قراءة صحف أوروبية لهجوم نيس: خوف من نمط الذئاب المنفردة ودعوة لشراء البضائع الفرنسية ومقاطعة الشاورما التركية

ناصر السهلي
30 أكتوبر 2020
+ الخط -

وجدت الصحافة الإسكندنافية، اليوم الجمعة، في هجوم مدينة نيس الفرنسية أمس فرصة للتأكيد على تضامنها مع فرنسا، فيما تباينت العناوين والتغطية بين صحافة الدنمارك، التي عاشت بلادها أزمة شبيهة في 2005-2006. 
صحيفة "يولاندس بوستن"، التي بدأت في القارة مسلسل الرسوم الكاريكاتورية قبل نحو 15 سنة، اختارت عنواناً مثيراً "نحن منحازون.. عاشت فرنسا (vive la France)"، مضيفة "نحن في حرب، وعلينا الاعتراف بذلك بدل التلويح بأيدينا وإيجاد ذرائع". 
ورداً على حملة المقاطعة للبضائع الفرنسية، قالت الصحيفة "يجب أن نشتريها اليوم الجمعة للتأكيد على تضامننا مع فرنسا". 
والتقت "يولاندس بوستن" مع صحف سويدية ودنماركية في الادعاء بأن المشكلة في الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بالقول "كنا نتمنى لأردوغان وبقية العالم الإسلامي حظا سعيدا في المقاطعة، لكننا نشارك اليوم في الدعوة إلى حملة اشتر بضائع فرنسية وقاطع الشاورما التركية (دونر كباب)، وأفضل انتقام هو أن نعيش بشكل جيد، وفرنسا تملك وفرة من هدايا الله في هذا الاتجاه، في حين يصعب التفكير في ما تملكه تركيا من بضائع لا يمكن الاستغناء عنها". 
ورغم تأكيد الصحيفة "لسنا في حرب مع كل المسلمين"، تؤكد بلغة حازمة أنه "على مسلمي بلدنا (الدنمارك) أن يقبلوا العيش في بلد حر لا تنطبق فيه القواعد الإسلامية، وهذا يعني أننا يجب أن نكون يقظين بشأن قيمنا". وشددت في السياق على أن "فرنسا في حالة حرب، وهي كذلك حربنا، ونحن لسنا في حالة حرب مع الإرهاب، لأن الإرهاب وسيلة، بل نحن في حالة حرب أيديولوجية بغيضة تحتقرنا وتحتقر قيمنا وتريدنا أن نموت". 
ولم تتردد "يولاندس بوستن" في اعتبار "هجومي فرنسا ليسا صدفة (رغم تأكيد شرطة فرنسا أن الهجوم الثاني كان لعضو في جماعة ادينتاير اليمينية المتطرفة)، فمدينة المدن، باريس، التي يحملها الكثيرون في قلوبهم كذكرى دافئة وشوق أبدي، هي مركز للعديد من الهجمات الإسلامية، وهذه المدينة بكل ما ترمز إليه هدف طبيعي لأيديولوجيا مظلمة". 
"الحرب" التي تعلنها صحيفة دنماركية ذات توجه أقرب إلى اليمين الشعبوي في مخاطبة المواطن الدنماركي، ذهبت إليها صحيفتا "كريستلي دوابلاديت"، الأقرب إلى التوجه الكنسي، و"بوليتيكن" الليبرالية، بالتركيز على "المعركة والكفاح"، وأن الرئيس التركي، أردوغان، هو المشكلة التي تسببت بالحالة و"وجب وقفه عن ممارسة الجنون"، مثلما رأت الأولى، فيما "بوليتيكن" ترى أنه "على أوروبا الوقوف داعمة للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، دون أية تنازلات عن قيمنا، "فهو أعلنها بوضوح أن هجوم أمس يستهدف كل القيم الغربية، وهذه معركة يجب الانتصار فيها، وهي معركتنا جميعا". 
وذهبت صحيفة "بورسن" المتخصصة بالمال والأعمال إلى اتخاذ موقف واضح في افتتاحيتها اليوم، غير بعيد عن توجيه اللوم على الرئيس التركي، وإلى أن "الكفاح اليوم هو للحفاظ على ركائز اللعبة الديمقراطية"، قائلة إن "أردوغان بسياسته ضد الأكراد، وبتصريحاته ضد فرنسا يظهر مرة أخرى الأفق المشؤوم للتعامل مع الأنظمة التي لا تحترم قواعد الديمقراطية الأساسية". 

ماكرون في وضع صعب 
أما صحيفة "إنفورماسيون" اليوم الجمعة، فتناولت الحدث بمقدمة عن "قتل سيدتين في الـ75 والـ45 من العمر في كنيسة في نيس"، ومن زاوية أن "الهجمات الإرهابية في أوروبا بدأت تتخذ طابعا يذكرنا أكثر فأكثر بهجمات المدارس الأميركية، وفقا للخبراء". 
وبعد استعراض تراشق التصريحات بين أردوغان وماكرون، ذكّرت الصحيفة بخطوات الرئيس الفرنسي الأمنية مؤخرا بنشر وحدات من القوات العسكرية الخاصة لمكافحة الإرهاب، بزيادتها بـ4 آلاف جندي ليصبح العدد 7 آلاف، وأن الرجل "يعيش اليوم في ظل ضغوط هائلة"، بحسب ما تذكر الباحثة في المعهد الدنماركي للدراسات الدولية في كوبنهاغن (DIIS)، والسفيرة السابقة في باريس، كيرستن بييرنغ. 
وأكدت الباحثة أن الضغوط قوية بعد أن اعترفت وزارة الداخلية الفرنسية أنها جنبت البلاد هجوما كل شهر في الأشهر الأخيرة، مشيرة إلى أن "الهجوم الأخير في نيس يأتي بعد أسبوعين على قتل المدرس صامويل باتي".
وأوضحت كذلك أنه "خلال الأعوام الخمسة الماضية أحست فرنسا بخطورة الهجمات المتعاقبة، وهجوم أمس يحفر آثارا دموية عميقة، بحيث يضطر فيها ماكرون لاتخاذ إجراءات تحافظ على وحدة الجمهورية".
ورأت هذه الخبيرة في الشأن الفرنسي أن الهجوم يترك ماكرون "أمام مساحة ضيقة للمناورة، وسيكون مستحيلا سياسيا ألا يقوم بخطوات، ويمكن أن تتخذ طابعا رمزيا مثل حملة اعتقالات وترحيل وما إلى ذلك، لكن لا بديل في ظل الأزمة الحالية عن الواقعية الملموسة". 
ومضت بييرنغ تشرح للصحيفة أن ماكرون "أعلن أن بلاده في معركة من أجل حرية التعبير والدفاع عنها قضية مركزية له، وجاءت بعد تصريحات أخرى عن أن الحكومة الفرنسية ستقدم مقترحات مختلفة للحد من التطرف، والتي حملت عناوين محاولة منع العزلة والتطرف بين الأقلية المسلمة الكبيرة في فرنسا، كإدخال التعليم الإلزامي للأئمة محليا، وكبح الأئمة الخارجيين". 
وتتوقع هذه الخبيرة التسريع بتبني قوانين مقترحة تحت عنوان "مكافحة الانشقاق" و"المجتمعات الموازية". وبالوقت نفسه تشير الصحيفة إلى أن ماكرون يعيش معضلات كثيرة، بدءا من تحرك "السترات الصفراء" في الشارع مرورا بوباء كورونا، والآن بهذه المقاطعة والعمليات الإرهابية "حيث تختلط السياسة الداخلية الفرنسية بالسياسة الخارجية وردود فعل الدول الأخرى، سواء بسبب اعتباراتها السياسية الخاصة أو بسبب وضع أكبر أقلية مسلمة في أوروبا، فإن طرق ماكرون بالغة الصعوبة". 

نموذج أميركي
أحد الخبراء الجنائيين، آدام ديديريكسن، يرى في تصريحات للصحيفة الدنماركية أن "ما نشهده يجب أن يؤخذ على محمل الجد، ويبدو أن هناك تطورا في هجمات الذئاب المنفردة، بما يذكرنا بحوادث إطلاق النار في المدارس الأميركية". ويرى ديديريكسن أن نمط الذئاب المنفردة موجود منذ بعض الوقت، "وتحوُل الأمر إلى نموذج عن المدارس الأميركية سيجعل من الصعب على السلطات والمجتمع بشكل أوسع التعامل معه، والتعرف على من هم هؤلاء المنفردون، بحكم غياب علاقاتهم الواسعة بمحيطهم وعزلتهم، بحيث نصبح أمام هجمات غير منظمة وغير مخطط لها". وما يصعب الأمر برأي الخبير، أنه يمكن لأي شخص شراء سكين مطبخ، "في حين أن أميركا ينتشر فيها السلاح الناري، والذي من خلال بيعه حاولت السلطات تتبع المهاجمين المحتملين في مدارسها، فيما هنا لا تتبع، وسنكون أمام بلاغات كاذبة كثيرة، ولا يوجد حل تقني للهجمات".

ذات صلة

الصورة
دورية لضبط تدابير الإقفال في أحد أسواق باريس (لودفيك مارين/ فرانس برس)

مجتمع

رغم تنبيهات الخبراء من موجة كورونا الثانية، لم تتخذ التدابير المبكرة للحدّ من أثرها في فرنسا، التي أعلنت عن عزل صحي، لم يكبح تسارع الإصابات
الصورة
سياسة/وزيرا داخلية تونس وفرنسا/(العربي الجديد)

سياسة

بحث وزير الداخلية التونسي توفيق شرف الدين، ونظيره الفرنسي جيرارد دارمان، الجمعة، مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، إذ عبّر المسؤول الفرنسي عن "امتنان" باريس للتعاون التونسي عقب عملية نيس والمعلومات التي وفّرتها.
الصورة

اقتصاد

هنا تختلط المفاهيم الحديثة بالتقليدية. تقاليد السكان وعاداتهم تجدها في كل مكان من مجموعة الجزر الفرنسية الخلابة غوادلوب Guadeloupe.
الصورة
الشرطة الفرنسية

سياسة

ذكرت الشرطة أنّ مهاجماً قتل ثلاثة بينهم امرأة قطع رأسها، اليوم الخميس، قرب كنيسة بمدينة نيس الفرنسية.

المساهمون