في منزل جد البوعزيزي... عربة محمد كل ما تبقى

سيدي بوزيد
بسمة بركات
14 يناير 2021
+ الخط -

لم يكن الوصول إلى منطقة لسودة، التي تبعد 12 كيلومتراً عن مركز مدينة سيدي بوزيد، ويقيم فيها عدد من أفراد عائلة محمد البوعزيزي، الذي يعدّ رمز الثورة التونسية، سهلاً، إذ يختصر الطريق الوعر المحاط ببعض أشجار الزيتون وثمار التين الشوكي (الصبار)، والذي يؤدي إلى منزل جد البوعزيزي، الذي يحتفظ بالعربة التي كان يجرها الأخير قبل حرق نفسه في 17 ديسمبر/ كانون الأول 2010، والتي التهمت النيران أجزاءً منها، لكنها بقيت شاهدة على الحادثة بعد مضي 10 أعوام، حكاية الحرمان والتهميش.
وبمجرد الدخول إلى قرية سيدي صالح التابعة للسودة، وتحديداً إلى منطقة زراعية يشقها طريق غير معبد، يغيب أي أثر للحركة أو المواصلات، إذ لا يوجد بها الكثير من المنازل، باستثناء بعض المباني الحجرية المهجورة، والمزارع، وهناك يعيش جد البوعزيزي.


كان البوعزيزي ينوي اقتناء شاحنة صغيرة لبيع الغلال بعدما سئم من ملاحقات شرطة البلدية

أمام المنزل الريفي الكبير الذي تحيط به أشجار الزيتون وبعض الأغنام، يمكن مشاهدة مستودع كبير مبني من الحجارة ويضم غرفتين منفصلتين؛ واحدة كبيرة وأخرى صغيرة توجد فيها عربة البوعزيزي. عربة كبيرة وثقيلة يكسوها الغبار، ومحملة بالعديد من المستلزمات المتروكة والكتب والأكياس البلاستيكية. وتوجد في الغرفة نافذة صغيرة، يبدو أنّ سنوات مضت منذ فتحها لآخر مرة. كان شعاع الشمس بالكاد يتسلل من فتحات النافذة ذات الزجاج المكسّر والقديم، فيرتطم تارة باللوح الخشبي المحروق والمتروك من عربة البوعزيزي، وتارة بالحائط الحجري الموجود أمامه. لا شيء سوى الجماد في هذا المكان، ولكنه الجماد الذي يخبر قصة شاب تونسي عاش الحرمان، وحمل بجسده النحيل عربة ثقيلة محملة بالوجع وبصعوبة العيش في منطقة تفتقر لأبسط المستلزمات الحياتية.

في قرية الجد، جلس عم البوعزيزي، أحمد، وهو في العقد السادس من عمره، وقد انعكست آثار السنوات على ملامحه، وبدا إرهاق العمل الفلاحي المضني على محياه. ويقول أحمد، في حديث مع "العربي الجديد"، إنه "مضى على وجود عربة البوعزيزي في هذا المستودع قرابة 10 أعوام. فبعد الحادثة بنحو شهر، جلبها شقيق محمد، سالم، إلى هنا"، مضيفاً أنه "المكان الوحيد الذي يمكنهم الاحتفاظ فيه بالعربة، وهي تقريباً كل ما تبقى من ذكراه وبالتالي مهما كانت الإغراءات فلن نفرّط بها".

الصورة
البوعزيزي
لم يبق من أفراد عائلة البوعزيزي في سيدي بوزيد أحد (العربي الجديد)

يتذكر العم علاقة محمد بجدته، وتدعى زعرة، والتي كانت تقطن في المنزل. يقول إنّه كان يزورها باستمرار، ولا يفوت مناسبة إلا ويطمئن عليها، بل كثيراً ما كان يخبئ بعضاً من تلك الفاكهة التي كان يبيعها على عربته لإرسالها إليها، وينزعج عندما يراوغه عمه ولا يحملها للجدة. توفيت زعرة بعد نحو عام من وفاة البوعزيزي حزناً على حفيدها. يؤكد العم أنهم فوجئوا جميعاً بحرق الأخير نفسه، وأنهم اضطروا لسرد تفاصيل ما حصل للجدة نظراً لسؤالها المتكرر عن حفيدها. ويوضح أنها حزنت كثيراً لغيابه وهي الآن مدفونة في المقبرة نفسها التي يرقد فيها البوعزيزي ووالده وأقرباء له في منطقة لسودة غير بعيد عن قرية الجد.


البوعزيزي نشأ في عائلة فقيرة وكان يعمل لإعالة أسرته

ويلفت المتحدث نفسه إلى أنّ ابن شقيقه، وفي آخر لقاء جمعهما، أخبره أنه كان ينوي اقتناء شاحنة صغيرة لبيع الغلال بعدما سئم من ملاحقات شرطة البلدية، وتعب من حمل العربة الكبيرة والتي جلبت له الكثير من المشاكل والمطاردات، و"لكن القدر لم يمهله الوقت لتحقيق حلمه". ويلفت إلى أنّ البوعزيزي نشأ في عائلة فقيرة وكان يعمل لإعالة أسرته.

يسترجع أحمد تفاصيل الحادثة عندما وردهم خبر حرق ابن شقيقه محمد جسده، ويقول إنهم هرعوا إلى مستشفى صفاقس، ولكن تم إخبارهم هناك بأنّه نُقل إلى مستشفى الحروق البليغة ببن عروس جنوب العاصمة تونس. ذهبوا إلى هناك، وكانت الضمادات تغلف كامل جسده، مشيراً إلى أنه بالكاد لمحه من وراء حاجز بلوري، فيما لم ينطق محمد بأي حرف ولم يشعر حتى بوجودهم، ولكنه كان يتحرك. ويتابع أنهم لم يتوقعوا أن تتوالى الأحداث بسرعة، خصوصاً بعد وفاة ابن شقيقه، إلى حين هروب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في 14 يناير/ كانون الثاني عام 2011، فلا أحد كان يصدق ما يحصل، وفق أحمد البوعزيزي.

الصورة
البوعزيزي
يقول شقيق جدة البوعزيزي، ويدعى حسين، إن وفاة الأخير خلّفت ألماً كبيراً للعائلة (العربي الجديد)

وحول مصير عائلة البوعزيزي المصغرة، يقول العم إنّها "تشتتت ولم يبق من أفرادها في سيدي بوزيد أحد، فمنزل العائلة أغلق بعد أن هاجرت والدة محمد، منوبية، إلى كندا برفقة ابنتها ليلى التي انتقلت للدراسة هناك، ولكنهما لم تعودا لسيدي بوزيد منذ أعوام عدة، ونحن على اتصال مستمر بهما". ويلفت إلى أنّ "المضايقات والشائعات كانت كبيرة وأرهقتهم حينها، مثل رواج أخبار عن حصولهم على أموال"، مشيراً إلى أنهم "لم يجنوا شيئاً"، وأنه شخصياً كان سيرفض أي شيء لأنه لا يوجد ما يعوض ابن أخيه. ويبين أنه من المفارقات أن دفتر العلاج المجاني الذي كان يتمتع به برفقة عائلته المكونة من 7 أفراد سحب منه، وبالتالي هو يعتمد على عمله في النشاط الفلاحي، على الرغم من أن هذا القطاع تراجع وأصبح يعاني ركوداً غير مسبوق، وبالتالي بالكاد يتمكن من إعالة عائلته، وفق قوله.


بعد 10 أعوام على الثورة، لم يتغير شيء في واقع منطقة لسودة

من جهته، يؤكد شقيق الجدة زعرة، ويدعى حسين، وهو شيخ تسعيني، كان يجلس بالقرب من المستودع، أنّ البوعزيزي كان يزورهم باستمرار في هذا المكان، حيث قضى طفولته وشبابه. ويقول إنهم يشعرون بوجع كبير لرحيله، إذ خلّفت وفاته ألماً كبيراً للعائلة.

بدوره، يوضح ابن عم محمد البوعزيزي، ويدعى الهادي البوعزيزي، أن منطقة لسودة تضم عدداً كبيراً من أفراد العائلة الموسعة للأول، وهي منطقة ريفية مهمشة وتبعد عن وسط سيدي بوزيد 12 كيلومتراً، ولكن العديد من الأقرباء غادروها الآن. وعن حادثة حرق محمد جسده، يقول إنهم سمعوا بها عن طريق الناس والهاتف، وسرعان ما تجمعوا وانتقلوا لمقر الولاية، مكان وقوع الحادثة، ولم تكن لديهم أي فكرة عن الوضع الصحي لمحمد حينها. ويضيف أنه على الرغم من مرور 10 أعوام على الثورة، فلم يتغير شيء في واقع منطقتهم، فالعديد من الشبان عاطلون عن العمل، ولا تنمية ولا أي بوادر للإصلاح. ويشير إلى أنه باستثناء الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي الذي زارهم، فإنه لم يأت أي مسؤول للجهة منذ أعوام عدة.

ذات صلة

الصورة
احتجاجات بتونس العاصمة ومطالبات بنشر قائمة شهداء وجرحى الثورة في الجريدة الرسمية (فيسبوك)

مجتمع

تحت شعار "لن نحتفل، الثورة مستمرة"، وعلى وقع النشيد الوطني "حماة الحمى"، قادت اليوم الخميس عائلات شهداء وجرحى الثورة مسيرة انطلقت من شارع الحرية بالعاصمة التونسية، في محاولة منها للوصول إلى شارع الحبيب بورقيبة، رمز الثورة التونسية.
الصورة

سياسة

يحتفل التونسيون كل عام مرتين بذكرى ثورتهم. جدل لا ينتهي، ولكنه يعكس النقاش ذاته المتواصل منذ عقود بين جهات الداخل والمركز على كل المستويات.
الصورة
تونس/سياسة/العربي الجديد

سياسة

بحث مختصون في القانون والقضاء ركائز الانتقال الديمقراطي في تونس والمسار الدستوري والحقوق والحريات وإصلاح القضاء، والعدالة الانتقالية، ومكافحة الرشوة والفساد وحرية الإعلام لتكون من مشمولات دراسة أعدت بمناسبة الذكرى العاشرة للثورة.
الصورة
ندوة المركز العربي

سياسة

نظم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، فرع تونس، اليوم الثلاثاء، بالتعاون مع مركز الدراسات الإستراتيجية والدبلوماسية ندوة بمناسبة قرب مرور عشر سنوات على الثورة، تحت شعار "الثورة التونسية: أي علاقة بين الدولة والمجتمع".

المساهمون