قرار حفتر ترقية نجله صدام.. أبعاد سياسية ورسائل للخارج

15 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 17:18 (توقيت القدس)
صدام حفتر خلال مشاركته في أحد الأنشطة، 28 مايو 2025 (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أثار تعيين خليفة حفتر لنجله صدام نائباً له في "القيادة العامة للجيش" جدلاً في ليبيا، حيث يُنظر إليه كخطوة لتعزيز موقع صدام وإرسال رسائل خارجية حول انتقال السلطة بسلاسة.
- صعود صدام في المناصب العسكرية وزياراته الدولية يشير إلى قبول دولي مبدئي له، في ظل تراجع دور والده.
- تعيين صدام يثير تساؤلات قانونية ويعكس توجهات نحو التوريث العسكري، مع احتمال استغلال الثغرات القانونية من قبل المعارضين.

لا تزال خطوة اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر تعيين نجله صدام نائباً له في ما يُعرف بـ"القيادة العامة للجيش" تثير الجدل في ليبيا، وسط أجواء سياسية مشحونة، تتقاطع فيها الصراعات الداخلية على الشرعية الدستورية للمناصب العليا، مع المساعي الدولية لإعادة صياغة المشهد السياسي الليبي.

ورغم أن التكليف جاء ضمن إطار ما أسماه حفتر "رؤية 2030" لتطوير الأداء العسكري في محاولة لإضفاء طابع رسمي على القرار، إلا أن مراقبين اعتبروا أنها خطوة تهدف إلى ترتيب أوسع يهدف إلى تثبيت موقع صدام داخل هرم القيادة لتعزيز مكانته في المستقبل، وكذلك لإرسال رسائل خارجية بأن بيت "القيادة" قادر على تسليم الراية بسلاسة متى ما اقتضت الظروف.

وعكست ردود الفعل الداخلية حيال الخطوة انقساماً عميقاً، ففيما سارع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس الحكومة المكلفة من المجلس أسامة حماد إلى الترحيب بالقرار، تبعته بيانات دعم واسعة من بلديات وهيئات مدنية وقبلية في شرق وجنوب البلاد، خيّم الصمت على الجزء الغربي من البلاد، باستثناء نائب رئيس المجلس الرئاسي عبد الله اللافي الذي أعلن عبر صفحته على "فيسبوك" رفضه التعيين، مؤكداً أن منصب القائد الأعلى للجيش يظل من اختصاص المجلس الرئاسي وفق الاتفاق السياسي الذي أفرز السلطة التنفيذية الحالية عام 2021. ورغم عدم تجاوب المجلس الرئاسي مع دعوة اللافي إلى اجتماع عاجل لمناقشة خطوة حفتر، إلا أنه لا يبدو موقفاً يتضمن ترحيباً، بقدر ما يتماهى مع موقف القوى السياسية والعسكرية في الغرب، المعروفة بخصومتها لحفتر ومشروعه العسكري.

وشق صدام طريقه إلى منصبه خلال سنوات معدودة بشكل سريع، ففي عام 2021، شكّل له والده "الكتيبة 106"، وعيّنه قائداً لها، قبل أن يدمجها في "لواء طارق بن زياد" تحت قيادته أيضاً. وفي مايو/ أيار 2024، رقّاه والده إلى رتبة فريق، وعيّنه آمراً لرئاسة أركان القوات البرية، ما منحه نفوذاً واسعاً داخل هيكل قيادة والده، وعلى الأرض من خلال القوات البرية المنتشرة في وسط وجوب البلاد.

وأخيراً، تخطى نشاط صدام حدود ليبيا، إذ تحرك على الساحة الدولية عبر زيارات لافتة، بدءاً بزيارة رسمية لتركيا مطلع إبريل/ نيسان الماضي، استُقبل فيها بشكل عسكري رسمي، ثم زار في نهاية الشهر عينه واشنطن، حيث كان في استقباله مسؤولون بوزارة الخارجية الأميركية، مروراً بزيارات أخرى إلى روما وباريس وإسلام أباد والقاهرة، التقى في جميعها مسؤولين عسكريين رفيعي المستوى.

وعلى الرغم من هذا الصعود اللافت، فإن خطوة حفتر الأخيرة لا تزال تثير تساؤلات جدية، إذ لم تصدر في صيغة قرار قانوني رسمي، بل أُعلن عنها عبر خبر مقتضب نشره مكتبه الإعلامي، ما يطرح تساؤلات حول الأساس القانوني الذي استند إليه في خلق منصب نائب للقائد العام، خاصة أن القانون الذي أصدره مجلس النواب عام 2015، المنظم للقيادة العامة، لا يمنح القائد العام صلاحية إنشاء مناصب جديدة بهذه الطريقة، الأمر الذي يفتح الباب أمام معارضيه لاستغلال الثغرات القانونية، وإثارة نقاش حول مدى التوافق بين ما أُعلن من إجراءات، وما ينص عليه القانون العسكري الليبي.

وفي هذا السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية حسن عبد المولى أن للخطوة بعداً سياسياً واضحاً، لا يمكن فصله عن التحركات الأممية والدولية لإحياء المسار السياسي المتعثر، مشيراً إلى أن الإعلان جاء قبل أيام من طرح المبعوثة الأممية هانا تيتيه خريطة طريق جديدة أمام مجلس الأمن، وأن الولايات المتحدة، وفق عبد المولى، تتحرك لدفع صيغة سياسية قد تشمل دمج صدام في سلطة تنفيذية موحدة إلى جانب رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، وشخصيات من الغرب الليبي، بما يعكس رغبة القوى الدولية في إدماج شخصيات شرق ليبية محسوبة على القيادة العامة ضمن أي ترتيبات سياسية مقبلة، وهو ما يضع صدام في موقع محوري واجهةً للشرق في مرحلة إعادة التوازنات السياسية.

ويضيف عبد المولى أن الترحيب الضمني الذي حظيت به زيارات صدام الخارجية إلى أنقرة وروما وواشنطن يعكس قبولاً مبدئياً له بوصفه وجهاً جديداً للشرق، خاصة أن والده أصبح أقل قدرة على قيادة أي تسوية بسبب تقدمه في السنّ، واختلاف مواقفه مع بعض القوى الدولية، لا سيما تلك المرتبطة بموسكو.

ويشير عبد المولى إلى أن اختيار صدام، بعكس شقيقه خالد الذي يُنظر إليه على أنه الأقرب لموسكو، يحمل رسالة خارجية بأن القيادة العامة مستعدة لتقديم جيل جديد أقل ارتباطاً بالتحالف الروسي، الأمر الذي يعكس استراتيجية لتأمين موقع مستقبلي لصدام في أي تسوية قادمة، وربما أيضاً لإدارة الانقسامات داخل الأسرة العسكرية.

وعلى الجانب الآخر، يرى الخبير العسكري الصيد عبد الحفيظ أن البعد القانوني لهذه الخطوة قد يكون أكثر تأثيراً على المدى الطويل، مشيراً إلى أن عدم صدور التعيين في صيغة قرار رسمي مرتبط بغياب معايير الأقدمية العسكرية، ولأن القانون الذي أقره مجلس النواب لإنشاء القيادة العامة لا يمنح "القائد العام" صلاحية ابتكار مناصب جديدة، مؤكداً أن خطوة التعيين تعكس في الأساس توجهات نحو التوريث العسكري، وتثبيت صدام خليفةً محتملاً في المؤسسة العسكرية.

 لكنها خطوة، برأي عبد الحفيظ، محاطة بمخاطر حتى داخل الأسرة نفسها، لافتاً إلى أنه لم يصدر أي ترحيب من إخوة صدام، وعلى رأسهم خالد الموجود داخل الهيكل العسكري لوالده، ما يشي بأن القرار لم يُعلن رسمياً لتفادي صدامات داخلية محتملة. وفيما يلفت عبد الحفيظ إلى أن حفتر يرى في صعود صدام السريع على الأرض حدّاً من المخاطر الداخلية، يعتبر أن صعوده يعزز مساعي واشنطن للحد من النفوذ الروسي في معسكر حفتر.

ويربط عبد الحفيظ بين صعود صدام وخطوات الدبيبة في غرب البلاد لتقليص نفوذ المليشيات المسلحة الكبرى، لا سيما في طرابلس، وهو ما قد يسهم في فتح الباب أمام توافقات لتوحيد المؤسسة العسكرية إذا انضمت إليها قوى أخرى مثل الزنتان والزاوية، ما يخلق توازناً داخلياً بين الشرق والغرب. ورغم كل هذه المخاطر التي تحيط بقرار حفتر، إلا أن عبد الحفيظ يلفت إلى أن المسألة القانونية لمنصب القائد الأعلى لن تكون عائقاً كبيراً أمام أي توافقات سياسية، إذ بات المجتمع الدولي يتعامل ببراغماتية مع القوى المسيطرة على الأرض، ليس بوصفها عسكرية فقط، بل باعتبارها عنصراً أساسياً في متغيرات السلطة والسياسة.