قصرة… حكاية قرية فلسطينية تقاوم الاستيطان وجرائمه

15 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 17:42 (توقيت القدس)
الاحتلال يمنع مساعدات لعائلات يحاصرها بقصرة، 14 أغسطس 2026 (عصام ريماوي/الأناضول)

ينظر أهل البلدة للمعركة الحالية بأنها معركة على مستقبل المكان

تحولت الزراعة في من مصدر رزق مستقر إلى مواجهة يومية مع الاستيطان

صحيح أنّ الأحداث الأخيرة أعادتها إلى الواجهة من جديد، غير أنّ الفلسطينيين لم ينسوا أبداً المشهد الأشَهر في المواجهات مع المستوطنين في قصرة جنوب نابلس شمالي الضفة الغربية، حين تمكن شبّان من البلدة، في السابع من يناير/كانون الثاني 2014، من احتجاز 15 مستوطناً، كانوا يحضّرون للهجوم على أطراف البلدة، لساعات عدة، قبل أن يتدخل جيش الاحتلال لتحريرهم. منذ ذلك الحين، يواصل المستوطنون خططهم للثأر من قصرة بشتى السبل.

على السفوح الجنوبية الشرقية لمحافظة نابلس، تقف بلدة قصرة بوصفها واحدة من أكثر البلدات الفلسطينية التصاقاً بالأرض، وأكثرها حضوراً في مواجهة الاستيطان. هنا، لا تبدو الجغرافيا مجرد موقع على الخريطة؛ فالتلال المحيطة، والينابيع، وحقول الزيتون، والمراعي، والطرق الزراعية، كلّها عناصر صنعت علاقة خاصة بين البلدة وأرضها، وجعلت من قصرة، على مدى سنوات، نقطة تماس متقدمة مع المشروع الاستيطاني في شمال الضفة الغربية.

وتقع قصرة على بعد نحو 24 كيلومتراً جنوب مدينة نابلس، وتتبع إدارياً لمحافظة نابلس، وترتفع أجزاء منها بنحو 750 متراً عن سطح البحر، فيما تصل بعض المرتفعات المحيطة بها، ولا سيما جبل رأس العين، إلى نحو 930 متراً، ما يجعله يضاهي جبلي نابلس، عيبال وجرزيم، في الارتفاع.

لقصرة أهمية جغرافية واستراتيجية، خصوصاً في ظلّ امتداد المستوطنات والبؤر الاستيطانية على قمم الجبال المحيطة

هذا الموقع المرتفع منح قصرة إطلالة واسعة على المناطق المحيطة، ويجعلها في الوقت نفسه ذات أهمية جغرافية واستراتيجية، خصوصاً في ظلّ امتداد المستوطنات والبؤر الاستيطانية على قمم الجبال المحيطة. وتحد البلدة من الغرب قريتا تلفيت وقبلان، ومن الشرق مجدل بني فاضل، ومن الشمال عقربا، فيما تحدها جالود من الجنوب. ويناهز عدد سكان قصرة ستة آلاف فلسطيني، يعيشون في تجمع عمراني تحيط به مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.

اسم قديم وبلدة ذات جذور

لا يوجد تفسير موثق وحاسم لأصل تسمية "قصرة"، ولذلك لا يمكن الجزم بسبب محدّد للاسم من دون الرجوع إلى مصادر تاريخية متخصصة، لكن البلدة، كغيرها من قرى نابلس، نشأت ضمن بيئة ريفية ارتبط فيها الاستقرار البشري بالأرض والزراعة ومصادر المياه، قبل أن تتحول جغرافيتها خلال العقود الأخيرة إلى ساحة مفتوحة للصراع على الأرض.

تبلغ مساحة أراضي قصرة الزراعية، بحسب المعطيات المنشورة على صفحة بلدية قصرة، نحو 27 ألف دونماً، فيما تتباين المصادر الواردة بشأن المساحة العمرانية والإجمالية للبلدة؛ إذ تشير الأرقام إلى أنها تبلغ نحو تسعة آلاف دونم، كانت على الدوام أحد أهم مقومات اقتصاد البلدة وسبباً رئيسياً في أهميتها. والزراعة ليست نشاطاً اقتصادياً ثانوياً في قصرة، بل جزء من هوية المكان. تنتشر أشجار الزيتون في أراضيها، إلى جانب القمح والزعتر والميرمية، فيما اعتمدت عائلات أخرى على تربية المواشي والرعي، وكانت الأراضي المحيطة بالبلدة توفر مصدر دخل وغذاء، وتحافظ في الوقت ذاته على اتصال السكان بالمكان.

خريطةتلفيتقبلانمجدل بني فاضلعقرباجالودقصرةمدينة نابلس
  • القرى المحيطة في قصرة
  • تبعد قصر عن مدينة نابلس 24 كلم

الزيتون... اقتصاد وذاكرة

يقول المزارع عبد المجيد حسن (65 عاماً) لـ"العربي الجديد"، إن "لشجرة الزيتون موقعاً خاصاً في حياة القصراويين، فالأرض بالنسبة إلى المُزارع ليست مجرد مساحة قابلة للاستثمار، بل إرثاً عائلياً ينتقل من جيل إلى آخر". لكن هذا الارتباط بالأرض، وفق حسن، "أصبح أكثر كلفة خلال السنوات الماضية، فآلاف الدونمات باتت خارج قدرة الأهالي على الوصول المنتظم إليها، إما بفعل المصادرة أو القيود على الحركة أو التوسع الاستيطاني".

وتختصر قصة حسن جانباً من هذه المعاناة، فقد اعتاد الوصول إلى أرضه الواقعة بالقرب من مستوطنة "إيش كوديش" المقامة على أراضي البلدة، رغم المخاطر. وفي إحدى المرات، وجد عشرات أشجار الزيتون التي يملكها مقطوعة، كما تعرّض منزله وممتلكاته للاعتداء، فيما طاول التخريب جرّاره الزراعي، وتعرض أحد أبنائه للاعتقال، وفق روايته. هكذا تحولت الزراعة في قصرة من مصدر رزق مستقر إلى فعل يتطلب مواجهة يومية مع مخاطر الاستيطان.

قصرة في قلب الحزام الاستيطاني

تكتسب بلدة قصرة أهميتها الحالية أيضاً من موقعها وسط شبكة استيطانية آخذة في التوسع. ووفق المعطيات الواردة من البلدة، تحيط بقصرة مستوطنات وبؤر استيطانية عدة، أبرزها "مجداليم" المقامة إلى الشمال الشرقي، و"إيش كوديش"، و"كيدا"، إضافة إلى بؤر استيطانية أخرى في محيطها.

ويوضح رئيس بلدية قُصرة، عبد العظيم وادي، أن آلاف الدونمات صودرت لصالح المستوطنات المحيطة؛ ففي عام 1980 صودر نحو 2900 دونم لصالح مستوطنة مجداليم، ثم صودرت مساحة أخرى عام 2016، فيما شهدت مناطق أخرى مصادرات لصالح مستوطنات مجاورة. ويلفت وادي في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أنه "بموجب تقسيمات اتفاق أوسلو، تتوزع أراضي قصرة بين منطقتي "ب" و"ج"، وهو تقسيم يفرض قيوداً مختلفة على قدرة الفلسطينيين على البناء وتطوير البنية التحتية والوصول إلى أراضيهم.

يلفت وادي إلى أن "البلدة عاشت سنوات طويلة من الاحتكاك مع المستوطنين، لكن ما تغيّر، هو سرعة التحولات وطبيعة الأدوات المستخدمة في السيطرة على الأرض، ففي السنوات الأخيرة، برز نمط جديد من الاستيطان في محيط بلدتنا هو الاستيطان الرعوي". فبدل أن يبدأ التوسع الاستيطاني دائماً ببناء حي سكني واسع، تظهر أحياناً خيام أو بؤر صغيرة، تتحول تدريجياً إلى نقاط للسيطرة على مساحات أكبر من الأرض، خصوصاً في المناطق الجبلية والمراعي، وفق وادي. 

برز نمط جديد من الاستيطان في محيط قصرة هو الاستيطان الرعوي

وهنا تكتسب مناطق مثل جبل رأس العين أهميتها، فالمنطقة المرتفعة، التي تصل إلى نحو 930 متراً فوق سطح البحر، تشكل موقعاً استراتيجياً يطلّ على مساحات واسعة، وتضم أراضي زراعية ومصادر مياه. ويقول أهالي قصرة إن محاولات إقامة بؤر استيطانية في المنطقة تكررت، وإنّ المستوطنين استخدموا الخيام والرعي وفتح الطرق وشقّها والسيطرة على مصادر المياه كوسائل لتثبيت وجودهم.

وتكمن خطورة هذا النمط، وفق الناشط فؤاد القصراوي، في أن البؤرة الصغيرة لا تبقى بالضرورة ضمن حدودها المادية، فوجود المستوطنين في موقع مرتفع، واستخدامهم الأراضي المحيطة للرعي، يمكن أن يحول مساحات واسعة إلى مناطق يصعب على أصحابها الفلسطينيين الوصول إليها أو استثمارها. وبذلك يصبح الاستيطان الرعوي وسيلة للسيطرة على "المجال المحيط بالبؤرة" أكثر من السيطرة على مساحة البناء نفسها، كما يوضح فؤاد الذي خبر المستوطنين جيداً خلال العقدين الأخيرين.

المقاومة الشعبية

لكن اسم قصرة لا يرتبط بالزراعة والاستيطان وحدهما؛ فالبلدة اكتسبت شهرة واسعة في الضفة الغربية بسبب مقاومتها المتكررة لاعتداءات المستوطنين.

ويستعيد فؤاد حوادث عدة تمكّن فيها الأهالي من منع مجموعات من المستوطنين من الوصول إلى داخل البلدة، ومن بينها حوادث احتجاز مستوطنين أو جنود كانوا يتسللون إلى المنطقة، كما جرى عام 2014، "فتلك الأحداث صنعت صورة خاصة لقصرة؛ بلدة لا تنتظر الاعتداء داخل حدودها، وإنما تواجهه عندما يصل إلى أطرافها". ولذلك يرى أبناء البلدة أن جانباً من التصعيد الاستيطاني الحالي يرتبط أيضاً بتاريخ قصرة في المقاومة الشعبية، وما راكمته من تجربة في مواجهة المستوطنين.

"نحن نقلع وهم يزرعون"

في مواجهة المصادرات وهدم المنشآت، تحولت الخدمات البلدية نفسها إلى جزء من معركة تثبيت السكان. فقد هُدمت في السابق شبكة كهرباء تخدم مناطق جنوب البلدة بدعوى وجودها في المنطقة "ج"، فيما واجهت البلدية صعوبات في تمديد شبكات المياه والكهرباء وتعبيد الطرق وجمع النفايات في المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية. ومع ذلك، يختصر رئيس بلدية قصرة عبد العظيم وادي فلسفة البلدة بجملة تعكس علاقتها بالأرض: "هم يقلعون ونحن نزرع، وهم يهدمون ونحن نبني".

وتظهر هذه الفلسفة في إعادة إصلاح شبكات الكهرباء، وإعادة زراعة الأراضي، ودعم المزارعين، ومحاولة إبقاء الطرق والخدمات مفتوحة، رغم المخاطر التي تواجه طواقم البلدية. لهذا كلّه، يصعب اختزال قصرة في كونها قرية جنوب نابلس تُحاصرها المستوطنات، فهي بلدة زراعية واسعة الأراضي، ارتبط اسمها بالزيتون والمراعي، لكنها أصبحت أيضاً واحدة من أشهر البلدات الفلسطينية في مواجهة الاستيطان والمستوطنين.

وفي قصرة، تتقاطع حكاية الأرض مع حكاية المقاومة، فكل شجرة زيتون مقطوعة تعني خسارة اقتصادية وذاكرة عائلية، وكل طريق مغلق يعني ابتعاد المزارع عن أرضه، وكل بؤرة رعوية جديدة تعني تغييراً في وظيفة مساحة أكبر من الجبل.
ولهذا ينظر أهل البلدة إلى المعركة الحالية باعتبارها معركة على مستقبل المكان، لا على منزل أو قطعة أرض منفردة. فالمستوطنات المحيطة، والبؤر الرعوية المتقدمة، والطرق التي تتغير وظيفتها، ومصادر المياه التي تصبح موضع صراع، كلها تعيد رسم حدود قصرة بصورة تدريجية.

لكن البلدة التي اشتهرت بمقاومتها لا تبدو مستعدة للتعامل مع هذا التحول باعتباره أمراً واقعاً، ففي قصرة، ما زال المزارع يحاول الوصول إلى شجرته، وما زالت البلدية تحاول إعادة بناء ما يُهدم، وما زالت العائلات تتمسك بمنازلها فوق القمم.
وهنا تحديداً تكمن شهرة قصرة: بلدة صغيرة في جنوب نابلس، لكنها تحولت، بفعل موقعها وأرضها وتجربتها في مقاومة الاستيطان، إلى واحدة من أبرز نقاط المواجهة على خريطة الضفة الغربية.