قصف الجسور والطرق في إيران: هل تجهّز واشنطن للغزو البرّي؟

18 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 16:03 (توقيت القدس)
بعد تدمير جسر في هرمزغان، 17 يوليو 2026 (مرتضى أخوندي/Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن مع استهداف الهجمات الأمريكية للبنى التحتية الإيرانية في جنوب البلاد، مما يثير تساؤلات حول احتمالية الغزو البري الأمريكي.
- رد الحرس الثوري الإيراني باستهداف جسور في البحرين، معتبرًا أن الهجمات الأمريكية تهدف إلى إخفاء هزيمتها في المواجهات المباشرة، مع التركيز على الضغط المالي والأمني على طهران.
- تعتمد الولايات المتحدة على "نظرية حلقات واردن الخمس" لإضعاف الدفاعات الإيرانية، لكن الخبراء يرون أن الغزو البري سيكون مكلفًا ويواجه تعبئة شعبية واسعة.

الهدف هو عزل الساحل الإيراني في هرمزغان الذي يقع هرمز في نطاقها

تقوي نيا: واشنطن تهدف من وراء هذه الضربات إلى قطع خطوط الإمداد

في تطور لافت له دلالاته في مسار التصعيد الجديد بين طهران وواشنطن، انتقلت المواجهات الليلية المحدودة بين الطرفين إلى استهداف البنى التحتية الإيرانية في جنوب البلاد، لا سيما الجسور والطرق في محافظة هرمزغان الساحلية. واللافت أن هذه الاستهدافات تطاول حالياً الجسور والطرق التي تربط المحافظة بمحافظة فارس التي تشكل حلقة الوصل الأقرب بين وسط البلاد وشمالها والمحافظتين الساحليتين هرمزغان وبوشهر، ما يعني أن الهدف هو عزل الساحل الإيراني في هرمزغان، التي يقع مضيق هرمز ضمن نطاقها الجغرافي، عن المركز. ويطرح ذلك تساؤلات بشأن ما إذا كانت الحرب تقترب من لحظة تختار فيها الولايات المتحدة الذهاب إلى الغزو البرّي لأراضي إيرانية، وهو ما اعتبره متابعون عملية معقّدة ومكلفة.

ويُعدّ محور شيراز (مركز محافظة فارس) ـ بندر عباس (مركز محافظة هرمزغان)، لا سيما مقطع كهورستان ـ لار، أهم شريان نقل يربط فارس بهرمزغان. علماً أن ما جرى استهدافه هو طرق الوصول الأسرع والأقصر زمنياً بين محافظتي فارس وهرمزغان، فيما لا تزال هناك طرق بديلة أخرى بين المحافظتين، لكنها تستغرق وقتاً أطول. وأعلنت السلطات الإيرانية المعنية فتح طرق جانبية بديلة، إلى جانب الجسور المستهدفة، لتسيير حركة مرور السيارات. 

وخلال مواجهات اليومين الأخيرين، طاولت الهجمات الأميركية ما لا يقل عن ثمانية جسور ونفقاً وثلاثة خطوط للسكك الحديدية، بالإضافة إلى مطار إيرانشهر في محافظة سيستان وبلوشستان جنوب شرقي البلاد. وأدّت هذه الهجمات إلى إعلان السلطات المحلية حظر التنقل على هذه المحاور البرّية في محافظة هرمزغان، ودعوة المواطنين الإيرانيين إلى استخدام طرق بديلة.

في الأثناء، أثار استمرار الهجمات على الجنوب الإيراني الساحلي، خصوصاً استهداف البنى التحتية، موجة تضامن وتعاطف بين الإيرانيين، بمختلف توجهاتهم السياسية، وحتى من معارضين في الخارج كانوا قد حرّضوا على الحرب على البلاد. وأعلن الحرس الثوري الإيراني، اليوم، أنه، رداً على استهداف الجسور والطرقات، نفذ هجمات على جسور في البحرين. وقال إن "أميركا، عبر مهاجمة المستشفى والجسر والسكك الحديدية والميناء والمطار وقتل المدنيين، تحاول إخفاء هزيمتها في الحرب المباشرة مع قواتنا المسلحة".

في السياق، رأت وزيرة المواصلات الإيرانية فرزانة صادق، اليوم السبت، أن قصف الطرق الإيرانية في الجنوب يأتي في إطار "حرب الممرات". وأضافت صادق، في تصريحات أوردتها وكالة "إيسنا" الإيرانية، أن "العدو يسعى إلى فصل إيران عن شبكة المواصلات الإقليمية والدولية".

ما وراء الاستهداف؟

ورأى الخبير الإيراني هادي برهاني، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الهجمات على الجسور والطرق في جنوب إيران، وهي منشآت غير عسكرية ومدنية، يمثل انتهاكاً للقانون الدولي، وتحديداً لقواعد الحرب. وأضاف برهاني أن المدنيين هم وحدهم من يتضررون ويُقتلون من جراء هذه الهجمات، ما يجعلها مرادفاً لجريمة حرب، قائلاً إن هذه الانتهاكات الصريحة للقوانين الدولية تظهر أن الولايات المتحدة غير قادرة على تحقيق أهدافها من خلال معركة تلتزم قواعد القانون الدولي.

هادي برهاني: إيران تستطيع جعل الملاحة في مضيق هرمز غير آمنة انطلاقاً من عمق أراضيها

وأوضح الخبير الإيراني أن الهدف المعلن لهذه الهجمات هو الحدّ من قدرة إيران على إغلاق مضيق هرمز، من خلال قطع طرق المواصلات التي تربط بندر عباس والقواعد الإيرانية القريبة من المضيق ببقية مناطق البلاد، ومنع إيران من مواصلة السيطرة على المضيق والحفاظ على وجودها العسكري في هذه المنطقة. لكنه استبعد أن يكون ذلك الهدف هو الحقيقي للهجمات، لافتاً إلى أنه حتى لو دمرت هذه الهجمات جميع جسور المنطقة وطرقها، فإنها لن تتمكن من قطع وصول القوات العسكرية الإيرانية إلى مضيق هرمز.

وأشار برهاني إلى أن إيران تستطيع جعل الملاحة في مضيق هرمز غير آمنة انطلاقاً من عمق أراضيها، كما أن هذه الهجمات لن تقطع وصولها إلى المضيق في جميع الأحوال، وإن كانت قد تحدّ منه. وبناءً على ذلك، خلص برهاني إلى أن إيران ستظل قادرة، لمدة غير محددة، على جعل المضيق غير آمن أمام حركة الملاحة.

ورجّح برهاني في حديثه لـ"العربي الجديد" أن يكون الهدف الحقيقي والرئيسي لهذه الهجمات هو ممارسة الضغط على طهران، من خلال إلحاق خسائر مالية فادحة بها نتيجة التدمير الواسع للبنى التحتية في البلاد، فضلاً عن إيجاد تهديد جدّي وذي مصداقية لأمن المناطق الجنوبية من إيران، لا سيما منطقة بندر عباس ومضيق هرمز، مضيفاً أن واشنطن تأمل، على الأرجح، من خلال هذه الهجمات، جعل حماية أمن المناطق الجنوبية الساحلية أكثر صعوبة لطهران، بما يثير مخاوفها ويؤثر في حسابات طهران وموقفها إزاء مضيق هرمز.

احتمالات الغزو البرّي

في السياق، رأى الخبير العسكري الإيراني محمد طاهري، في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه لا يمكن الجزم حتى الآن بأن الهدف الأميركي من ضرب الجسور والطرقات هو عزل الساحل الإيراني عن باقي المناطق تمهيداً لشنّ الغزو البرّي أم لا، مشيراً إلى أن المعطيات الحالية لا تسمح بإطلاق حكم قاطع بشأن ما إذا كانت واشنطن تعتزم فعلاً تنفيذ عملية برّية ضد مناطق داخل إيران. لكنه أضاف أن السلوك الأميركي في الميدان يوحي بأن خيار الغزو البرّي قد يكون مطروحاً ضمن السيناريوهات المحتملة إذا اتسعت الحرب في المرحلة المقبلة.

محمد طاهري: غياب مسارات الإسناد البرّي المباشر سيجعل مهمة القوات الأميركية أكثر صعوبة بكثير

وأوضح طاهري أن ثمة نقاطاً تستدعي التوقف عندها في هذا السياق، من بينها أن الولايات المتحدة، خلال الفترة الأخيرة من المواجهات، لم تستهدف القواعد الصاروخية الإيرانية على نحو مباشر، ما أتاح لطهران، بحسب تقديره، هامشاً واسعاً من حرية الحركة لمواصلة عملياتها الصاروخية باستخدام صواريخ نوعية تعمل بالوقود الصلب. ورأى أن الغزو البرّي الأميركي ضد إيران، إذا حصل، سيواجه تعقيدات ميدانية كبيرة، لأن تنفيذ الغزو البرّي يتطلب السيطرة على نطاق جغرافي واسع. وأشار إلى أن منطقة بندر عباس، والمدينة نفسها، إلى جانب الساحل الشمالي لمضيق هرمز، تفتقر إلى عمق برّي داعم من الجهة الجنوبية، ما يعني أن أي هجوم محتمل عليها سيكون مضطراً إلى الاعتماد على البحر للوصول إليها. واعتبر الخبير العسكري الإيراني أن غياب مسارات الإسناد البرّي المباشر سيجعل مهمة القوات الأميركية أكثر صعوبة بكثير، ليس فقط على مستوى التقدم الأولي، بل خصوصاً في ما يتعلق بالاحتفاظ بالمواقع التي قد تتمكن من السيطرة عليها.

واعتبر طاهري أن القوات الأميركية في حال الغزو البرّي لن تكون قادرة على تثبيت وجودها في تلك المنطقة إلا إذا تمكنت من السيطرة على شريط ساحلي واسع يتجاوز ألف كيلومتر، أو على طول سواحل الخليج وبحر عمان، بما يتيح لها تأمين طرق إمداد ودعم برّي. لكنه شدّد على أن تحقيق هذا الغزو البرّي سيكون بالغ الكلفة، ويتطلب أعداداً ضخمة من القوات، فضلاً عن معدات وإمكانات عسكرية هائلة.

في المقابل، أكد طاهري أن إيران وضعت منذ سنوات مثل هذا السيناريو للغزو البرّي في حساباتها، وتعاملت معه في مناوراتها العسكرية بوصفه احتمالاً قائماً، ولذلك عملت على التدرب لمواجهة هجوم برّي أميركي، وأعدت تحصينات ساحلية وصفها بأنها "جيدة جداً" وقادرة على الصمود حتى في ظل القصف الجوي.

قطع خطوط الإمداد

إلى ذلك، اعتبر الخبير الإيراني علي رضا تقوي نيا أن الضربات الأميركية التي استهدفت الجسور في جنوب إيران تعكس "سوء فهم أميركياً" لاستراتيجية الحرب غير المتكافئة التي تتبعها طهران. وأوضح أن واشنطن تهدف من وراء هذه الضربات إلى قطع خطوط الإمداد اللوجستي بين محافظتي فارس وهرمزغان، معتقدة أن ذلك سيؤثر في دعم القوات البحرية الإيرانية، في حين أن هذه الحسابات "تفتقر إلى الدقة".

وأشار تقوي نيا، في حديث لـ"العربي الجديد"، إلى أن الاستراتيجية الأميركية تواجه تعثراً، إذ لم تتوقع واشنطن أن تنجح إيران في فرض سيطرتها على مضيق هرمز لنحو ستة أشهر متواصلة. وأضاف أن كل المحاولات الأميركية لتحويل جنوب المضيق إلى ممر لوجستي خاص بها "باءت بالفشل" بفعل العمليات التي نفذتها القوات البحرية والجوفضائية التابعة للحرس الثوري.

ورأى الخبير الإيراني أن استهداف البنى التحتية في الجنوب تعبير عن "الإخفاقات الاستراتيجية" التي منيت بها واشنطن، مؤكداً أن القوات الإيرانية استعدت مسبقاً لمثل هذه الظروف عبر "هندسة قتالية" قادرة على بناء جسور مؤقتة، فضلاً عن امتلاك إيران "مدناً صاروخية وبحرية ومراكز للمسيّرات" داخل محافظة هرمزغان، ما يجعل القوات البحرية في غنى عن الاعتماد الكلّي على خطوط الإمداد القادمة من المركز في حالات الطوارئ.

وخلص تقوي نيا إلى أن الهدف الجوهري للولايات المتحدة في الوقت الراهن يتمثل في "إعادة فتح مضيق هرمز"، معتبراً أن التوترات الحالية في الجنوب هي محاولة أميركية لكسر السيطرة الإيرانية، بينما تراهن طهران على "استراتيجية الصبر والاستنزاف" لضمان استمرارية هذا الوضع.

استراتيجية واردن

وشرح القيادي السابق في الحرس الثوري الإيراني حسين كنعاني مقدم، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الأميركيين يتحركون وفق "نظرية حلقات واردن الخمس" (في إشارة إلى نظرية الكولونيل الأميركي جون واردن)، وهي النظرية نفسها التي اعتمدوها، بحسب قوله، في كوسوفو والعراق. وأوضح أن هذه النظرية تقوم على استهداف الحلقة المركزية أولاً، أي القيادة ومركز القرار، بهدف شلّ منظومة القيادة والسيطرة وإخراجها من المعادلة، لأن نجاح هذه المرحلة، وفق تصوره، يفتح الطريق أمام ضرب الحلقات اللاحقة، التي تشمل البنى التحتية واللوجستيات والاتصالات والقوات العسكرية، بما يفقدها القدرة على الدفاع عن نفسها.

وأضاف كنعاني مقدم أن هذا النمط استُخدم أيضاً ضد إيران خلال حرب يونيو/حزيران 2025 والحرب الأخيرة التي استمرت 40 يوماً، مشيراً إلى أن "القادة الإيرانيين تعرّضوا للاستهداف"، لكن طهران، بحسب قوله، كانت تتوقع مسبقاً احتمال لجوء أعدائها إلى هذا الأسلوب، ولذلك طوّرت أنظمة قيادة "ذكية وبنيوية" مكّنتها من الرد سريعاً.

حسين كنعاني مقدم: الأميركيون يتحركون وفق "نظرية حلقات واردن الخمس" 

ورأى أن الولايات المتحدة انتقلت حالياً إلى الحلقة الثانية من هذه النظرية، والمتمثلة في استهداف البنى التحتية، بما يشمل الجسور ومراكز الاتصالات ومنظومات الرادار والدفاع الجوي، في محاولة لإضعاف القدرة الدفاعية وتقليص فاعلية القيادة والسيطرة. واعتبر أن ما يجري في جنوب إيران يندرج في هذا الإطار، إذ تسعى واشنطن، بحسب تقديره، إلى قطع دعم الشمال للجنوب تمهيداً للانتقال إلى الحلقة الثالثة.

وأوضح كنعاني مقدم أن هذا المسار قد يكشف عن نية للقيام بعمليات إنزال بحري تستهدف السيطرة على بعض الجزر أو على مواقع في السواحل الجنوبية الإيرانية. لكنه اعتبر أن هذا السيناريو ينطوي على "خطأ في الحسابات"، قائلاً إن التجربة الإيرانية خلال الحرب العراقية الإيرانية أظهرت أن أي هجوم برّي أو محاولة تطويق في الجنوب ستستدعي تعبئة شعبية واسعة من مختلف أنحاء البلاد. وأضاف أن وصول القوات الأميركية إلى الأرض الإيرانية، إن حصل، سيجعلها عرضة لـ"ضربات قاسية وخسائر بشرية كبيرة"، معتبراً أن واشنطن "لا تحتمل القتلى والخسائر والأسر". وقال إن طهران "لا تمانع" أن تقدم القوات المعادية على إنشاء موطئ قدم في إحدى المناطق، لأن ذلك، بحسب تعبيره، سيمنح القوات الإيرانية فرصة لاستهدافها مباشرة وإجبارها على الانسحاب تحت وطأة الخسائر.