قرار إسرائيلي بتهويد باب السلسلة في محيط المسجد الأقصى

القدس المحتلة

مالك نبيل

سيف الخزاعي
مالك نبيل
مراسل من مدينة الخليل في الضفة الغربية
20 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 23 يوليو 2025 - 02:34 (توقيت القدس)
تهويد باب السلسلة... تحويله لمدخل للمستوطنين إلى الأقصى
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي قراراً بالاستيلاء على عقارات فلسطينية في حي باب السلسلة بالقدس القديمة، لتحويله إلى ممر استيطاني مغلق يخدم اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، مما يعزز التهويد ويقيد الوجود الفلسطيني.
- القرار يعيد تفعيل أوامر مصادرة قديمة ويستهدف منازل ومحالّ تجارية فلسطينية، ويهدد الطابع التاريخي والديني للمنطقة، ويعقد المسار القانوني لأي اعتراضات فلسطينية مستقبلية.
- يحذر المستشار الإعلامي لمحافظة القدس من أن هذه الخطوة جزء من عملية استيطانية شاملة تهدف إلى تهويد المدينة بالكامل، داعياً إلى موقف عربي حازم وتحرك سياسي وقانوني عاجل.

في تصعيد جديد يستهدف هوية البلدة القديمة في القدس المحتلّة، أصدرت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مؤخراً قراراً يقضي بالاستيلاء على عقارات فلسطينية في حي باب السلسلة، داخل أسوار البلدة القديمة في محيط المسجد الأقصى؛ بهدف تعزيز التهويد عبر تحويل باب السلسلة إلى ممر استيطاني مغلق، يخدم اقتحامات المستوطنين للأقصى، ويُحكم الحصار على الوجود الفلسطيني الإسلامي والمسيحي، ضمن مخططات تشمل تحويل الملكية الفلسطينية إلى بند "أملاك دولة إسرائيل".

وصدر القرار في 16 يوليو/تموز الجاري من وزير القدس والتراث الإسرائيلي مئير بروش، الذي قدم استقالته من منصبه بعد التوقيع على القرار بساعات، ويستهدف القرار "منازل ومحالّ تجارية تقع على طريق حيوي يؤدّي مباشرة إلى الأقصى، دون الإفصاح عن عددها أو أصحابها، وسط تأكيدات بأن العقارات المستهدفة تعود لملكيات فلسطينية ضاربة في عمق التاريخ الأيوبي والمملوكي والعثماني".

وكان الوزير المستقيل قال، خلال كلمة ألقاها في الكنيست، في 28 مايو/ أيار الماضي، خلال ما يسمى بـ"يوم توحيد القدس"، إنّ نسبة اليهود في القدس انخفضت من 72% عام 1967 إلى 57% اليوم، وذلك يعني أن "التراجع لن يبقي القدس ذات أغلبية يهودية". وبحسب المستشار الإعلامي لمحافظة القدس، معروف الرفاعي، فإن هذا أحد خلفيات صدور القرار بهدف تعزيز الوجود الاستيطاني على حساب الوجود الفلسطيني التاريخي في المكان.

ويلفت معروف، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أنّ القرار ليس وليد اللحظة، بل صادر منذ عام 1968، حين أقدمت سلطات الاحتلال على مصادرة عقارات في منطقة باب السلسلة تحت بند ما يُعرف بـ"وضع اليد"، حينها كانت مساحة ما يُسمى بحارة اليهود لا تتجاوز خمسة دونمات، لكنها توسّعت تدريجياً لتصل إلى 130 دونماً.

ورغم هذا التوسع، لم يُهجَّر جميع المقدسيين المقيمين في المنطقة، بل أُجبر بعضهم فقط على الرحيل، وهم اليوم لاجئون في مخيّم شعفاط شمال القدس وفق الرفاعي، الذي أضاف أن المنطقة ما تزال تضم نحو 20 عقاراً تاريخياً وأثرياً يسكنه المقدسيون، من أبرزها المدرسة الطشتمرية التي شُيّدت عام 784هـ (1382م)، ودُفن إلى جوارها عدد من أمراء العصر المملوكي الذين أسسوا المدرسة، ويقع فوق مبناها مكتب الهيئة الإسلامية العليا في القدس، برئاسة الشيخ عكرمة صبري، فيما تضم الطوابق السفلية نحو 16 محلاً تجارياً ما زالت قائمة.

ويشير الرفاعي إلى أن سلطات الاحتلال، منذ عام 2007، بدأت عملية تفريغ ممنهجة لهذه العقارات من مالكيها المقدسيين، إذ جرى نقل ملكيتها إلى ما تُعرف بـ"أملاك الدولة"، تمهيداً لتسليمها لاحقاً إلى جهات استيطانية يهودية. وقد جرى ذلك عبر قرارات متلاحقة، استُخدمت لتفعيل المصادرة القديمة، وهو ما يعقّد المسار القانوني لأي اعتراضات فلسطينية مستقبلية. وبحسب الرفاعي، فإن القرار الجديد يُعيد إحياء أوامر قديمة بمصادرة العقارات المتبقية، ما يُنذر بإتمام السيطرة الكاملة على منطقة باب السلسلة، وتحويلها إلى منطقة يهودية بالكامل.

ويؤكد الرفاعي أن هذا التحول "يشكل تهديداً مباشراً لطابع المنطقة التاريخي والديني، ويستهدف أساساً تقليص الوجود الفلسطيني فيها"، مشدداً في الوقت ذاته على أهمية خوض المسار القانوني والدبلوماسي رغم صعوبته، لكون المنطقة تحتوي على أملاك مسجلة أوقافاً إسلامية، ولعائلات فلسطينية مثل العلمي وبرقان، فضلاً عن وجود وثائق إثبات تاريخية ورسمية تؤكّد ملكيتها الفلسطينية، معتبراً أن هذا القرار يأتي "ضمن خطة أوسع لفرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على البلدة القديمة، واستكمال المشاريع الاستيطانية التي سعى لتنفيذها الوزير المتطرّف المستقيل، والتي تهدف إلى تقليص الوجود المقدسي، وتغيير هوية المدينة".

ويؤكد الرفاعي أن المشروع "يرتبط أيضاً بخطط استيطانية في المناطق المحيطة بأسوار البلدة القديمة من القدس، مثل حي سلوان والشيخ جراح"، محذراً من أن تنفيذ هذا القرار يعني أن 130 دونماً من حي باب السلسلة ستكون تحت السيطرة الاستيطانية الكاملة، ما يعني فقدان الفلسطينيين السيطرة على واحد من أبرز مداخل المسجد الأقصى، كما أن هناك بُعداً أمنياً وسياسياً آخر، إذ يُعدّ باب السلسلة نقطة تجمّع رئيسة للمقدسيين المبعدين عن الأقصى، الذين يُقدّر عددهم بنحو 300 شخص، كانوا يؤدّون صلواتهم عند هذا الباب في ظل منعهم من الدخول. وبذلك، فإنّ القرار يعني تحويل المنطقة من ساحة رباط مقدسي إلى مدخل خاص لاقتحامات المستوطنين؛ وذلك يُعدّ تطوراً خطيراً في المعركة على السيادة الدينية.

ويحذر الرفاعي من أن "هذه الخطوة ليست معزولة عن عملية استيطانية شاملة تستهدف تهويد المدينة بالكامل، وتغيير طابعها القانوني والديمغرافي"، داعياً إلى "موقف عربي حازم، خاصة من الأردن، بالنظر إلى أن المنطقة الواقعة تحت التهديد تُعدّ وقفاً إسلامياً رسمياً، وتحتوي على وثائق ثبوتية فلسطينية، ما يُلزم بتحرّك سياسي وقانوني عاجل على المستوى الإقليمي والدولي".

وأصدرت محافظة القدس بياناً قالت فيه إن "استهداف طريق باب السلسلة، بما يضمه من معالم إسلامية ومبانٍ أثرية، يأتي في إطار مساعٍ مكثفة لحسم قضية القدس من خلال فرض وقائع تهويدية على الأرض، وتفريغ الممرات المؤدية إلى المسجد الأقصى من سكانها الأصليين". وبحسب البيان، فإن هذا القرار "لا يمكن عزله عن سياسات التهويد المتسارعة، التي تشمل التوسّع الاستيطاني، ومشاريع البنية التحتية كخط القطار الإسرائيلي الذي يخترق الأحياء الفلسطينية".