استهدفت كل الأصوات الحرّة في تونس، والهدف إفراغ الساحة السياسية من كل الأصوات والمواقف التي تتباين مع منظومة الحكم وهذا الأمر ليس بالجديد، بل انطلق منذ مسار 25 يوليو 2021". وأوضح أن "ما يحصل من تطورات ليس غريباً، فالفشل في إيجاد حلول للمشاكل البيئية والاجتماعية لا يهدف سوى إلى إلهاء الرأي العام ومزيد من القمع والتنكيل".
أما عضو هيئة الدفاع عن المعتقلين السياسيين المحامي سمير ديلو، فرأى أن من "بقي اليوم خارج السجن هو فقط من لم يطله القضاء والذي لم تقرر السلطة السياسية إيقافه"، موضحاً في تصريح لـ"العربي الجديد" أنه "لا يمكن إحصاء من هم في السجون، والأصل إحصاء من هم في السجن وليس العكس"، معتبراً أن "لا منطق في كل ما يحصل في المشهد السياسي، والوضع يستعصي على الفهم والتفسير، ولكن المعركة ليست قضائية بل سياسية". ولفت إلى أن "تسارع وتيرة الاعتقالات والحسم في قضية التآمر تؤكد أنه من الواضح أن القرار اتخذ بتصفية المعارضة".
بدوره، رأى المنسق العام لائتلاف صمود حسام الحامي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، أن "العنوان الأبرز لهذه المظلمة هو دمقرطة الظلم، أي أنه منذ انطلاق قضية ما يعرف بالتآمر على أمن الدولة، فإن الدولة تسعى إلى تأكيد سرديتها بأن الأجسام الوسيطة فاسدة، وأن كل الأطياف السياسية من تيار إسلامي وقومي ويساري ممن حكموا طيلة السنوات العشر من عمر الثورة فاسدون وخونة".
وبيّن الحامي أن السلطة "تعتبر أن الحكم لا يكون إلا بالشعب، وهذا يعني أن هناك سلطة واحدة تقود الشعب والبقية تنتفي عنهم صفة المواطنة". وتابع أن "سردية السلطة حول أن تورط أطياف متنوعة في قضية التآمر قضية خيانة عظمى وفيها إضرار بالأمن القومي، يجعلها تتشبث في أن تكون الأحكام فيها ثقيلة". وأضاف أن بعض الملفات المتعلقة بالفساد أو بالحريات يتمّ التراجع عنها مثل ما حصل مع رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة سهام بن سدرين، التي أفرج عنها، والمحامية سنية الدهماني، ولكن السلطة لن تترك ملف التآمر أو تتراجع عنه لأنها بنت عليه سردية كاملة، وإذا سقط هذا الملف، تسقط سردية السلطة، ولذلك هي تتمسك بالأحكام الثقيلة وبالاعتقالات".