فرحات مهني.. خيط رفيع بين النضال الثقافي والراديكالية
استمع إلى الملخص
- بعد مقتل معطوب لوناس، تبنى مهني مطالب انفصالية لمنطقة القبائل وأسس حركة الحكم الذاتي، وأعلن في 2010 تشكيل حكومة منفى في باريس.
- صنفت الحكومة الجزائرية حركة "ماك" كتنظيم إرهابي في 2021، وواجه مهني انتقادات من عائلته ورفاقه السابقين لدعواته للانفصال.
في نهاية تسعينيات القرن الماضي ظهر رئيس حركة انفصال منطقة القبائل (ماك) فرحات مهني، بصفة مغن ومناضل ثقافي من أجل الأمازيغية، مع مقدمة برنامج "صباحيات" في التلفزيون الجزائري عفيفة معلم، ليقول "أنا جزائري، من أصل أمازيغي، من الأرض الجزائرية وأحب الجزائر، والداي مسلمان وأنا مسلم أيضا، أعتز بجزائريتي... أنا هنا من أجل والدي الذي استشهد من أجل استقلال الجزائر". لكن بعد مرور بضع سنوات سيغير مهني قناعاته تلك ويبدأ بالتأسيس لفكرة المطالبة بانفصال منطقة القبائل، وصولاً إلى محاولته الإعلان من باريس السبت الماضي عن استقلال المنطقة عن الجزائر.
وقبل أن ينتقل نحو شق مسيرته الفنية بوصفه مغنياً احتجاجياً عام 1973، درس مهني العلوم السياسية في جامعة الجزائر، وكان لدراسته هذه تأثير في نسق مواقفه السياسية، حيث كان مغنياً ملتزماً وكانت أغانيه المشحونة سياسياً ذات الصلة بالمطلب الأمازيغي والتمرد السياسي على السلطة تهز ملاعب منطقة القبائل، خاصة في المقابلات التي كان يشارك فيها نادي شبيبة القبائل في الدوري الجزائري، ونتيجة لذلك ونضاله من أجل الهوية الأمازيغية، دخل السجون في الجزائر في فترة لم تكن السلطة تتسامح فيها مع كل نوازع التمرد السياسي مهما كانت أطرافها.
وكما اليسار والإسلاميين والتقدميين، نال مهني، شأنه شأن عدد من مناضلي الحركة الأمازيغية، نصيبهم من الملاحقات. في أعقاب الربيع الأمازيغي في إبريل/نيسان 1980، تم اعتقاله مع عدد من النشطاء، سيؤسسون لاحقا الحركة الثقافية الأمازيغية (البربرية). ولم يكن هذا هو الاعتقال الأول له بسبب نشاطه السياسي والثقافي، حيث سيتم اعتقاله مجدداً في يوليو/تموز عام 1985، رفقة قيادات في رابطة حقوق الانسان والزج بهم في سجن البرواقية، وسط البلاد، ولم يحاكموا إلا في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، قبل أن يصدر في حقهم عفو رئاسي عام 1987. وبعد الانفتاح السياسي في الجزائر بعد عام 1989، سينظم مهني إلى الهيئة التأسيسية لحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية بقيادة سعيد سعدي.
في عام 1994، أعلن فرحات مهني باسم الحركة الثقافية الأمازيغية عن "إضراب المحفظة"، الذي شل كل مدارس منطقة القبائل، للمطالبة بتدريس اللغة الأمازيغية، ولاحقا سينفصل مهني عن حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، ويركز على نشاط الحركة الثقافية الأمازيغية، ويبدأ في التفكير في التحول الراديكالي.
وفي ذروة الأزمة الأمنية الحادة التي شهدتها الجزائر في التسعينيات، كان مهني قد تلقى تهديدات من قبل الجماعات المسلحة التي كان جناح منها يركز على اغتيال المثقفين والفنانين. وفي ديسمبر عام 1994، وجد نفسه بالصدفة ضمن رهائن طائرة فرنسية اختطفها أربعة من عناصر الجماعة الإسلامية المسلحة (جيا). وقال في تصريح للتلفزيون الفرنسي إن المختطفين الذين قتلوا ثلاثة أشخاص داخل الطائرة لم يتعرفوا إليه وإلا كانوا قد قتلوه. وعندما طلبوا منه جواز سفره، وجدوا مكتوباً عليه في خانة المهنة مغن، حيث نهره العنصر المسلح بأن الغناء لا يجوز. نجا مهني من ذلك الاختطاف بعد تدخل القوات الخاصة الفرنسية التي حررت الطائرة في مطار مارسليا.
بداية من عام 1998، بعد مقتل المغني الشهير في منطقة القبائل معطوب لوناس، سيسلك فرحات مهني مساراً مختلفاً متبنياً المطالب الانفصالية التي تتأسس على العوامل المناطقية والهوياتية. وفي أعقاب الربيع الأمازيغي الأسود في الجزائر، والأحداث العنيفة التي شهدتها منطقة القبائل في إبريل 2001، بعد مقتل شاب ماسنيسا قرماح على يد قوات الدرك، أسس مهني حركة الحكم الذاتي للقبائل، مستغلاً تلك الأحداث الأليمة دافعاً لخطوته، وشرع في تأسيس خلايا للحركة في منطقة القبائل، قبل أن يغادر الجزائر نهائياً إلى باريس.
في مايو/أيار 2009، كان أول ظهور لمهني في منبر دولي عندما ألقى كلمة أمام المنتدى الدائم للأمم المتحدة المعني بقضايا الشعوب الأصلية، حيث أدان السلطة الجزائرية، وفي الثالث من يونيو/حزيران 2010 أعلن من باريس تشكيل ما سماها حكومة منفى لمنطقة القبائل، وفي الفترة نفسها، بدأ مهني مسار علاقة جديدة مع إسرائيل، حيث عقد اجتماعاً مع مسؤول إسرائيلي في سفارة تل أبيب بباريس. وفي عام 2012، زار تل أبيب وعقد اجتماعات مع مسؤولين إسرائيليين، ومنذ ذلك الوقت بات يعلن دعمه لإسرائيل ويصفها بأنها "دولة ديمقراطية ونموذج يمكن أن يحتذى به في منطقة القبائل"، وأطلق وعده الشهير بفتح سفارة إسرائيلية في منطقة القبائل بعد انفصالها.
بكثير من الأسى، وصف النائب والناشط السابق في الحركة الأمازيغية نور الدين آيت حمودة، الذي كان أيضاً رفيقه في السجن، في رسالة أخيرة وجهها إلى فرحات مهني ونشرها قبل أيام، الانزلاق السياسي الذي انتهى إليه، قائلاً "رؤيتك ترفع العلم الإسرائيلي في مظاهرات بباريس، مدعوماً من الدولة الإسرائيلية، والمخزن المغربي، واليمين المتطرف الفرنسي، كان مشهداً لا يُحتمل"، وفق زعمه، قبل أن يضيف "لقد خنت كل القيم التي ناضلنا من أجلها معاً: لهذه الأسباب كلها، لا بد من وداع".
في 28 إبريل 2019، وفي غمرة الحراك الشعبي، سمحت جامعة تيزي وزو، شرقي الجزائر، لفرحات مهني بإلقاء محاضرة عن بعد للطلبة تدعو إلى تقسيم الجزائر، لكن رد السلطات كان حاداً. منعت السلطات رفع الراية الأمازيغية في المظاهرات، وبدأت حملة اعتقالات في صفوف مناضلي الحركة الانفصالية في ولايات منطقة القبائل. وفي مايو/أيار 2021، أعلنت الحكومة الجزائرية تصنيف "ماك" تنظيماً إرهابياً ووصفت فرحات مهني بالصفة نفسها، وأصدرت بحقه لائحة توقيف دولية. قبل نحو أسبوع خاطب بن زهير جعود، خاله فرحات مهني، في رسالة نشرها جاء فيها "أطلب منك أن تفكّر مجدداً، ليس لتمنحني الحق، بل لكي لا يوضع اسمك في خدمة من يريدون إضعاف الوطن الذي قلتَ يوماً إنك تحبه".