- الخلافات حول الحدود البحرية وشرق المتوسط وقضية قبرص تعيق تحسين الحوار بين تركيا والاتحاد الأوروبي، بينما تحاول دول مثل إسرائيل تشكيل تحالفات ضد تركيا، مما يعقد العلاقات.
- يرى الخبراء أن أوروبا بحاجة إلى تركيا، لكن بعض الدول الأوروبية تحاول تخريب العلاقات بسبب تحالفاتها مع اليونان وقبرص، وتركيا قد تتجه نحو خيارات بديلة مع الولايات المتحدة.
مع كل تقدم في اللقاءات والاتصالات الدبلوماسية بين تركيا والاتحاد الأوروبي وإحراز تقدم في الأجندة الإيجابية المتمثلة في المسار الاستراتيجي بين الطرفين، تبرز الملفات الخلافية لتلقي بظلالها على العلاقات الثنائية وتحسين الحوار المشترك، آخرها تطورات في ملف قضية جزيرة قبرص المقسمة بين يونانية وتركية. فقد تبنى البرلمان الأوروبي في الثامن من يوليو/تموز الحالي، قراراً يدين الانتهاكات المرتبطة بـ"الغزو التركي لقبرص عام 1974"، الذي يتهم القوات التركية بارتكاب انتهاكات بحق النساء والأطفال خلال ما يُعرف تركياً بـ"حركة السلام" التي أجرتها أنقرة عام 1974 في الجزيرة الواقعة شرقي البحر المتوسط.
وعلى الرغم من زيارة أوروبية رفيعة لتركيا قبيل انعقاد قمة حلف الشمال الأطلسي (الناتو) التي استضافتها أنقرة في السابع والثامن من يوليو الحالي، أجراها وفد ضم كلًّا من نائبة رئيس المفوضية الأوروبية والممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، ومفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون التوسيع مارتا كوس، ومفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة ماغنوس برونر، واستقبالهم من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان
ووزير الخارجية هاكان فيدان، وسط التصريحات الإيجابية من الطرفين، ورغم انعقاد قمة الناتو وصدور نتائج إيجابية عنها تشمل تعزيز وثاق الحلف وزيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي، إلا أن قرار البرلمان الأوروبي بشأن قبرص صدر عقب ختام القمة، ما أثار ردات فعل كبيرة لدى أنقرة، وشكّل صدمة لدى تركيا.توقيت القرار الأوروبي
واستبق البرلمان الأوروبي الزيارة الرفيعة التي أجراها الوفد الأوروبي بتقرير حول تركيا، تناول فيها إدانة لممارسات أنقرة في ما يتعلق بالحريات وحقوق الإنسان. واستطاعت الزيارة المذكورة احتواء الغضب التركي، إلا أن صدور القرار لاحقاً حول قبرص يطرح تساؤلات عن أسباب هذه المواقف الأوروبية تجاه أنقرة رغم حرص وسعي الطرفين على الأجندة الإيجابية. وتتركز أبرز الخلافات التركية الأوروبية على العلاقات التركية اليونانية والأوضاع في بحر إيجة والخلافات على الحدود البحرية وشرق المتوسط. علماً أن قبرص عضو في الاتحاد الأوروبي وتملك حق النقض، فيما توقف جميع المحاولات التركية للانضمام للاتحاد.
ومن الملاحظ في السنوات الأخيرة محاولة إسرائيل تشكيل محور ضد تركيا على جبهة شرق المتوسط وبحر إيجة، من خلال توقيعها اتفاقيات مع قبرص واليونان وإجرائها مناورات بحرية، لتظهر المواجهة التركية الإسرائيلية على هذه الجبهة، في ظل تراجع الدور الأميركي بالمنطقة. هذه المساعي تعزز من فرضية وجود أجندة خفية تدفع بمحاولات لعزل تركيا عن علاقات إيجابية مع الاتحاد الأوروبي. يتضح ذلك مع ارتفاع حدة التصريحات الرسمية الإسرائيلية بحق أنقرة وعلى رأسها تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الذي يعتبر أن ثمة أطماعاً عثمانية لتركيا في المنطقة.
القرار الذي اعتمده البرلمان الأوروبي، يحمل عنوان "آثار الغزو التركي عام 1974 على النساء والفتيات القبرصيات". ويتضمن القرار الذي طرحته لجنة حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين في البرلمان الأوروبي وأُعد برئاسة النائبة اليونانية إليونورا ميليتي، مزاعم بالعنف الجنسي ضد نساء وفتيات قبرصيات يونانيات في قبرص. ويتهم القرار تركيا بـ"انتهاك القانون الدولي"، كما يشدد على انتهاكات حقوق الإنسان التي تعرضت لها النساء والأطفال أثناء العمليات العسكرية. كما يطالب القرار الذي اعتمده البرلمان الأوروبي بأغلبية 575 صوتاً من أصل 720 مقابل 33 صوتاً معارضاً وامتناع 43 عضوا عن التصويت، بالانسحاب الفوري والكامل للقوات المسلحة التركية من الجزيرة.
وتشدد تركيا على أن تدخلها العسكري تم في إطار حقوقها القانونية المنصوص عليها في معاهدة الضمان لعام 1960 (التزام اليونان وتركيا والمملكة المتحدة بضمان استقلال قبرص)، عقب انقلاب في الجزيرة، وأن وجودها العسكري هناك يستند إلى أساس قانوني مشروع. يُذكر أنه لا تعترف أي دولة باستثناء تركيا، بقبرص التركية (36% من مساحة الجزيرة). وإزاء القرار صدرت ردات فعل مستنكرة من تركيا وصفت القرار بحكم العدم، منها تصريح نائب الرئيس جودت يلماز، خلال مؤتمر صحافي مع رئيس الوزراء في قبرص التركية أونال أوستل في العاشر من الشهر الحالي. وقال يلماز إن "قرار البرلمان الأوروبي باطل وبحكم المُلغى، وللأسف استخدم البرلمان الأوروبي أداة للدعاية من جانب القبارصة اليونانيين".
كما دانت وزارة الخارجية التركية القرار، ووصفته في بيان يوم العاشر من يوليو الحالي، بأنه باطل ومُلغى. واعتبرت أنه يتضمن ادعاءات وافتراءات لا أساس لها من الصحة ضد القوات المسلحة التركية، ويعد "أحدث مثال على النهج المتحيز والمشوه الذي يتبناه الاتحاد الأوروبي، وتحديداً البرلمان الأوروبي في ما يتعلق بالقضية القبرصية، تحت تأثير جهات معينة".
حاجة أوروبا إلى تركيا
وحول تداعيات القرار وموقف أنقرة منه، رأى أستاذ العلاقات الدولية في جامعة "18 مارس" (في تركيا)، أوفوك نجاتي تاشجي، في حديث مع "العربي الجديد"، أن "تركيا نفذت تدخلها العسكري عام 1974 (في قبرص)، بهدف إنقاذ أبناء عرقها من الإبادة الجماعية، في إطار حقوقها القانونية المستمدة من معاهدة الضمان لعام 1960". وأوضح أن "هذه العملية التي أعقبت الانقلاب في الجزيرة، وما تلاها من وجود عسكري تركي هناك، يستندان إلى أساس قانوني مشروع". كما أشار تاشجي إلى أن "مقررة قرار البرلمان الأوروبي يونانية، وبالتالي تبني هذا القرار، لا سيما في ظل الظروف الإقليمية والعالمية المواتية لتركيا وخلال قمة الناتو في أنقرة، لا يتم بحسن نية". واعتبر أن هذه "الاتهامات غير الأخلاقية لجماعات الضغط الداعمة لها"، تأتي بدافع "اليأس خلال هذه المرحلة التي تواصل فيها تركيا صعودها لاعباً رئيسياً في المنطقة والعالم".
أوفوك نجاتي تاشجي: تزداد حاجة أوروبا لتركيا على المديين القريب والمتوسط، نظراً لافتقار بروكسل للمظلة الأمنية الأميركية
وهناك إدراك، وفق تاشجي، لـ"ازدياد حاجة أوروبا إلى تركيا على المديين القريب والمتوسط، نظراً لافتقار بروكسل للمظلة الأمنية الأميركية، إضافة إلى وجود مستوى غير مسبوق من التعاون والتفاهم المتبادل بين إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب وتركيا". وقال: "نحن في مرحلة أُلغي فيها مشروع إنتاج الطائرات الفرنسي الألماني المشترك (الشهر الماضي)، وأوروبا رغم تركيزها على التهديد الروسي، لا تزال تعاني من مشاكلها الداخلية". ومع ذلك رأى تاشجي أن "بعض الجهات الأوروبية الفاعلة، المدركة حاجتها لتركيا عسكرياً وسياسياً واجتماعياً، لا تستطيع التخلي عن عنصريتها". ولفت إلى أن "هذه الجماعات التي تعتقد أن الظروف الحالية تصب في مصلحة تركيا، ما قد يخلق أوضاعاً جديدة في شرق المتوسط وبحر إيجة تصب في مصلحتها أيضاً، تحاول التأثير على الرأي العام بتشويه سمعة أنقرة".
أما بشأن سبل مواجهة تركيا هذه التحديات، فقال تاشجي إن "أنقرة معتادة على هذه الافتراءات والتوترات والحصارات، وتعرف كيف تتعامل معها". وشدد على أن "القدرات التي طورتها تركيا بهدوء في الخفاء وبدأت بإظهارها خلال السنوات القليلة الماضية، بعد معاناتها من المشاكل ذاتها لسنوات، ضرورية لجميع القوى العظمى التي ترغب في أن يكون لها دور في النظام العالمي الجديد".
لذلك، بحسب تاشجي، فإنه "في عصر سياسات القوى العظمى، تحل الحقائق السياسية محل الاعتبارات القانونية"، مشيراً إلى أن "الولايات المتحدة تدرك ذلك ولا تريد خسارة تركيا". وأوضح أنه "في الماضي اعتاد الاتحاد الأوروبي التفاوض مع تركيا باستخدام أوراق ضغط مثل تحرير التأشيرات وتعديلات الاتحاد الجمركي"، لافتاً إلى أنه في الوقت الحالي "لم تعد هذه الأوراق كافية للتعاون مع قوة مثل تركيا". وفي رأيه، "إذا حاول الاتحاد الأوروبي تقديم خيار آخر غير العضوية الكاملة، وإذا خسر علاقاته مع تركيا بسبب الادعاءات المغرضة والاستفزازية للجماعات اليونانية والقبرصية، فسيكون الضرر عليه"، مضيفاً أن "الولايات المتحدة وتركيا قد تفكران في خيار سياسي وعسكري ثنائي مختلف بدلاً من مواصلة الانخراط مع أوروبا".
تخريب العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي
من جانبه، قال الصحافي التركي إبراهيم آباك، في حديث مع "العربي الجديد"، إن "ثمة دولاً تعمل على تخريب العلاقات التركية الأوروبية، ولا أعتقد أن أميركا لها مصلحة بذلك". وأوضح أن "إسرائيل هي المستفيدة الأكبر إلى جانب اليونان وقبرص، ومن الواضح أن الأخيرتين باتتا في تحالف مع تل أبيب وألعوبة بيدها، ما يجعل من مواقفها متصلبة تجاه أنقرة".
إبراهيم آباك: دول وازنة ومؤثرة في الاتحاد الأوروبي ترغب في تعزيز العلاقة مع تركيا
وفي رأيه، "هناك دول وازنة ومؤثرة في الاتحاد الأوروبي ترغب في تعزيز العلاقة مع تركيا، مثل ألمانيا وإيطاليا، لكن احتكار القرار من دول صغيرة يظهر مدى العجز الذي يسيطر على الاتحاد الأوروبي". وسيؤدي ذلك بحسب آباك، "إلى تقييدها (الدول) في اتخاذ قرارات مصيرية في حال باتت الحاجة أكبر للتعاون مع تركيا". وفي ظل التوترات والتطورات الجارية، رأى آباك أن "أنقرة ستواصل مواقفها في جميع الملفات نظراً لموقفها القوي ووقوعها بمنطقة هامة، وهي قضايا ستجعل الاتحاد الأوروبي مضطراً لتجاوز هذه الخلافات والقضايا، أو تطوير آليات لتعزيز التعاون مع أنقرة في المستقبل".