فيكتور أوربان... رحلة شاب شيوعي فقير إلى رئاسة الحكومة المجرية
- نشأ أوربان في بيئة متواضعة واهتم بكرة القدم، ودرس القانون في جامعة بودابست. أسس حزب فيديز عام 1988، محولاً إياه من حركة ليبرالية شبابية إلى حزب وطني مسيحي محافظ.
- منذ 2010، قاد أوربان خطوات لتقويض الديمقراطية وحرية الصحافة، مما أثار انتقادات واسعة. الانتخابات المقبلة تُعد اختباراً حاسماً لمسيرته ومستقبل المجر كدولة ديمقراطية.
بعد 16 عاماً في السلطة، يقف رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان على مفترق طرق حاسم في تاريخ المجر الحديث. الانتخابات المقبلة ليست مجرد استحقاق عادي، بل اختبار لمستقبل حكمه الطويل ولمكانة حزبه فيديز في المشهد الأوروبي. أوربان، رمز اليمين القومي، بنى شعبيته على سياسات اقتصادية محافظة، تعزيز الهوية الوطنية، تشديد قوانين الهجرة، ومعارضته لما يصفه بـ"الأجندة الليبرالية المتجاوزة" للاتحاد الأوروبي.
ويصف مراقبون ومحللون أوربان بأنه سياسي شعبوي متقلب يغيّر مواقفه وفق مصالحه، وهو ما وصفه به مستشاره السابق خوسيه ديبريتشيني، في سياق كتابته عن السيرة الذاتية لأوربان. ومنذ 2010، عمل تدريجياً على تقويض الديمقراطية وحرية الصحافة وسيادة القانون، كما يقول الأوروبيون، ليصبح مثالاً للقادة القوميين في أوروبا وأميركا، من زعيمة حزب البديل لأجل ألمانيا أليس فايدل، إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وصفه بـ"الرجل القوي" و"القائد الرائع"، وأرسل نائبه جي دي فانس إلى بودابست لدعمه انتخابياً.
أعاد أوربان رسم المشهد السياسي المجري، مركزاً السلطة حول حزبه وراسماً صورة الدولة القومية القوية، لكن سياساته أثارت انتقادات من المعارضة والمجتمع المدني، ومن بروكسل أيضاً، بسبب ما يُنظر إليه تقويضاً للديمقراطية وتأثيراً على استقلال القضاء والضغط على الإعلام، ما يضع مستقبل المؤسسات على المحك.
نشأة أوربان: السلطة والمال وكرة القدم
وُلد أوربان عام 1963 قرب بودابست لعائلة "غير سياسية"، وعاش حتى سن العاشرة مع والديه وجدّيه في منزل بسيط بببلدة ألتشوتدوبوز. جدته كانت عاملة نظافة، وجده جندياً سابقاً في الجيش المجري المتحالف مع النازية. حلم أوربان بأن يصبح لاعب كرة قدم محترفاً، ولا يزال مستثمراً اللعبة لتعزيز شعبيته عبر أكاديميات وملاعب مرتبطة بحزب فيديز، وفقاً لعالم الاجتماع المجري، ووزير الثقافة السابق،لأندريس بوزوكي في كتابه "الديكتاتوريون والاستبداديون".
ونشأ أوربان في بيئة متواضعة، حيث اضطر هو وشقيقاه للعمل الشاق في الحقول ورعاية الحيوانات بعد المدرسة وخلال العطلات، ولم يعرف الراحة إلا بعد الخامسة عشرة، كما وصفت المؤرخة الدنماركية فيبي تيرمانسن في كتابها: وباء أوروبا الذي صنعته بنفسها: فيكتور أوربان.
في 1973، انتقلت العائلة إلى بلدة فيلتشوت الغنية اليوم، حيث أصبح صديق العائلة القديم، لورينك ميزاروس، الذي كان سباكاً في شبابه، فيما بعد من أغنى رجال الأعمال وعمدة البلدة. خصص والد أوربان قصراً لحزب فيديز بالقرب من ملعب كرة قدم بناه أوربان، مشهد جمع طفولته المتواضعة وطموحه السياسي.
وخلال الحقبة السوفييتية، كان والده عضواً في الحزب الشيوعي، بينما أصبح هو سكرتير الشباب الحزبي منظماً لقاءات رياضية. ودرس القانون في جامعة بودابست، وشارك في نشاطات شبابية صقلت مهاراته القيادية وبنت شبكة علاقات مهدت لاحقاً لقيادته حزب فيديز، رغم وصفه لعائلته بـ"غير سياسية". وبعد 1989، قال: "لا يمكنك إيجاد سبب في تاريخ عائلتي يفسر تحولي لمناهض للشيوعية". وكان مثالاً على "شيوعية الغولاش"، العقد الاجتماعي غير الرسمي بعد 1956، الذي منح مستوى معيشيا أفضل مقابل قبول احتكار الحزب للسلطة، متبنياً شعاراً شخصياً: "اهتم بشؤونك الخاصة وابتعد عن السياسة، وستعيش بسلام".
التحول السياسي والشعبوي
اهتم أوربان بالسياسة تدريجياً نتيجة طفولته المتواضعة، حيث تعلم الاعتماد على النفس. خلال المراهقة، في الجناح الشبابي للنظام الشيوعي، نشط منظماً لقاءات وفعاليات، ما منحَه خبرته الأولى بالتنظيم والتواصل. وبعد 1989، برز بخطابه في ساحة الأبطال ببودابست مطالباً بانتخابات حرة وانسحاب القوات السوفييتية. وتحول لاحقاً إلى القومية المحافظة، مؤسساً حزب فيديز عام 1988، الذي تطور من حركة ليبرالية شبابية إلى حزب وطني مسيحي محافظ، مستفيداً من شعور المجريين بالتهديد من التأثيرات الغربية والهجرة.
ووصفه المراقبون بأنه رجل سلطة طموح، سياسي متقلب يغيّر مواقفه وفق مصالحه. منذ 2010، قاد خطوات لتقويض الديمقراطية وحرية الصحافة وسيادة القانون، ليصبح نموذجاً للقادة القوميين في أوروبا وأميركا. كما استثمر مهاراته الخطابية وشعبويته عبر كرة القدم، من خلال أكاديميات وملاعب تربطه بالهوية الوطنية وتعزز شعور الانتماء.
وتولى رئاسة وزراء المجر 1998–2002، وعاد في 2010، وحكم منذ ذلك الحين نحو 16 عاماً. وبنى تحالفات استراتيجية مع روسيا، زائراً بوتين أكثر من 15 مرة، مستفيداً من التعاون في الطاقة، ويثير أوروبيا مخاوف من تمدد الشعبوية في قلب قارتهم.
وتناول المؤرخون والخبراء نظام أوربان، مثل جوزيف لازلو الذي يرى على موقع يوروفوكس Eurofocus أن التغييرات الدستورية والهيكل السياسي في المجر تحول إلى نظام "هجين" يحدّ من المنافسة الديمقراطية، وجوليان كولين التي لاحظت تراجع الديمقراطية الأساسية في عهد أوربان، ولاسلو كونتلر الذي يشير إلى تآكل استقلال المؤسسات التعليمية.
ومع اقتراب الانتخابات الأحد، يحذر المؤرخون والمحللون من أن انتصاراً جديداً لأوربان قد يعمّق استبداد النظام، مؤكدين أنه لا يمثل مجرد زعيم يميني عابر، بل هو نموذج للقومية الشعبوية التي تقوّض الديمقراطية من الداخل. ويتجه نظامه نحو ما يطلقون عليه "الديمقراطية غير الليبرالية"، مستفيداً من تغييرات دستورية وقوانين انتخابية وسيطرة على الإعلام. حتى إذا خسر، يحتفظ بخطط بديلة، كما يحذرون في بروكسل وعواصم أوروبية، ما يجعل الانتخابات المقبلة اختباراً حاسماً لمسيرته ومستقبل المجر بما هي دولة ديمقراطية في قلب أوروبا.