ميتا فريدركسن وميلوني.. تحالف يُشعل خلافاً داخل يسار الوسط الأوروبي

19 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 21:36 (توقيت القدس)
فريدركسن وميلوني في قصر شيغي قبل اجتماعهما في روما، 22 مايو 2025(Getty)

يبدو أن تقارب رئيسة الحكومة الدنماركية ميتا فريدركسن مع نظيرتها الإيطالية جيورجيا ميلوني بدأ يثير استياء داخل عائلة يسار الوسط الأوروبية، بعدما وجدت رئيسة الحكومة الدنماركية نفسها إلى جانب الزعيمة الإيطالية اليمينية في مواجهة موقف الحكومة الإسبانية الاشتراكية خلال أزمة الهجرة في سبتة.

وتزداد حساسية الخلاف بسبب مفارقة سياسية واضحة: كانت إسبانيا من الدول الأوروبية التي وقفت بقوة إلى جانب الدنمارك عندما تعرضت سيادتها على غرينلاند لضغوط من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بينما لم ترَ مدريد التضامن نفسه من كوبنهاغن خلال أزمة سبتة.

وتحوّل هذا التباين إلى خلاف داخل يسار الوسط الأوروبي، بعدما وجّه عدد من قيادات الاشتراكيين والديمقراطيين الاجتماعيين انتقادات مباشرة إلى فريدركسن بسبب تعاونها مع ميلوني ومواقفها من الهجرة، وفقاً لوكالة الأنباء الإيطالية "أنسا".

من التضامن مع الدنمارك إلى انتقاد إسبانيا

لم يكن الدعم الإسباني للدنمارك خلال أزمة غرينلاند تفصيلاً عابراً. ففي يناير/كانون الثاني الماضي، أكدت مدريد، إلى جانب دول أوروبية أخرى، دعمها لسيادة الدنمارك وسلامة أراضيها، وشددت على أن مستقبل غرينلاند يقرره سكانها بحرية ومن دون ضغوط خارجية. وكان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز من أبرز المتضامنين مع كوبنهاغن في مواجهة مطالب ترامب بشأن الجزيرة.

لكن بعد أشهر تبدلت الصورة. ففي خضم أزمة الهجرة في سبتة، دعت فريدركسن إلى إجراءات أوروبية صارمة لمواجهة تدفق المهاجرين، بما في ذلك التلويح بإجراءات مرتبطة بمنطقة شنغن، في موقف تقاطع مع موقف رئيسة الحكومة الإيطالية جيورجيا ميلوني.

ولم يتوقف التقارب عند سبتة. فقد تعاونت كوبنهاغن وروما خلال السنوات الأخيرة للدفع نحو تشديد سياسة اللجوء، وتوسيع عمليات الإعادة، وإنشاء ترتيبات لمعالجة أو إعادة طالبي اللجوء خارج الاتحاد الأوروبي. وفي رسالة مشتركة أخيراً، دافعت الزعيمتان عن مواجهة ما وصفتاه بـ"الهجرة غير المنضبطة"، وربطتا ذلك بالدفاع عن "التراث الثقافي المسيحي الأوروبي"، وهو ما نشرتاه على نحو مشترك على "إنستغرام".

وهنا تجاوز الخلاف ملف الهجرة إلى سؤال سياسي أوسع: إلى أي حد تستطيع رئيسة حكومة اجتماعية ديمقراطية التعاون مع زعيمة يمينية قومية من دون أن تبدو كأنها تتبنى جزءاً من أجندتها؟

غضب داخل عائلة يسار الوسط

برز بين المنتقدين نائب رئيس البرلمان الأوروبي الإسباني خافي لوبيز، والسياسي في يسار الوسط الإيطالي بيبي بروفنزانو. وفي رسالة مشتركة، وفقاً لوكالة "أنسا"، انتقدا تقارب فريدركسن مع ميلوني، معتبرين أن تصوير الهجرة بوصفها أزمة دائمة يقترب من خطاب اليمين المتطرف، رغم تراجع أعداد الوافدين غير النظاميين مقارنة بفترات سابقة.

ويرى المنتقدون أن فريدركسن لم تُظهر التضامن الكافي مع إسبانيا، خصوصاً أن سانشيز ينتمي إلى العائلة السياسية نفسها. وتبدو المفارقة أوضح بالنسبة إليهم: إذا وقفت إسبانيا إلى جانب الدنمارك عندما تعرضت سيادتها على غرينلاند لضغوط خارجية، فلماذا لا يظهر التضامن نفسه عندما تواجه إسبانيا أزمة على حدودها؟

ومن هنا جاءت رسالتهم الأساسية: التضامن الأوروبي لا يمكن أن يكون انتقائياً.

كوبنهاغن ترفض المقارنة

في كوبنهاغن، رُفضت الانتقادات. ودافع المتحدث السياسي باسم الحزب الاجتماعي الديمقراطي الدنماركي راسموس ستوكلوند عن فريدركسن، رافضاً اتهامها بتبني خطاب اليمين المتطرف، وفقاً لهيئة البث العام في كوبنهاغن "دي آر".

ويرى ستوكلوند أن التشدد في ملف الهجرة يتعلق بمنع تكرار أزمة 2015 والحفاظ على قدرة الدول الأوروبية على ضبط حدودها. وبالنسبة إلى كوبنهاغن، لا يوجد تناقض بين دولة رفاه قوية وسياسة هجرة أكثر تشدداً، وهو نموذج أصبح من أبرز سمات السياسة الدنماركية.

لكن هذا التحول يثير قلق جزء من يسار الوسط الأوروبي، الذي يخشى أن يؤدي تبني مفردات اليمين في ملف الهجرة إلى نقل أجندته إلى قلب الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية، بدلاً من مواجهتها.

تحالف يتجاوز الهجرة

بالنسبة إلى منتقدي فريدركسن، لا يتعلق الأمر بأزمة سبتة وحدها، بل بمسار سياسي مستمر. فقد أصبحت فريدركسن وميلوني شريكتين في مبادرات تتعلق بتشديد سياسات العودة، وإنشاء ترتيبات لإعادة المهاجرين خارج الاتحاد الأوروبي، وزيادة الضغط على الدول الثالثة للحد من الهجرة.

وهذا التقارب يمنح ميلوني مكسباً سياسياً، لكنه يضع فريدركسن في موقع أكثر تعقيداً داخل عائلة يسار الوسط. فهي لا تزال رئيسة حكومة اجتماعية ديمقراطية، لكن سياساتها، خصوصاً في ملف الهجرة، تلتقي في ملفات أساسية مع حكومة إيطالية يمينية، وتتهم داخلياً بالتوجه أكثر نحو تشدد قومي.

وبينما تُتهم ميلوني وحزبها، "إخوة إيطاليا"، بجذور فاشية، فإن فريدركسن لا تخفي كذلك إعجابها برئيسة الحكومة الإسرائيلية السابقة غولدا مائير، التي تعدها مثلها الأعلى وملهمتها في الحياة.

وهذه المفارقة ليست جديدة تماماً؛ فكوبنهاغن تتبع منذ سنوات سياسة هجرة أكثر تشدداً من معظم الأحزاب الاشتراكية والاجتماعية الديمقراطية الأوروبية، ما جعلها في بعض الملفات أقرب إلى مواقف المحافظين واليمين المتشدد منها إلى شركائها التقليديين في جنوب أوروبا.

سبتة تكشف أزمة أعمق

لذلك تبدو أزمة سبتة، في النهاية، أكبر من خلاف دبلوماسي بين كوبنهاغن ومدريد. إنها تكشف انقساماً داخل يسار الوسط الأوروبي حول سؤال بات أكثر إلحاحاً مع صعود اليمين: هل تستطيع الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية استعادة الناخبين عبر تبني سياسات أكثر صرامة في الهجرة والأمن، أم أن عليها الحفاظ على مسافة واضحة من خطاب اليمين القومي؟

فريدركسن تبدو مقتنعة بأن الإجابة الأولى ممكنة؛ أي أن الدفاع عن دولة الرفاه وتشديد سياسة الهجرة يمكن أن يجتمعا داخل مشروع اجتماعي ديمقراطي.

أما منتقدوها في أوروبا، فيخشون أن يؤدي هذا النهج إلى جعل يسار الوسط شريكاً للتيارات اليمينية في صياغة أجندة الهجرة، وأن يتحول الخلاف حول الحدود إلى مصدر جديد للانقسام داخل أوروبا.

وبين غرينلاند وسبتة، تظهر مفارقة سياسية لافتة، وفقاً للصحافة الإسبانية: إسبانيا التي وقفت إلى جانب الدنمارك عندما كانت كوبنهاغن تحت الضغط الأميركي، تجد نفسها اليوم تتساءل عن حدود التضامن الذي يمكن أن تتوقعه من حليفتها الاجتماعية الديمقراطية.

وهكذا، لم تعد ميتا فريدركسن مجرد رئيسة حكومة من يسار الوسط، مدعومة من اليسار البرلماني، تتبنى سياسة هجرة متشددة، بل أصبحت جزءاً من نقاش أوروبي أوسع حول مستقبل يسار الوسط نفسه: هل يواجه صعود اليمين بمنافسته في قضايا الهجرة والأمن، أم بالحفاظ على حدود سياسية وأيديولوجية واضحة معه؟