قانون "ريبوست" يكرّس انزياح حكومات ماكرون نحو اليمين

17 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 04:12 (توقيت القدس)
محيط كاتدرائية نوتردام في باريس، 15 أغسطس 2026 (بيار كروم/Getty)

يوضح الاسم الذي اختارته الحكومة الفرنسية لقانون "ريبوست" الأمني، أي "الرد"، الذي أقره البرلمان منتصف شهر يوليو/ تموز الماضي بعد إقراره في مجلس الشيوخ خلال مايو/ أيار الماضي، الكثير عن جوهره. فالتسمية تقدّم توسيع صلاحيات الشرطة والإدارة بوصفه استجابةً تفرضها تهديدات قائمة، لا خياراً سياسياً اتخذته السلطة. ولا يعالج قانون "ريبوست" الذي قالت وزارة الداخلية الفرنسية إنه يتعلق بـ"الاستجابات الفورية للظواهر التي تخلّ بالنظام العام والأمن وسكينة المواطنين"، ويهدف إلى "تعزيز الاستجابة الأمنية والجنائية لأشكال محددة من الجنوح والإخلال بالنظام العام"، أزمةً أمنية واحدة أو نوعاً محدداً من الجرائم.

فالقانون يجمع في نص واحد أحكاماً تتعلق بالمراقبة عبر الفيديو والجريمة المنظمة والاحتجاز لدى الشرطة وتفتيش الأشخاص والمركبات، إلى جانب مخالفات مرتبطة بالحياة اليومية، مثل الحفلات الموسيقية غير المصرَّح بها و"التفحيط" (قيادة متهورة) بالسيارات أو الدراجات النارية واستخدام المفرقعات أو استنشاق غاز أكسيد النيتروس (غاز الضحك). وقد وصل القانون إلى المجلس الدستوري مؤلفاً من 69 مادة، أي أكثر من ضعف عدد مواد المشروع الذي قدمته الحكومة، بعدما أضافت إليه غرفتا البرلمان، الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، عشرات الأحكام خلال مناقشته.

وبعدما أبطل المجلس الدستوري، يوم الجمعة الماضي عدداً محدوداً من المواد وأجاز معظم المواد الأخرى، بات الطريق مفتوحاً أمام دخول القانون حيز التنفيذ (يحتاج القانون إلى تصديق المجلس الدستوري). ومن أهم الأحكام التي أبقاها المجلس تمديد العمل بالمراقبة الخوارزمية بالكاميرات حتى نهاية عام 2030، والسماح باستخدامها داخل بعض المباني والأماكن المفتوحة للجمهور، بعدما بدأ تطبيقها بصورة تجريبية خلال أولمبياد (الألعاب الأولمبية) باريس عام 2024. كذلك أبقى رفع الحد الأقصى لمدة الاحتجاز لدى الشرطة إلى 72 ساعة في بعض قضايا الجريمة المالية المنظمة، إلى جانب منح وحدات من الشرطة والدرك صلاحيات أوسع للتحقق من الهوية والتفتيش في المناطق الحدودية. وعلى اختلاف المجالات التي تشملها هذه البنود، يظهر فيها اتجاه واحد يتمثل بتعزيز قدرة الشرطة والإدارة على التدخل من دون رقابة قضائية مسبقة. فالقانون يوسّع استخدام الغرامات الفورية على الجنح، بما يتيح لعناصر الشرطة تحرير الغرامات من دون عرض القضية على قاضٍ. كذلك يزيد القانون من صلاحيات المحافظين، ويجيز لأجهزة الأمن استخدام أدوات إضافية للتفتيش والمراقبة، مثل الطائرات المسيّرة والقراءة الآلية للوحات السيارات.

توسيع صلاحيات

وقد وضع المجلس الدستوري حدوداً لقسم من هذا التوسع، فأبطل مادةً كانت تسمح باستخدام الأرقام بدلاً من أسماء عناصر الشرطة والدرك والجمارك في جميع محاضر التحقيق، كذلك رفض أن يؤدي وضع سجين، بقرار إداري، في قسم خاص بمكافحة الجريمة المنظمة داخل السجن إلى حرمانه آلياً إجازات الخروج التي يقررها القضاء. كذلك أسقط أحكاماً تتعلق بالإغلاق الإداري للمحال المخالفة لقواعد بيع المفرقعات، وإتلاف بعض المركبات المستخدمة في "التفحيط" فوراً، من دون منح مالكيها مهلةً للاعتراض. غير أن هذه الحدود لم تمسّ الاتجاه العام للقانون، إذ بقيت معظم عقوباته وصلاحياته وأدوات مراقبته قائمة.

ولم تقتصر اعتراضات المدافعين عن الحريات على مواد بعينها في القانون، بل شملت المنطق الذي يحكمه. فقد حذرت هيئة "المدافع عن الحقوق"، وهي سلطة دستورية مستقلة، من أن اعتماد الحكومة على الغرامات والقرارات الإدارية سيُضعف الحق في الوصول إلى القضاة، وأن جمْع ظواهر مختلفة تحت مظلة أمنية واحدة يَحول دون وضع سياسة ملائمة لكل منها. كذلك اعتبرت نقابة القضاة في فرنسا أن الحكومة تتعامل مع هذه الظواهر بمنطق العقوبات وحده، من دون الاهتمام بمقاربات مثل الوقاية وإعادة الإدماج.

وثّق تقرير حقوقي استخدام الشرطة الغرامات على نحو تمييزي بحق فتيان وشبان عرب وسود في الأحياء الشعبية

ولا تنفصل المخاوف من هذه الغرامات عن طريقة استخدام الشرطة لها خلال الأشهر والسنوات الماضية، وعن الفئات التي تحمّلت آثارها. فقد أوصى ديوان المحاسبة، في تقرير سُلّم للبرلمان في مارس/ آذار الماضي، بإصلاح نظام الغرامات المباشرة على الجنح قبل توسيعه، بعدما رصد صعوبات في الاعتراض عليها وتحصيلها وضمان حقوق مَن تُفرض عليهم. ووثّق تقريرٌ أعدته منظمة "هيومن رايتس ووتش" بالتعاون مع جمعيتين فرنسيتين (منظمة ريكليم RECLAIM والبيت المجتمعي من أجل التنمية التضامنية MCDS)، في يونيو/ حزيران الماضي، استخدام الشرطة هذا النوع من الغرامات على نحو تمييزي بحق فتيان وشبان عرب وسود في الأحياء الشعبية، ضمن سياسة تهدف إلى إبعادهم عن الفضاء العام. ولهذا، لا تشكّل الغرامات في قانون "ريبوست" مجرد إجراء مالي، بل أداةً إضافيةً في يد الشرطة، في وقت يصعب فيه الاعتراض عليها أمام القضاء.

ما الذي يمثله قانون "ريبوست" الفرنسي؟

ويمثّل القانون امتداداً لمسار بدأ منذ السنوات الأولى لعهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون

، مع إدخال بعض تدابير حالة الطوارئ في التشريع العادي عام 2017، ثم توالي قوانين الأمن و"مكافحة الانفصالية" والهجرة والجريمة المنظمة. وقد نبّه مجلس الدولة، الذي يُعَدّ أعلى هيئة للقضاء الإداري في فرنسا، عند مراجعته مشروع قانون "ريبوست"، إلى تكاثر القيود على الحريات، بعدما تحولت تدابير وُضعت لظروف استثنائية ولمواجهة الإرهاب والجرائم الخطيرة إلى أحكام دائمة، ثم اتسع نطاقها ليشمل جرائم وظواهر أخرى.

المعسكر الذي أسسه ماكرون على وعد بتجاوز اليمين واليسار بات يتبنى جزءاً كبيراً من منطق اليمين

ولا ينفصل هذا التوسع عن انتقال مركز الثقل داخل السلطة الفرنسية نحو اليمين. فقد أعدّ وزير الداخلية السابق برونو روتايو، رئيس حزب "الجمهوريون" اليميني، جزءاً من مشروع "ريبوست"، قبل أن يستكمل العمل عليه خلفُه لوران نونيز. كذلك يتولى رئاسة الحكومة ووزارة العدل، على التوالي، سيباستيان لوكورنو وجيرالد دارمانان، وكلاهما آتٍ من اليمين التقليدي. ولا تقتصر دلالة ذلك على الخلفيات السياسية للوزراء، فالمعسكر الذي أسسه ماكرون على وعد بتجاوز اليمين واليسار بات يتبنى جزءاً كبيراً من منطق اليمين، ولا سيما في قضايا الأمن والهجرة والإسلام. ومن "مكافحة الانفصالية" إلى "التغلغل الإسلاموي"، اتسعت العناوين المستخدمة لتبرير القيود على المجتمع، وتحوَّل التنافس مع اليمين واليمين المتطرف إلى سباق على منَ يكون أكثر تشدّداً من الآخر. بهذا المعنى، لا يمثّل قانون "ريبوست" تنازلاً قدّمه الوسط إلى اليمين، بل نتيجةً لتحوّل الوسط نفسه وتبنّيه مقولات اليمين وأدواته الأمنية.

وقد ظهرت الخريطة البرلمانية لهذا التحوّل في التصويت النهائي على "ريبوست"، الذي أقرته الجمعية الوطنية بأغلبية 351 صوتاً من أصل 577 عضواً، مقابل 179. فقد عارضته كتل اليسار الأربع، التي تضم نواباً من أحزاب "فرنسا الأبية" و"الاشتراكي" و"الشيوعي" و"البيئيين"، فيما قدّم نواب اشتراكيون وآخرون من "فرنسا الأبية" طعنين منفصلين أمام المجلس الدستوري. في المقابل، أيدت القانون أحزاب "النهضة" و"الحركة الديمقراطية" في الوسط الرئاسي، و"الجمهوريون" و"هوريزون" في اليمين. وكان "التجمع الوطني" اليميني المتطرف أكبر الكتل المؤيدة، إذ صوّت للقانون 114 من نوابه، إلى جانب جميع نواب كتلة "اتحاد اليمين من أجل الجمهورية" (16) بقيادة إريك سيوتي، التي تنتمي هي الأخرى إلى اليمين المتطرف.

ومنذ أن فقد معسكر ماكرون غالبيته المطلقة عام 2022، لم يعد تصويت "التجمع الوطني" إلى جانب الحكومة أمراً استثنائياً. فقد أُقِر قانون الهجرة عام 2023 بفضل أصوات نوابه، بعدما شدده (القانون) اليمين. كذلك دعم الحزب عام 2025، قانوناً شدّد قواعد محاكمة القاصرين الجانحين، ثم مقترحاً أقرته الجمعية الوطنية في إبريل/ نيسان الماضي لتشديد ملاحقة منظمي الحفلات الموسيقية الحرة، قبل أن يتكرر المشهد مع قانون "ريبوست". وامتد هذا التقارب إلى توزيع المواقع داخل الجمعية الوطنية، إذ دعم نواب المعسكر الرئاسي انتخاب ممثلين عن "التجمع الوطني" وحلفائه في مناصب نواب رئيسة الجمعية الوطنية. وفي يوليو الماضي، استفاد فانسان كور، النائب عن حزب "النهضة" والمساعد السابق لماكرون في الإليزيه، من امتناع الحزب عن تقديم منافس له، ليفوز برئاسة لجنة القوانين، التي تتولى بصورة خاصة دراسة تشريعات الأمن والقضاء. وتضع هذه المعادلة "التجمع الوطني" في موقع مريح قبل انتخابات 2027، إذ يشارك، وهو في المعارضة، في صنع قوانين تقترب من برنامجه، من دون أن يتحمل مسؤولية الحكم. ويمنحه قانون "ريبوست" مكسباً سياسياً إضافياً، إذ يأخذ بمنطق أمني يدافع عنه الحزب اليميني المتطرف منذ عقود، يقوم على التعامل مع مزيد من القضايا بوصفها مشكلات أمنية، ومنح الشرطة والإدارة دوراً أكبر، وتشديد العقوبات، وتقليص رقابة القضاء.