قراءات إسبانية في منع المغرب تدفق موجة ثانية من المهاجرين إلى سبتة

16 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 15:09 (توقيت القدس)
المعبر الحدودي بين سبتة والمغرب، 15 أغسطس 2026 (أدري ساليدو/Getty)

فرضت السلطات المغربية، أمس السبت، السيطرة على حدودها مع مدينة سبتة الخاضعة للسيطرة الإسبانية، ومنعت مئات المهاجرين غير النظاميين من الوصول إلى السياج الحدودي. ومع محاولات مئات المهاجرين دخول المدينة، نشرت الرباط آلاف العناصر الأمنية في محيط مدينة الفنيدق أقصى شمالي المغرب المتاخمة لسبتة، فيما استخدمت قوات مكافحة الشغب الغاز المسيل للدموع والطائرات المسيّرة لمنع مجموعات من المهاجرين من الاقتراب من السياج. كما أعلنت السلطات المغربية توقيف 294 مهاجراً على الأقل، ونقل أعداد كبيرة منهم إلى مدن بعيدة عن سبتة.

هذا المشهد حول قدرة السلطات المغربية على منع المهاجرين غير النظاميين من الوصول إلى الحدود في ظل التعاون والتنسيق بين الرباط ومدريد في هذا الملف، أعاد إحياء مجموعة من الأسئلة التي لا تزال معلقة في الداخل الإسباني. يأتي ذلك خصوصاً في أعقاب موجة التدفق الجماعي لنحو 75 ألف مهاجر من المغرب إلى سبتة، يومي 30 و31 يوليو/تموز الماضي. ولم تتوقف التحليلات السياسية والإعلامية داخل إسبانيا عن الإشارة إلى تورط الجانب المغربي بقرار السماح لموجة التدفق الجماعي التي فجرت أزمات متعددة في حكومة بيدرو سانشيز

، رغم غياب أدلة تثبت هذا الأمر.

وحتى الآن لا تزال الحكومة الإسبانية تتجنب بشكل مباشر الإشارة إلى تورط المغرب في الأمر، إذ على العكس، تشير في كل مرة إلى التنسيق والتعاون بين السلطات ذات الشأن. وكانت وزارة الداخلية المغربية قد أكدت في بيان يوم الثاني من أغسطس/آب الحالي، أن ما حدث في سبتة "جاء نتيجة تفاعل عدة عوامل متداخلة، في مقدمتها الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي، وترويج معلومات مضللة، ودور عصابات الاتجار بالبشر، والتأويلات الخاطئة لمعطيات قانونية وإدارية". كما أكدت صحة الرواية الرسمية الإسبانية التي تقول إن قراراً صادراً عن المحكمة العليا الإسبانية أدى إلى "ترسيخ قناعة لدى بعض الراغبين في العبور بإمكانية تفادي الإعادة الفورية، وهو ما أسهم في بروز نمط أوحد من محاولات الهجرة غير النظامية، قوامه العبور سباحةً، باعتباره الوسيلة التي اعتقد البعض أنها توفر فرصاً أكبر للإفلات من الإعادة الفورية".

ورقة المغرب

مع ذلك ذكرت جهات سياسية داخل الائتلاف الحكومي الحاكم في إسبانيا، تحديداً من تكتل سومار اليساري التقدمي، لـ"العربي الجديد" أن ما حدث أمس السبت، يُثبت أن المغرب يستطيع السيطرة على الحدود متى أراد. وفي رأي هذه الجهات، فإن "المغرب يستخدم الحدود وملف الهجرة، من أجل الضغط على إسبانيا وأوروبا، إما من أجل الحصول على المزيد من الموارد الاقتصادية من الاتحاد الأوروبي، وإما من أجل ملفات إقليمية وسياسية مرتبطة بالصحراء وملفات الطاقة وغيرها"، على حد قولها. وكان تكتل سومار قد طالب الحكومة الإسبانية بمساءلة السلطات المغربية حول أحداث أزمة سبتة، كما طالب بإعادة النظر في العلاقات مع المغرب. حتى إن بعض الأصوات طالبت بإعادة النظر في مشاركة المغرب في التنظيم المشترك لكأس العالم عام 2030، عبر دعوة الحكومة إلى التحرك الإسبانية أمام الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، في موقف يعكس اتساع الفجوة بين الشريكين (سومار وحزب العمال الاشتراكي الإسباني بقيادة سانشيز) في الحكومة الإسبانية بما يتعلق بإدارة الأزمة.

وضعت أزمة سبتة حكومة سانشيز أمام ضغوط كبيرة، سواء داخل ائتلاف حكومته أو من قبل المعارضة اليمينية

بدورها، اعتبرت مصادر من داخل حزب العمال الاشتراكي الحاكم في إسبانيا، لـ"العربي الجديد"، أن انتشار قوات الأمن والشرطة وتدخل السلطات المغربية لمنع دخول موجة جديدة من المهاجرين، يوم السبت، يؤكد التعاون والتنسيق المتبادل بين الحكومتين الإسبانية والمغربية. وأشارت المصادر ذاتها إلى "دليل آخر على صحة سردية الحكومة التي تقول إن أزمة سبتة التي جرت في نهاية الشهر الماضي حصلت في لحظة كانت فيها مافيات الاتجار بالبشر تعمل بشكل سري، ما تسبب في موجة التدفق". وأضافت أنه "حتى لو كانت السلطات المغربية على علم بما كان سيحدث لتدخلت، كما حدث يوم أمس (السبت)، ومنعت ذلك".

ووضعت أزمة سبتة حكومة سانشيز أمام ضغوط كبيرة، سواء داخل ائتلاف حكومته نفسها، أو من قبل المعارضة اليمينية المحافظة والمتطرفة. فقد ارتفعت أصوات من تكتل سومار وحزب بوديموس اليساري التي تؤكد ضرورة مساءلة الرباط وعدم السماح لها باستخدام الحدود ورقةَ ضغطٍ لحصد مكاسب من أي نوع، فيما حمّلت المعارضة حكومة سانشيز مباشرة مسؤوليات الواقعة، مطالبة بجلسات عاجلة في البرلمان لاستجواب وزراء الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا، والخارجية خوسيه مانويل ألباريس والدفاع، مارغاريتا روبليس، وسانشيز نفسه. وفي هذا كله، وإلى جانب ضغوط الداخل الإسباني، لا تزال الأزمة تُنتج تداعيات في أوروبا، رغم تأكيد المفوضية الأوروبية أن السلطات الإسبانية والمغربية نجحتا في إدارة الأزمة، قررت دولٌ مثل إيطاليا اتخاذ إجراءات منفردة بحق المسافرين القادمين من إسبانيا "حفاظاً على أمنها القومي"، إذ علّقت أواخر الشهر الماضي اتفاقية شنغن مؤقتاً مع إسبانيا.